الأحد، 8 سبتمبر 2024

وهم الهروب من العدالة

 

كثيرة هي التساؤلات  عن  المجرمين الذين  استطاعوا الهروب من العدالة البشرية , يرونهم  في الاسواق  وفي التلفاز  وفي كل مكان , يُحتفى بهم  ويتصدرون المآدب والاحتفالات, يعرفونهم بأعمالهم, الشريرة, لكنهم في حصن حصين من العدالة البشرية لسبب أو لاخر, نفوذهم كبير اكبر من العدالة البشرية, لكن إيمان الناس بالعدالةالآلهية حتمي  ولا لبس فيه, لكن الناس تغفل عن شيء هام , وهو أن هناك ثمة شيء بين عدالة الارض اليوم  وعدالة السماء غداً, وهي العدالة الفورية التي تأخذ مكانها بمجرد أن يرتكب الانسان جريمة, وهي عدالة تبدأ من الداخل من داخل المجرم  أياً كانت جريمتة, قتل, سرقة, استحواذ غير مشروع ....الخ, يبدأ الانهيار الداخلي مع مرور الوقت , فالزمن يتفاعل سلبياً مع الجريمة داخل نفس مرتكبها, ويبدأ بالتالي التدهور النفسي والصحي له والتفكك الخارجي يتبعه مع مرور الوقت , الجرم والعياذ بالله  ينهش في جسد مرتكبه , هذه العقوبة الآلهية الفورية , الناس لاتراها  وتعتقد أن العدالة الآلهية مؤجلة , الا أنها فورية  ولكنها  تستعين بالزمن الذي هو أشد على المجرم من الاعدام الفوري ,يبدأ التفتت من الداخل  وقد يتطلب فترة طويله من الزمن حتى يتداعى ظاهرياً ولكن  داخلياً هناك شيئاً ينهار,  ,كم هي الاعترافات التي تم تدوينها لمجرمين حين وصلوا الى ارذل العمر وعلى وشك الموت وقد افلتوا من عقاب الدنيا لكنهم لم يفلتوا من عقاب الضمير الذي تراكم ككرة الثلج مع مرور الايام في داخلهم , الانسان كائن متحسر على ذهاب الدنيا مهما كان نزيهاً فيها فكيف به وقد أرتكب إثماً يخفى عن أعين البشر  ولكن داخله  يتألم من كتمانه, أن كنت قد شعرت  عزيزي القاريء يوماً ما بأنه قد مر من جنبك  مجرماً  وتراه مبتسماً ضاحكاً فثق تمام الثقة  بأن هناك شيء ما  بجانبك قد بدأ بالتداعي والتآكل.

