الثلاثاء، 31 مارس 2020

الطبقة الوسطى في مواجهة كورونا


أظهر وباء كورونا   أهمية الطبقة الوسطى في المجتمع الذي دعوت منذ سنين على المحافظة عليها وعلى توسيعها ما أمكن حتى تحفظ التوازن العملي والأخلاقي في مثل هذه الظروف

اليوم الطبقة الدنيا تحتاج الحماية والطبقة العليا في عزلة ولم يتبقى سوى الطبقة الوسطى من أطباء وخبراء واخصائي مختبرات ,تتحمل كل ضغط المجتمع .تظهر كورونا بشكل لم يسبق له مثيل أهمية هذه الطبقة وضرورة الانفاق عليها بسخاء وتوسيعها ما أمكن.

ادى عدم الاهتمام بالطبقة الوسطى وزيادة الإنفاق على طبقة هلامية مصطنعة من نشاطات ترفيهية واستهلاكية الى عزوف الشباب عن الالتحاق بالمهن الإنتاجية التي يمثلها وجود طبقة وسطى عريضة الامر الذي قد يعرض المجتمع كما نرى الى انكشاف كبيرفي عدد المهنيين والاطباء والفنيين في مثل هذه الظروف الحرجة

  اليوم القطاع الطبي  يقود  معركة لحماية المجتمع كله من هذا الفايروس القاتل والجامح والغير معروف , أفراد القطاع الطبي بجميع مستوياتهم هم  ممثلي الطبقة الوسطى في أي مجتمع  , اليوم يحتاج المجتمع الى هذة الطبقة بجميع مستوياتها الطبية والاجتماعية والثقافية  لحفظ توازن المجتمع النفسي  والبدني , حدثت طفرة سابقة  لدخول مجالات الطب والتمريض والمختبر لكن طغيان المشاريع الريعية الترفهية  أدى إلى غياب  مركزية هذه التخصصات في المجتمع إذا لم يؤدي الى تسربها الى قطاعات ريعية  جرياً وراء المادة . إن ضرورة اعادة  تمركز الصرف  والامتيازات لاصحابها سيحفظ توازن المجتمع وسيعيد لمثل هذة المهن الانسانية الشريفة بريقها كنت أعتقد أن أزمة الحصار  ستعيد الى الطبقة الوسطى مكانتها  الحقيقية إلا أن ظني خاب  حينما إستولت لغة الخطاب والشعرعلى المجال العام بشكل طغى على ماتحقق فعلياً  

أرجو من الله أن يحفظ قطر وسائر البلاد والعالم أجمع من هذة الجائحة الضارة على أن نتعلم منها درساً هاماً  وهو أن نعمل على توسيع هذة الطبقة ما أمكن  لأننا سنحتاجها في كل أزمة مهما كان نوعها  أو شكلها حيث أنها طبقة حقيقية  تمتلك وجودها وأدوات إنتاجها وأن لانجعلها في حيرة حينما تجد من أنشطة الريع  ما يحقق أضعاف ماتحققه  وهو لايضيف الى المجتمع شيئاَ يُذكر  

 

الاثنين، 23 مارس 2020

كورونيات:ثرثرة على الكورنيش


 

حسناً فعلت الدولة  بمنع التجمع   وحظر الازدحام في جميع الاماكن سواء في الحدائق او في الكورنيش او في أي مكان عام سواء اسواق أو مولات.
الناس يتحدثون اليوم  على نحو  ما تقوم به الخادمة الكسولة حينما  تنفض غبار المنزل  على  باقي حجرات المنزل وتنشر السجاجيد فوق الاشياء الثمينة  وتدفع بالنفايات الى زوايا الغرف لتخفيها  تحت السجاجيد, تسمع المواعظ الساخنة والصراخ العالي والنصائج الجافة  والتعليقات الغبية والذكية ,ستتعاظم هذة القدرة الفائقة اكثر واكثر على تناقل الاخبار وتصويرها وبثها  ونشرها , سيعيش الانسان وضعاً مأساوياً سببه مايسمعه وما يشاهده, سيدير الانسان الثرثار معركته بكل براعة  مهاجماً الصامتين  المتلقين , سيتوارى الانسان العاقل  كلما استمرت معركتنا مع الكورونا, لسبب بسيط أن العالم يتعرض لحرب من عدو مجهول  وطالما هو مجهول سيبقى موضوعاً للثرثرة واصحابها , مات كثير من الصامتين في أوبئة سابقة  عبر التاريخ  وبقيت احاديتهم الصغيرة تقبع الى جانبهم في زوايا مراقدهم, لم تسبق عدوى انتشار الكلام عدوى انتشار المرض نفسه بعد, كان المرض يفتك بالانسان ثم يأتي الحديث بعده بفترة قد تطول ليسمع العالم قصص هذا الفتك , لم يتخلق الانسان الثرثار بعد  وان كان موجوداً الا أن انتشاره كان محدوداً جداً الى من يستمعه مباشرة وليس كما يحدث اليوم  ,الانسان الثرثار هو النسخة الاخيرة من الانسان العاقل وهو بداية لعصر من الكورونيات  سيستمر طويلاً, كلما تأخر العلم  ازدادث ثرثرته  وكلما اجتمع الناس  في حيرة  وجد له طريقاً للإنقضاض كالزبد على ساحل الكورنيش  حين تتدافع الامواج لتصطدم بالاسمنت  مخلفة وراءها ثرثرة قلقة تحكى وراءها قصة نهاية غير متوقعة

