الأحد، 8 مارس 2026

غياب البعد العربي وأثره في وعي الأمة اليوم

 أن أخطر ما يواجه العالم العربي اليوم ليس هو الازمات التي تعصف به  بين عقد وآخر أو الحروب التي تدفع اليها  دفعاً مهما كانت أيديولوجياتها , دينية , كانت أو إقتصادية, وإنما هو غياب البعد العربي بوصفه أفقاً جامعاً للوعي, فالدول أو الأمم لاتقوم فقط  على الجغرافيا  أو المصالح  , بل على فكرة كبرى  تعطيها معناً وجودياً تاريخياً, وحينما تتلاشي هذه الفكرة تصبح  الأمة  جزراً متناثرة  لكل منها حساباتها الخاصة  واولوياتها الخاصة بها دون غيرها , هذا تماماً ماتعاني منه أمتنا العربية  بعد سقوط البعد العربي عن الذهنية العربية في وقتنا الحالي.

لقد كان مايسمى "القومية العربية "في لحظة من لحظات التاريخ إطاراً رمزياً يتجاوز حدود الدول  الى تصور أوسع  يرى العرب جزءاً من فضاء اعظم حضارياً وثقافياً,ومع تراجع هذا الوعي  ليس فقط تراجع معه خطاب الوحدة  , بل تراجع كذلك مجرد الشعور بقضية  عامة جامعة. سخطنا على التطبيقات والشعارات السابقة  , جعلنا  نحطم الفكرة ذاتها , وهذا في نظري غباء سياسي , لاينبع من وعي تاريخي ثقافي عميق. اليوم كل بلد عربي يرى نفسه حالة خاصة, له علاقاته بعيداً عن التنسيق مع من حوله من الدول العربية الاخرى, فأختفى المجال العربي العام , فلم يعد سؤال الكتلة التاريخية  العربية التي لها وزنها مطروحاً, بقدر ماتكون مكوناتها مشاريع لكتل وتكتلات آخرى .

ما يجب  إعادة التركيز عليه هو إعادة التفكير في معنى للعروبة في عالم تغير , ولعربي جديد يقاوم  في عالم يسطح خصوصيات الدول الاضعف.

العروبة  كسؤال وجود 

العروبة ليست فقط  هوية قومية,  بل أحد أشكال الوجود  والحضور في العالم , واللغة العربية ليست مجرد لغة  بل هي بيت هذا الوجود من خلالها تشكلت  رؤية للعالم  برزت فيها الفلسفة والتصوف والشعر والفقة , واعتمدت اوروبا في عصورها الظلامية على منجزاتها

إن العودة  للتفكير في البعد العربي  لايعني العودة الى الشعارات القديمة فالعالم تغير, ان فهم  العروبة كفضاء قادر على انتاج معرفة جديدة أمر في غاية الاهمية. إن الدول   المؤثرة في العالم ليست هي الدول التي تمتلك الثروة فقط, بل تلك التي تمتلك الفكرة كذلك. حينما يختفي السؤال الفلسفي عن معنى الوجود العربي في هذا العصر, تتحول دولنا الى أداة لتدار الازمات من خلالها  لا الى دول تصنع التاريخ , حيث الوجود ليس سوى تاريخ يصنع , كما كان في سابق حضارتنا.

السبت، 28 فبراير 2026

البعد الأخلاقي , ومفارقة الموقف الايراني تجاه قطر

 شكل الإعتداء العسكري على قطر بالذات وعلى  دول الخليج العربي الاخرى  صدمة سياسية واخلاقية عميقة , لابسبب طبيعته العدائية فحسب  , بل بسبب المفارقة التي ينطوي عليها. دولة إختارت الحوار والوساطة دون انزلاق الأمور الى ماإنزلقت اليه  تواجه بالغدر بدل التقدير.