السبت، 20 يوليو 2024

عمار تقي وأزمة نصف الثقافة

البرنامج الحواري الصندوق الاسود الذي يقدمه الاعلامي الكويتي عمار تقي منذ عدة مواسم اكتسب شهرة واسعة ولي عدة ملاحظات حوله أود لو أشير إليها أولاً:إتهام السيد تقي بإنه عميل لحزب الله يبدو أنه متهافت ومحاولة لتشويه سمعة البرنامج وسمعة مقدمه للحد من شعبيته المتنامية, حيث لادائل يمكن الركون اليها في هذا الاتهام وقد أشار السيد تقي مراراً أنه لاينتمي سوى لبلده الكويت. ثانياً:يمثل برنامجه في نظري أزمة منتصف الثقافة الشائعة في مجتمعاتنا العربية حيث الرسمي او الايديولجي يطغى على ماهو رأي ينطلق من ذات تتمتع بمساحة كبيرة من الحرية, حيث معظم الشخصيات التي استضافها من الايديولوجين الرسميين أو الحزبيين أو اشباه الحزبيين أو منفذي سياسات وليسوا صناع سياسة وهؤلاء جميعاً " انصاف مثقفين" فلايديولجي اياً كان صنفه نصف مثقف لأنه يمثل أو ينفذ سياسة أو منهج وليس إنطلاقاً من الذات الحرة بينما المثقف الحقيقي خارج أسوار أية ايديولوجيا ممكنه. ثالثاً:إتسمت حلقات البرنامج بالتطويل الممل من 30 الى 60 حلقة للضيف الواحد في المتوسط او ربما أقل قليلاً بحيث جعلت من الضيف ليس مصدراً للمعلومات والاسرار فقط بل وصندوقاً لبث بواعث نفسه واكراهاتها وعقدها الأمر الذي لايعني المشاهدين ولايضيف الى المستمع ولا الى المجتمع شيئاً يذكر , كرأي الدكتور النفيسي في السيدة أم كلثوم أو الدكتور الفقي وكلامه عن عبدالناصر الذي حاول أن يتنصل منه وكأن القضية أختزلت في كأس ويسكي يرى الفقي أن عبد الناصر قد شربه في بيت السادات . رابعاً:إذا كان البرنامج يبادر في إختيار ضيفه وقد فعل في اعتقادي ضمن معايير مدروسة فهو عمل إحترافي أما إذا كان يستجيب لطلب من يدفع ليقول شيئاً فهنا إشكال . ثم أن هناك ملاحظة أخرى وهي أن المقدم ليس له الالمام الدقيق فيمايتعلق باحوال الدول الاخرى بما فيها دول الخليج ولم يظهر أنه جاء لنقاش نقط محددة واضحة بما يكفي اليه وكان واضحاً ذلك مع عدة شخصيات خليجية فليست لديه المعلومات الكافية للمداخلة والغوص عميقاً حتى لاتتسرب الاجابة بعيداً عن الهدف من السؤال حينما يسترسل الضيف بحرية تامه خارج الموضوعية لتتحول الاجابة الى قصة أو مشهد بطولي. لذلك لم تجد مثل هذه الحوارات صدىً داخلياً حسب علمي في هذه الدول بل ان حتى بعضها كان الصدى سلبياً خامساً: لاشك أن البرنامج قد حظي بمشاهدات مليونيه وحظي مقدمه بشهرة واسعة لا لأنه صندوق أسود بالمفهوم الدقيق للكلمة لأن الصندوق الاسود دائماً عند الصانع أو المصنع حيث صُنع القرار وليس عند المستهلك أو منفذ السياسات لذلك معظم مايتم كشفه من اسرار ليست سوى نشر غسيل داخل نطاق البيت الواحد او المنطقة الواحدة لاننا لانزال موضوعاً ولسنا ذوات تمتلك القرار. سادساً: في المجتمعات الديمقراطية هناك عمر افتراضي للأسرار والمعلومات بعدها لابد ان يسمح للشعوب ان تقرأها وتتطلع عليها ومن ثم يجرى اعادة تقييمها واصدار الاحكام عليها والاستفادة منها مستقبلااً فالصندوق الاسود يتحول الى صندوق ابيض بعد غسيله ونشر أسراره, بالطبع هذا غير متوافر في وضعنا العربي الحالي وذلك لديمومة الانظمة والماضي الذي لايزال حاضراً وربما مستقبلاً كذلك وكل ما يمكن كشفه قد لايتعدى كونه مساساً بمن سبق وليس بحثاً عن الحقيقة في حد ذاتها.