كورونيات: القابلية للتصديق



مثقف كبير يحمل شهادة دكتوراه من جامعة امريكية عريقة وجدته مرتبكاً خائفاً  يبحث في دكايين الاغذية الشعبية , كيلو من المُرة , نصف كيلو حلبَة , قليل من المسمار, بالاضافة الى أن البصل قد نفذ من السوق ووعده البقال بتوفيره في وقت لاحق , الثوم أيضاً في طريقه للنفاذ .كل هذة العناصر الغذائية مفيدة للجسم بلاشك, ومتوفرة بشكل لايشعر معه الانسان بأهميتها طبيعي لكن الخوف  وقابلية

 الانسان الهشة للتصديق في أوقات الفزع والخوف على الحياة يجعل منها ملاذاً أخيراً  في حالة الخوف والجزع  يتساوى البشر لأنهم         

ينطلقون من  بؤرة الغريزة لا من  حدود العقل, بل أكثر من ذلك وجدت شخصاً يضع السشوار الحار في أنفه لقتل فيروس الكورونا  إمتثالاً لنصحية شاهدها في اليوتيوب وآخر يقول أنه يحط رجله في مطهر ويلبس قفازات اثناء النوم, والبعض يشتكي من حساسية جامحة في يديه جراء الاستخدام المفرط  في استخدام المطهرات التجارية التي تملأ الاسواق.

ليس لأن النصيحة الطبية  والعلمية غير متوفرة  بل بالعكس  الاخوة في وزارة الصحة ومؤسسة حمد  استخدموا جميع الوسائل الممكنه من اعلام تلفزيوني وورقي  وسوشيال ميديا  لارشاد الناس لما يجب عمله  والرعاية الصحية الآمنه في مثل هذة الظروف , لكن هناك جزء في الانسان  مفتوحاً للتأويلات , الانسان كائن قلق على المستقبل  وخائف منه حتى على الرغم من إيمانه  واعتقاده بأن الامور كلها بيد الله وفي مجال قدرته , انفتاحه على المستقبل يجعل من حياته ذات مغزى , خوفه من الموت  يجعله يبحث عن أجوبه تفتح له طريقاً للفرار منه , حينما يتوقف العلم أو يتلكأ قليلاً يبحث عن بديل عند عراف او قارىء كف مهما كانت درجته العلمية ومكانته  قيل عن الرئيس ميتران أنه كان يتردد على عراف  وهناك العديد من الشخصيات العلمية والثقافية  يفعل  من قبيل ذلك.

بعضهم قال ان فيروس كورونا هو المهدي المنتظر  والبعض الآخر إدعى أن الشعب الذي سينجو من كورونا هو شعب الله المختار.

ما أصغر كورونا وأعظمه في نفس الوقت   

الأحد، 22 مارس 2020

كورونيات: أوهام تتحطم



جاءت "القيامة"على شكل فيروس صغير لايُرى بالعين المجردة, العالم اليوم يسير نحو المجهول  لاأحد يستطيع التنبؤ بشكل حاسم الى أين ستصل الأمور, كل ما يمكن أن يقال إجلس في بيتك لكي لايصيبك هذا الفيروس الخطير,حطم كورونا مع إجتياحه العالم كثير من الاوهام الكبرى  والاوهام الصغرى

من الاوهام الكبرى التي  حطمها هذا الفيروس الصغير هناك وهم السيطرة على الطبيعة ووهم صلابة العلم او النموذج العلمي الغير قابل للتكذيب وغير ذلك لكن ما يهمنا هنا هو مجتمعنا الصغير وأوهامه الصغرى الاجتماعية الطابع في معظمها التي حطمها هذا الفيروس الغير مرئي بالعين المجردة ويأتي في مقدمتها

الوهم  الاول:الطبقة الاجتماعية فالجميع أمامه طبقة واحدة منكشفون عليه بنفس الدرجة وحيث أنه لاعلاج محدد له اليوم فالجميع أمامه متساوون .