 لقد تبنت قطر طوال السنوات السابقة نهج الوساطة والانفتاح على الجميع وسعت الى إبقاء كل وسائل الاتصال مفتوحة على الجميع  لتجنب المنطقة المخاطر بكل السبل , بما في ذلك إيران رغم تبدل المواقف  وراديكالية التوجه, لم يكن هذا النهج إصطفافاً إيديولوجياً, بل إدارة عقلانية للجغرافيا  والمصالح المشتركة , بل أن الدوحة قدمت نفسها  وسيطاً يسعى الى تخفيف التوترات  الاقليمية  لا إلى تأجيجها من هنا تبدو الخطوة العسكرية الايرانية ضد قطر  خروجاً أخلاقياً  قبل أن يكون خروجاً عن منطق العلاقات المتوازنة, خاصة أن قطر ودول الخليج الاخرى أعلنت ان أن أراضيها لن تكون منطلقاً للهجوم على إيران,  فالوسيط لايكافأ بالقصف  والدولة التي تتحفظ على الخصومة لايجب أن تٌعامل كخصم , ومع ذلك كانت قطر ودول الخليج جميعاً على مستوى التحدي التي فرض عليها  فجابهت العدوان بالتصدي  وبالقوة لصيانة اراضيها وشعبها وقد أبلين بلاء حسناً , يجعل من التسرع الايراني مجرد عصاب نفسي سيعود على صاحبه بالندم . إن اللجوء الى القوة في مواجهة  دولة لم تتبن سياسة عدائية يبعث برسالة خطيرة الى المنطقة بأسرها, بأن الاعتدال لايحمي  وأن الحوار لايُحترم. لقد إختارت قطر أن تكون جسراً في منطقة مليئة بالعوائق والجدران  , فإستهدافها  يهدد الفكرة ذاتها . فكرة أن الحوار  يمكن أن ينتصر في منطقة غارقة في الايديولوجيا الدينية  والتاريخية. إن حسن الجوار ليس تنازلاًً بل إعترافاً بالوجود المشترك , السياسة الرشيدة ليست صرخة غضب  وقفزة تهور, بل قدرة على تحمل الصعاب والتعقيد.

حفظ الله قطر أميراً وحكومة وشعباً , وحفظ  أخواننا في دول الخليج جميعاً وامتنا العظيمة من كل شر يتربص بها ومن كل غدر يحاك لها.

الثلاثاء، 24 فبراير 2026

ماذا خسرنا بإنتهاء الفرجان3-3

 نحو فريج معنوي:

 ربما لايمكن إستعادة الفريج كمكان , لكن يمكن أستعادته كفكرة

فكرة أن الانسان لايستطيع أن يعيش  لوحده, وان الاخلااق ليست نصوصاً تُلقن , بل علاقات تعاش , وأن القرب ليس مجرد مسافة بل مسؤولية , وأن المجتمع مهما تعقد يحتاج الى مساحات من الثقة المتبادله.  في زمن المدن العملاقة , نحتاج الى "فريج معنوي" , مجالس تعيد التعارف , مبادرات تعيد التضامن , تعليم يرسخ الجيرة , إعلام يُعلي من فضيلة الستر, باب يُطرق بلا موعد , صحن يٌرسل بلا مناسبة, كبير يُوقر بلا نص , خلاف يٌحل  بلا محكمة. نحتاج الى نسق من المعنى بجوار  الابراج والمدن  الكبيرة. أخلاقيات الفريج لم تكن مثالية, لكنها كانت إنسانية, كانت تذكرنا باننا لسنا افراد  عابرين  بل خيوطاً في نسيج أوسع فإذا تمزق النسيج  فلن تنفعنا كثرة القوانين .

هل نستطيع أن نبي حداثة لاتقتل القُرب؟

هل نستطيع أن نصنع حداثة تحافظ على الستر كقيمة عليا؟

هل نستطيع ان نحافظ على  حداثة  تعترف بالجار وأحقيته الدينية والاجتماعية؟

هل نستطيع أن نحافظ على  حداثة تعترف بالاختلاف ولاتزج به الى زاوية الخلاف؟

هل نستطيع ان  نوجد إنساناً حراً دون أن يكون  وحيداً في عالم اليوم ؟

أسئلة يطرحها فريج الأمس الذي رحل عتباً دون وداع

إنتهى

ماذا خسرنا بإنتهاء الفرجان 2-3

 إقتصاد الكرامة

في الفريج  لم تكن المساعدات إستعراضاً بل واجباً صامتاً, كان هناك ما قد يسمي ب" إقتصاد الكرامة" تُعطى الصدقة دون إعلان , وتُحل المنازعات دون فضيحة, كان الستر قيمة عليا , لأن الفضيحة  لاتمس الفرد وحده   بل تمس النسيج كله.كل الفريج يعاني من فضيحة أحد أبناءه.