الأربعاء، 10 يوليو 2024

عرفته في الهزيع الأخير

حينما أتصل بي الأخ الدكتور أحمد عبد الملك يخبرني أنه قد كُلف بإعداد كتاب عن الراحل العزيز جاسم صفر, طالباَ مني إمكانية المساهمة فيه بما تجود ذاكرتي به من مواقف وذكريات لي مع الراحل العزيز الاخ جاسم صفر, قفز الى ذهني ذلك الانقسام بين مرحلة ماقبل وما بعد فيما يتعلق بالعلاقة الانسانية بين البشر, إنطباع ماقبل المعرفة ومرحلة مابعد المعرفة, المرحلة المتخيله التي تحمل فيها تصوراً عن الشخص والمرحلة الواقعية بعد أن عرفته وجالسته وتمكنت منه عن قرب.كان الاستاذ جاسم صفر من أوائل من قرأت لهم في الصحافة القطرية باكراً مع بداية صدور جرائدها ومجلاتها بالإضافة الى الدكتور أحمد عبد الملك وشخص آخر يدعى أحمد العيلان في منتصف السبعينيات من القرن الماضي, تلك المرحلة كان الكاتب فيها يمثل قيمة أكبر مما هو عليه الآن, كان كاتباً رمزيا الى حد الكبير ولم يكن قد أوغل فيها كماحصل في آخر عهده بالكتابة, فأوجس في نفسي إنطباعاً عنه بأنه متكبر أو يطل على المجتمع من نافذة صغيرة تفتح هناك بعيداً ,وفي أحد الايام إستدعاني مدير تحرير الشرق وهو أخ سوداني الجنسية لم أعد أذكر أسمه رحمه الله أيام كان رئيس التحرير الاستاذ عبد العزير المحمود, ليقول لي عليك أن تختار بين الشرق أو الوطن حيث أنني كنت انشر في كلا الجريدتين , وأذكر أنه قال لي " دولا ضراير" عليك أن تختار ونحن أولى بك , في تلك الاثناء كان الاخ جاسم صفر جالساً يتحدث الى شخص آخر عن مقالاته وتأثيرها وفجأة التفت الى البواب او الشخص الواقف عند مكتب رئيس التحرير قائلاً لايدخل أحد قبلي الى رئيس التحرير, هنا قلت صدق حدسي فهو فعلاً متعال. وذهب كل منا الى طريقه وتشاء الظروف وبعد سنين طويلة منذ ذلك التاريخ أن نلتقي بعد أصبحنا في عداد المتقاعدين, عن قرب لأكتشف الانسان في داخل الاخ جاسم وقدكان قد انضم الى مجموعتنا في مقهى في اللاندمارك يومياً عدا يوم الجمعة ولم يزل يحمل ذلك الكبرياء ,في البداية كان يسأل عن الاخ محمد الفضالة المخرج التلفزيوني الذي زامله العمل في التلفزيون فإن كان متواجداً طاب له البقاء وإلا استعجل في الذهاب والعودة من حيث اتى, فبدأت علاقتي معه وتبادلنا الاحاديث واهداني كتاباً جمعه عن الفنان الراحل فرج عبد الكريم الذي كان يعتبره نصفه الآخر فنياً, الاخ جاسم كان متعدد المواهب بالاضافة الى الكتابة, كان ينظم الشعر ويؤلف المسلسلات وله عدة مسلسلات من تأليفه في تلفزيون قطر أذكر منها مسلسل "تناتيف"وهو أشهر من كتب الاغنية الرياضية في قطر"حيوا فريقي" وغيرها وهو من كتب الاغنية الخالدة في وجدان كل قطري " يافر ياحب في عيون البشر أفديك بماي عيني ياقطر"بعد اللقاء الاول معه بدأت مرحلة من العلاقة مرحة بيننا حيث يصر رحمة الله انه من جيل آخر لايمكن لكتاب اليوم ان يصل الى مستواه كان شديد الاعتزاز بما انجزه شديد الحساسية أمام من لايعرفه ويؤكد دائماً على ضرورة الانتقاء حتى مع من هم في المقهى العام , يتساءل عن كل جالس جديد الى درجة التوجس , تأثر كثيراً بعد ايقاف الجريدة له ككاتب يومي وهو كان الكاتب القطري الوحيد الذي يكتب يومياً, لقد عرفته في الهزيع الاخير من حياته رحمه الله فكنا ثنائي على نقيض ليس عناداً وانما اسلوباً محببا لديه ان يقول أنا هنا دائماً عند احتدام الحوار داخل المجموعة حتى اصبح غيابي يشغله وغيابه يشغلني , كان يأتينا متحاملاً على مرضه رحمه الله , وقد أشرت عليه أن يأتي على كرسي متحرك فرفض بشده, كان عزيز النفس يأنف من المتكبر الذي لايرد التحية كما يجب ان يكون الرد " فتبخر اعتقادي السابق فيه, في صيف عام 2022 سافرت الى بريطانيا وقد ودعته على أمل أن القاه ثانية وكنت اسمع عند الاصدقاء انه سيذهب للعلاج في تايلند وبلغني فيما بعد انه غادر الى تايلند وحين رجعت كنت كثير السؤال عنه وكانت الاخبار مطمئنه ان حالته تتحسن وان عودته قريبه حتى انتكست حالته بعد اصابته في الحوض وتعطل الكلية عن العمل وحين رجع الى قطر كنت انتظر الاذن لنا بالسماح بزيارته في المستشفى الاأن قدر قد سبق وانتقلت روحه الى بارئها, عندما استعرض كتاباته أدرك من خلالها شخصيته , بما فيها من تحدي واصرار, وبأحكامه بما فيها من مطلقات, يعتب على الزمن بما فيه من متغيرات لايستجدي أحداَ ولاينافق مسؤولاً , ينكشف على الاخرين من خلال ذاته , فيعتقد البعض أنه يكتب لنفسه ولو ان هناك نوع من التمعن لادركوا ان اسقاطاته على الواقع كانت واضحة لكل ذي بصيرة , رحم الله الأخ جاسم بقدر ما قدم لقطر , وبقدر رسوخ كلماته في حبها في وجدان كل الاجيال , سنذهب جميعاَ وستبقى"يافرح ياحب في العيون البشر" في قلب كل قطري يولد ليستكمل المسيرة ويسلم هذا الحب الذي اضاء شعلته جاسم الى من هو بعده