الوهَم الثاني:الواسطة , حيث يستطيع المقتدر أن يسافر للعلاج وغير المقتدر يبقى للعلاج في الداخل , كورونا جعل الخارج والداخل سواء بسواء بل أصبح الداخل هو ملاذ المواطن الاول والاخير.

الوهَم الثالث :ثقافة الريع ورموزها, المقاتلون اليوم الذين هم في الصفوف الاولى هؤلاء نتاج إقتصاد الانتاج , الاطباء, أخصائي المختبر , الممرضين والممرضات , أساتذة الرياضيات والتخطيط الاستراتيجي  إداريي الازمات,هؤلاء يعملون بصمت في الايام العادية ولكنهم في الازمات هم عماد المجتمع , على المجتمع أن يعيد نظرتة الى الامور بعد طغيان ثقافة الريع وابطالها من أيقونات وأبواق.

الوهًم الرابع: أن كل شيخ دين  يُستمع إليه, هناك مشايخ غرروا بالناس واصدروا أحكاماً زرعت كثيراً من الشكوك في نفوس كثيراً من النشء فمن من قال أنه عقوبة للملحدين وللشيوعين لأنهم عذبوا المسلمين  ومن هم من قال أنه عقوبة للمسلمين ليرجعوا الى دينهم وبعد أن أصبحت خريطة العالم كلها كورونا حمراء  انقلبوا الى ضحالتهم فكهين, وهناك من كان متزناً في طرحه وفي تطمينه للمجتمع وتبديد مخاوفة.

الوهم الخامس:وهم النقاء العرقي , يضرب هذا الفيروس جميع الاعراق والاصول ,بعض الامراض تجدها في متأصله في عرق دون آخر حسب احصائيات الصحة العالمية بل أن لكل عرق عدد من الامراض خاصة به  بشكل مركز أكثر من غيره , كورونا يخترق جميع الاعراق والالوان والاحجام إلا أنه  رفيق بالصغار الى حد ما كما تقول التقارير  وهي أسبقية وجودية لإعمار الارض  أما بالنسبة للكبار أصحاب الامراض  الوراثية  المناعية فهو متتاليه عددية لإخراجهم من  المسرح .

دعاء أن يُنجي الله البشرية كلها من هذا الوباء بعد أن يطهرها من أوهامها  في قدرة الانسان على إمتلاك السيطرة على الطبيعة  وقدرة العلم على السيطرة على المستقبل , ليعيش الانسان دائماً في ترقب  إنطلاقاً من إيمانه بضعفه وهشاشة وجوده.