 اليوم في زمن المنصات الرقمية  تحول هذا الاقتصاد , لم تعد السمعة محلية وانما اصبحت عالمية , لم يعد العتاب واللوم يقال في المجلس, بل ينشر في تغريده, صار الاعتراف بالخطأ مشهداً عاماً , لم يعد همساً بين الجيران وهنا يتغير النسق  من رقابة الفريج  الى رقابة الجمهور  على اتساعه. ومع الطفرة النفطية  والانتقال  الى التكوينات الحضرية الجديدة من أحياء  وتقسيمات, صعدت الدولة كمنظم أخلاقي  , وتراجعت الجماعة الصغيرة التي كانت تمثل الفرجان, صرنا نعتمد على القانون بدل العرف , وعلى العقد بدل  الثقة  وعلى الحراسة بدل الحياء , تحرر الفرد من قيود الجماعة لكنه فقد دفئها , لم يعد الجار  يسأل عن جاره  وربما لايعرف إسمه, اتسعت مساحة الخصوصية  على حساب مساحة الألفة, لقد منحتنا الحياة الجديدة  حرية الحركة  لكنها عززت  الشعور بالعزلة. ولكن علينا أن نعترف  الى أن الحنين الى الفريج  مفهوم  لكنه يحتاج الى وعي ناقد كذلك , فليس كل ما مضى أفضل , الفريج كان ينتج التضامن  لكنه إيضاً كان  يعيد انتاج التراتيبية, كان يحمي الضعيف  لكنه كان يُسكت المختلف أو يحاربه , كان يعزز الانتماء  لكن قد يُضيق على المختلف 

السؤال الآن  ليس كيف نعود الى الفريج  ؟ ولكن كيف نستخلص منه ماهو حي وصالح لعبور الزمن, كيف نحافظ على  قيمة الجيرة؟ دون أن نحولها الى رقابة, كيف نستعيد الستر دون أن نغلق باب المساءلة؟ كيف نوازن بين الألفة والحرية؟

هذا ما سوف اعرضه في الجزء الثالث  من خلال ما أسميته  نحو فريج معنوي

يتبع

ماذا خسرنا بإنتهاء الفرجان؟1-3

 لم يكن الفريج في بيئتنا مجرد حيُ قديم تتجاور فيه البيوت وتتشابه الأبواب, بل كان بنية أخلاقية متكاملة , كان نظاماً من القيم  يسبق القانون  ويستغني عن كاميرات المراقبة, هناك في الأزقة الضيقة" الدواعيس" كان الضمير  يتجلى من خلال الاحتكاك اليومي وكانت السمعة رأس المال الأهم , وكانت الكلمة أداة الضبط الاشد تأثيراً  . ولكن  السؤال اليوم ليس لماذا فقدنا الفريج وإنما ماذا كان الفريج حقاً ومالذي خسرناه؟ بلغة النقد الثقافي  فالفريج لم يكن مجرد مكان بل " نسقاً ثقافياً "  أو بنية عميقة تنتج المعنى  قبل أن يُعلن, كان يُعرف ماهو العيب وما هو المقبول  دون لائحة  مكتوبة  أو ما يسميه بورديو عالم الاجتماع الفرنسي ب" الهابيتوس" ذلك المخزون الغير واعي  من السلوكيات والميول  الذي يجعلنا نتصرف  كما " يليق بنا" دون تفكير  مسبق.

في الفريج  لم يكن الانسان حراً بالمعنى الليبرالي  يل عضواً في شبكة  من العلاقات كثيفة فوجوده كان علائقياً, هويته تتشكل من خلال الجيرة والقرابة والذاكرة  المشتركة ويمكن القول بإن الفريج  بهذا المعنى  أفقاً  ينكشف فيه الوجود من خلال القرب,  الوجوه المألوفة, الاصوات المتكررة , المجالس المفتوحة. لم تكن السلطة في الفريج مؤسساتية بل رمزية, الكبير , الوجية, صاحب الكلمة كل هؤلاء كان يمثلون سلطة ناعمة, كان الجميع يراقب الجميع  لا بدافع الشك  بل بدافع الحرص , كان الفريج يحتضن أبناءه  لكنه  لايتحمل كثيراً من الشذوذ عن القاعدة, كان الاختلاف يعاقب بالصمت  وفي درجات متقدمة بالإقصاء. وهنا تكمن المفارقة , فالتضامن كان يحمل في طياته  بذور إنضباطه.