الاثنين، 1 يوليو 2024

المثقف بين التوهج والذبول 4/2

نأتي الى المرحلة الثانية الممتدة من أواثل السبعينيات الى قبل منتصف التسعينيات والتي كان سمتها التعلم كشرط معرفي أو "ميتافيزيقا" التعليم وذللك للتدليل على انها كانت مرحلة" قيامية" حملت كل أماني المجتمع والدولة حيث شهدت نهضة تعليمية كبرى وبوادر عودة الخريجين من جامعات العالم التي تم ابتعاثهم اليها لاكمال دراساتهم من أجل النهوض بالمجتمع في جميع النواحي حيث أصبح التعليم في نظر المجتمع المثقف المتعلم هو المنقذ وحبل النجاة للفرد لكشف قدراته وللمجتمع لكي يتقدم وينهض على الرغم من القاع الاجتماعي الذي لم يحرث جيداً بعد حيث لم تزل المرجعيات الاولى قوية ولم تتبلور مرجعيات وسطى ثقافية بديلاً عنها لعدم وجود مجتمع مدني حقيقي بعد مثل معظم دول الخليج من أجل إستثمار أفضل للتعليم , الامر الذي أوجد مثقفاً متعلماً في حدود الوظيفة في الاغلب , فغاب الموقف الثقافي لأن بقاؤه يتطلب بُعداً إنطولوجياً "وجودياً" مستمداً من مرجعيات ثقافية وليس مرجعيات أوليه ومع ذلك انتعش المجال العام وشهدت تلك الحقبة نشاطاً ثقافياً واضحاً سواء في مجال الصحافة أوالتلفزيون والاذاعة أو الاندية الثقافية كذلك, المرحلة الثالثة والمستمرة منذ منتصف التسعينيات حتى يومنا هذا فالشرط المعرفي لهذة الحقبة كان الريع ونشاطاته , تبؤأت فيها التقنية صورة الاله الذي جاء لينقذ البشرية على مستوى العالم فظهر نمط المثقف الاداتي في مقابل النقدي وفي مجتمعنا أخذ المثفف شكلاً ريعياً زئبقياً       حيث أننا مجتمعات استهلاكية بالدرجة الاولى, ويظهر ذلك واضحاً مع شيوع وسائل الاتصال الاجتماعي بجميع أنواعها واضمحلال دور الوسائل التقليدية من صحف ومجلات التي كانت تتطلب مثقفاً قارئاً على الاقل وسيطرت الصورة على الثقافة واختزل العقل في مجرد لحظات ولقطات وغابت سمة التمييز بين الغث والسمين وجعلت التقنية من الجميع صفاً واحداً أمام تجلياتها واشكالها وقد اشار الكاتب الكندي" الان دونو" الى ذلك في كتابة " نظام التفاهة الى ذلك بكثير من التفصيل والشرح, واصبحت التقنية هي التي تحكم اليوم وترسم طريق الخلاص الى المستقبل, والذي يبدو كئيباً لمن يستهلك هذه التقنيات ولا ينتجها , وهذه المرة نحن في حاجة ملحة الى عناية إلهية ربانية لننجو بأنفسنا وبمجتمعاتنا, من تغول التكنولوجيا واللافت للنظر أن المثقف في مجتمعنا بدأ عضوياً وانتهى ريعياًعلى عكس ماكان متوقعاً لمجتمع لديه طموح لتنمية مستدامة وفيما يلي سأعرض لصور لتمظهرات المثقف عبر  صيرورة التغير التي يمر بها المجتمع
يتبع 

المثقف من التوهج إلى الأفول 4/1

هل المثقف حالة من الثبات أم حالة من السيولة, يُطرح المبدأ كصفة للمثقف, ويوصم أحياناً بالزئبقية,   ينفي البعض  صفة الثقافة عن مايسمى بالمثقف الزئبقي , فمن هو المثقف في مجتمعنا  وما أنماط وجوده؟  التغير والثبات ثنائية قديمة قال بها فلاسفة ماقبل سقراط وعلى وجه الخصوص بارمنيدس الذي قال بالثبات في  حين قال هيراقليطس بالتغير المستمر وأنك لاتنزل النهر الواحد مرتين وسواءً كان العالم بين ثبات يتضمن في داخله تغيراً لايزيد عليه أم بين صيرورة تغير لاتنتهي حتى تبدأ, فأن جميع المجتمعات عبر التاريخ عرضة لهذا التغير المستمر والتحول الدائم , بودي هنا أن أشير إلى ملامح التغير الثقافي الذي شهده مجتمعنا القطري خلال العقود الماضية من خلال  أنماط المثقف في كل مرحلة لذلك سأقوم بتقسيم التاريخ الحديث الى ثلاثة مراحل حتى يَسهل علينا الاختصار والتكثيف كذلك , فالمرحلة الاولى في إعتقادي مرحلة المجتمع التقليدي وتبدأ ربما من منتصف الثلاثينات من القرن المنصرم حتى مرحلةنهاية الستينيات , والمرحلة الثانية وهي من بداية السبعينيات حتى منتصف التسعينيات وهي مرحلة شرطها المعرفي كان العلم أو العلم كمشروع انقاذ وانتشال لمجتمع لديه طموح . أما المرحلة الثالثة التي بدأت من منتصف التسعينيات حتى الآن فهي مرحلةدخول عصر التقنية والريع وكل مرحلة من هذة المراحل انتجت نمطاً من المثقف يتلائم وطبيعتها وثقافتها, وربما المرحلة الاخيرة التي هي مرحلة التقنية او التكنولوجيا يشترك فيها معظم المجتمعات خاصة النامية منها. نأتي أولاً لمرحلة المجتمع التقليدي الذي كان سائداً قبل إستقلال الدولة في بداية السبعينيات من القرن المنصرم, كان طبيعة العلاقات في تلك الفترة تقوم التضامن الآلي حيث التشابة كان سمة الشرط المعرفي لتلك الفترة وكان مستوى تلك العلاقات افقياً الى حد كبير نتيجة لهذا التضامن الذي يجعل الجميع في حاجة الجميع, وكانت الفرجان ممتدة كذلك أفقيأً والفريج بأكمله يحكي سردية واحدة للجميع , وبرز في الفترة نمط المثقف العضوي بالمفهوم الاجتماعي بالذات , حيث كان في كل منطقة من مناطق الدولة شخص أو أكثرينتمي اليها وتجده أو تجدهما يطالبان عن البقية بحقوق هذة المنطقة الاجتماعية من مواصلاات وهاتف وخدمات بريدية وكهرباء إتصالاً بالدولة ومكاتبها الموجودة أساساً في الدوحة العاصمة, وقد شهدت شخصياً العديد من هذه الشخصيات في تلك الفترة وهي تمارس دور المثقف العضوي المنتمي  لطبقته أو قريته حاملاً هموم أبناءها ناشراً وعياً  متبادلاً بين حقوقهم وواجباتهم.
يتبع

الأحد، 23 يونيو 2024

الهُوية الوطنية القطرية"ثانياً"