يتبع

 

الخميس، 19 فبراير 2026

القران الكريم .... كتاب جواب أم سؤال؟

 يومياً  يدخل   مجال تفسير القرآن الكريم  أعداداً تتزايد من المشايخ والفقهاء والباحثين والمهتمين بالدراسات الاسلامية , ومع ذلك  لانرى لمثل هذا التدافع الجاد أثراً واضحاً  في حراك الأمة  نحو المستقبل  ويبدو الأمر وكأنه ميدان لغوي واسع  يتسابق فيه  جهابذة النحو واللغة والتفسير والمشترك الوحيد بينهم في إعتقادي وكما يبدو  نتيجة لهذا التراكم   أن القران   كتاب أجوبة  لكل شيء , وهنا نكن وصلنا الى  مسألة حساسة  حين نتعامل مع القران  ككتاب أجوبة جاهزة لكل شيء  ودستوراً تفصيلياً للحياة العصرية  ومرجعاً لإغلاق كل سؤال. بهذا  نحوله دون أن نشعر  إلى نهاية التفكير. لكن إذا نظرنا له  كنداء وجودي  ودعوة دائمة للتفكر  وايقاظ الوعي وزلزلة المألوف  فإنه يصبح بداية السؤال, حين نستخدم النص لإيقاف السؤال  فإنه يفقد قدرته  على الحياة  وتتحول اللغة الى يقين جامد, فالوعي الجديد الذي يخلقه النص   لايتطلب إنتاج اجوبة  جاهزة بقدر ما يتطلب صياغة وانتاج    أسئلة  جديدة  منفتحة   تترك اجابتها  للمستقبل . كيف نجعل من القرآن كتاب سؤال  يتفتح معه الزمن يومياً دافعاً لنا للعمل  والبحث , وليس مجرد كتاب نبحث فيه عن الأجوبة. نرى الظواهر فنهرع اليه باحثين عن أجوبة لها . وحين تموت القدرة على السؤال تتحول اللغة الى خطابة ووعظ وتكرار  وتنافس في  اللفظ

السبت، 24 يناير 2026

من جرح الأنا إلى مصلحة الشعوب

  كيف نخرج السياسة من  مزاج الاشخاص  إلى عقل المؤسسات؟ هذا سؤال أخلاقي , كيف نحول هذة الطاقة السلبية" مزاج الاشخاص " الى طاقة منضبطة؟, نحن كأمة لدينا جرح نرجسي  خلفه الاستعمار فأصبحت هويتنا  ضحية له , من خلال  التمركز حول "الأنا" السياسة الناضجة هي إدارة الخلاف بلا كراهية, ان ينتقل الخلاف من من مستوى الذات المجروحة  الى مستوى القواعد  التي  تحمي الشعوب ,  النزعة الفردية قاتله في السياسة, الحقد في السياسة يظهر في شكل شخصنة  والحسد في السياسة يتجلى في شكل سياسة عقاب جماعي  والغيرة  تظهر على شكل  دوامة إنتقام, " إنتقد سياسة لاتهين شعباً"  إنتقد موقف لاتجرح شخصياً" الرموز يجب أن تبقى بعيداً  من المصلحة السياسية والاجتماعية  ما يحتم ذلك كوسيلة  رجعة  , وخط  عودة  , وسائل الاتصال الاجتماعي يجب ان نستخدمها لاأن تستخدمنا ,  اللغة  لابد من أن ترتفع الى مستوى مكانتها حضارياً,  الدول لاتختزل في أشخاص  فالخلاف كما نرى عند العالم المتقدم  بين سياسات  لا ذوات , الظاهرة الترامبية  في إعتقادي  أخطر ظاهرة يمر بها العالم منذ الحرب الباردة, الدولة لديه في حالة استنفار دائم  وفي حالة تأويل بإستمرار  ما  يزعزع الدول الاخرى والكيانات الاصغر  هو شخصنة الدولة الأمر الذي تجاوزته الديمقراطيات  من زمن ,  الخطر علينا كبير كلما تعززت ذاتية الدولة كلما  أصبحت القرارات شخصانية كلما كانت الشعوب ضحية , تأخرنا كثيراً  من الخروج من هذه الدائرة اللويسيه " لويس الرابع عشر" الدولة أنا وأنا الدولة" فإذا هي تطل برأسها من هناك من الغرب ومن الديمقراطية الاعظم من أمريكا  لتختزل من مسافة الخروج منها كأمل الى نفق العودة اليها والتمسك بها   ويبقى الحجم والقدرة   والمجتمع المدني  والمؤسسات هم ركائز الاستقرار بعد جنون الفرد,  تنقصنا ثقافة الاعتذار وهي الوحيدة التي  تعيد السياسة  الى مستوى العقل  وثقافتنا مع الاسف  لا تمجد الاعتذار بل تعتبره صوره من صور الضعف  وليس وسيلة قوة بنى بها الذات فليس هناك وسط بين الصدر والقبر  حتى ولم نحقق  معايير  الصدارة وشروط  إعتلائها.