علينا أولاً حينما نتناول موضوع الهُوية , الاجابة على هذا السؤال هل الهوية جواب لسِؤال ما؟ أم جواب لسؤال من؟إذا كانت جواباً لسؤال ما فهي بالتالي شيئاً ثابتاً لايتغير , كهذا الكرسي أو تلك الطاولة سيظل طول عمره كرسياً وتظل طاولة. هل الذات الانسانية تحتمل ذلك ام انها شيئاً متغيراَ باستمرار بل انه اصبحت لديهم قدرة في تغيير حتى الهوية الجينية للأفراد مع زيوغ العلم وسقوط الاخلاق. إذن الهوية جواب لسؤال من؟ فسؤال الهوية الوطنية القطرية جوابه من هو القطري؟ واذا استخدمنا سؤال من فأننا نفتح مجال السرد والذات المستمرة في التغيير وتراكم الخبرات حتى يومنا هذا , فالقطري هو ذاك التراكم الذي احتوى تاريخ بناء المجتمع والدولة فيما بعد بداية من مرحلة الشيخ المؤسس ومن تلاه من حكام الكرام هذةه الدولة الفتية حتى يومنا هذا , بالاضافةالى كل انجاز مادي ومعنوي تحقق في عصرنا الحديث بجهود الجميع بمن فيهم الذين التحقوا او لحقوا بركب هذا الوطن واصبحوا من ابناءه فالهوية الوطنية القطرية هي تاريخ الكرم والشجاعة والايثار ومساعدة الجار هي تاريخ تحدي الصعاب واقامة مشاريع المستحيل هي تاريخ ملحمة كأس العالم الاول الذي كسر احتكار القلة , هي تاريخ أفضل من ينظم مؤتمرات ويعقد اتفافيات صلح وهدنة ووساطة في عصرنا الحديث , كل هذا تحتويه الهوية الوطنية القطريه حين تكون جواباً لسؤال من؟ ولذلك كله أدعوا باستمرار للخروج من مجال الهوية الضيقة التي توضع في مقابل الحقيقة , فالهوية معركة يعيشها الانسان للبحث والتنقيب والابداع لا لجعلها موضوعاً لصراع الذات مع ذاتها او مع الآخر فتقع في مستنقع الهيمنة للغير دون أن تشعر

"الهوية" أم الهيمنة المفروضة |أولاً"

في إعتقادي أننا كأمة وكأفراد تعرضنا بعد خروج الاستعمار الغربي الى وعي زائف ولَد لدينا أولويات زائفة ووجه الجهد الكلي للأمة نحو اتجاهات مفروضة عليه والى أولويات مغلوطة تدور جميعها حول " قضية" الهوية" وأصبحت جميع معاركنا ردود افعال واثبات وجود لاأكثر واودع الاستعمار الطويل لاراضينا هيمنة روحية غربية من نوع اخر قلبت سلم الاوليات لامة قد تحررت للتوء من الالتحاق بركب الابداع الى النبش في التراث لاثبات هويتها المتسربة ومضى قطار العمر بها في معارك وهمية بين ذاتها وذواتها واصبحنا أمة بلا إبداع وبلا انتاج يشير الدكتور فتحي المسكيني حول هذا الموضوع قائلاً "جعلتنا هذه الهيمنة الغربية نحبس عقولنا ونصوصنا في دور الآخر المجروح وليس في دور الذات المبدعة لمشروعها الخاص فتحول الفلاسفة والمفكرين الى شراح للتراث ومؤولين له. في تقديري إستأنفت الدولة العربية الحديثة هذا الدور او هذه الهيمنة الغربية التي ولدها الاستعمار وهذة الأولوية المغلوطة في مجتمعاتها فأصبح الفرد فيها بالتالي يبحث عن هويته باستمرار ووقع تحت معاناة فرضت عليه فرضاً فماتت روح الابداع والتميز لديه طالما أن التوجه باستمرار عمودي وليس أفقي بإتجاه المجتمع ورقيَه, وأصبح البحث باستمرار عن وصفة دائمة ومستمرة ونهائية لماهية متغيره ومتحولة وهي الذات الانسانية, وضعنا الاستعمار بعد خروجه أمام أزمة اختلقها هو وغرسها في أذهاننا وهي قضية " الهوية وأوهمنا أو توهمنا أن شرط الدولة إقامة الهوية وحراستها والانكفاء عليها واصبحت ديدن ثقافتنا ولؤلؤة تراثنا دون ابداع أو رؤية للمستقبل الآتي بإستمرار