الأربعاء، 18 مارس 2020

كورونا يعيد تشكيل وعي المجتمع



 إنغمس مجتمعنا بشكل غير واع في ممارسات إجتماعية تتضخم يوماً بعد آخر , حفلات الزواج , بذخ الولائم , حتى في القاء  لم تعد البساطة سيدة الموقف أصبح هناك نوع من  الاحتفاء المبالغ فيه  والتصنع الواضح , أصبحنا مجتمع زائف غير ذلك الذي كان يعيشه الاباء والاجداد,  في دعوات الزواج أستلم بطاقات  لإناس قد توفاهم الله ورحلوا عن دنيانا , لا الداعي يعرفهم ولا المعرس يتذكرهم, المهم "ليستة" الاسماء لكل عائلة وقبيلة , هنا يتحول الانسان الى شىء  يُستدعى , لأن الوضع الاجتماعي يحتم ذلك , خلال الاسبوعين الحاليين عندي العديد من بطاقات حضور لزواجات العديد من أهل قطر وعندي العشرات لآخرين من الاهل كان علىَ أن أقوم بتوزيعها , حيث أنني مدعو وموزع في نفس الوقت , البعض منهم  قد رحل من دنيانا كما قلت , يأتي الشخص محملاً لمئات من الدعوات ويلقيها في المجلس وعليك انت صاحب المجلس أن تقوم بتوزيعها هكذا وبكل  سهولة التعامل مع الأشياء ,وقس على ذلك الكثير من عاداتنا المتضخمة نتيجة الوفرة المادية  وتلاشىء العلاقات الحقيقية القائمة على البساطة, في الثقافة أيضاً أوجد الحصار  ثقافة صوتية  "زائدة"طغت على  أصحاب المهنة التي يحتاجها المجتمع والعمل بصمت وانجاز الذي يقدمه هؤلاء الجنود المجهولين  وسط ضجيج حناجر  يود المرء لو تصمت لأنها  أعراض مرض وبوادر سقم ونقص إجتماعي  ,إكتست فوق أصالة المجتمع طبقة هشة ثقافية وإجتماعية من الاشخاص والعادات والتقاليد , نسىء معها الانسان من أين بدأ وكيف نشأ وكيف تحول , أصبحت المادة تتقدم الانسان والشكل  يأتي قبل الجوهر والصوت يسبق الفعل بمراحل, سبحان الله حصار الكورونا الحالي  يعيد ترتيب الاوضاع حينما يضع المصير المشترك هو المحدد الوحيد لبقاء الفرد وليس الخلاص الفردي , اليوم يقف الجميع على خط واحد أمام مصيرهم المشترك ليعود المجتمع الى رشده الاجتماعي ووضعه الانساني الحقيقي , الالتزام بالتعاليم على الجميع , المكوث في البيت دعوة للكل , الالتزام بالصحة, عدم التجمع ,عدم التكلف في السلام والتقبيل الممجوج , أقم حفلة زواجك داخل بيتك مع أهلك ,هذة الثقافة كانت هي الاصل في السابق قبل الطفرة المادية وبروز ثقافة الريع التي أخلت بالتركيبة الاجتماعية  أيما خلل, أدعو  الله أن يزيل خطر هذا الوباء على بلدنا وعن سائر بلاد العالم وأدعوه كذلك بأن يلهمنا من أمرنا رشداً وأن يعود المجتمع الى أصالته وطبيعته التي كان عليها ويكفينا شر التنطع والمتنطعين.

الثلاثاء، 10 مارس 2020

الانسان العابر


 

أعظم معنى يمكن أن تعطيه أزمة البشرية أمام تقدم فايروس "كورونا" هو   الانسان "العابر"كحقيقة  فوق كل الحقائق الدنيوية الفئوية التي يتقاتل حولها الناس في هذه الدنيا سوى كانت أديان أو معتقدات أو أعراق أو طوائف , حقيقة  الانسان العابر تتمثل في عبوره الجسدي خلال حياتة ثم العبور الروحي في إنتقاله الى العالم الآخر  

كل الانجازات العلمية والمادية  لاتشفي الانسان ولاتكفيه من التأهب للوقوف أمام عتبة الله, وبالتالي حياة الانسان في هذة الحياة ليست شيئاً جاهزاً هي نوع من الاجتهاد الدائم والتوقع المستمر والاختبار الدائم , فهو موجود للإختبار , فالعالم وحده لايكفي أن ينضوي الانسان في داخله  ليعيش وجوده وإيمانه عليه أن ينكشف ليحقق ذاته وكينونته,فالطابع المشترك للمصير الانساني يفرض  على الانسان كذلك رفض التشاؤمية فالبشر مكتوب عليهم أن يتعايشوا وسط مجال مشترك وأن يتبادلوا المحبة وان يتألموا فالعيش المشترك عتمة لكن من خلال الايمان تتبدد هذة العتمة, هذة الازمة الوبائية جعلت العالم يفكر بشكل مختلف حيث أنضوى الانسان داخل الوطن وإنضوى الوطن ضمن العالم  وبدت الدول  تتخلى عن خصوصيتها  الى خصوصية أعمق وأشمل هي حماية العالم والكون من هذا الخطر القادم, فيصبح االعبور العام او الشامل المتعلق بالمصير المشترك هو ديدن الجميع.

حاذر وأنت تعبر أن تزرع شوكاً أو أن تسد طريقاً أو أن تؤذي حجراَ أو بشراً, مهد الطريق لمن سيأتي بعدك  مهمتك في الحياة أن تَعبُر  , قيمتك الحقيقية في أن تترك المجال خلفك صالحاً وممهداً لمن سيلحق بك, هؤلاء الذين يسدون الطريق  او الذين يقفون أمام سنة العبور بما يمتلكون من قوة وبطش سيدوس فوقهم الزمن وسترصفهم الايام طريقاً لأهل الاصلاح مهما طال بهم الأمد . الحياةُ تيار  والانسان عابر , المعادلة المثلى أمام التيار هو مسايرته بالعبور لا المكوث في وجهه ومقاومتة , اليوم العالم يقف أمام قدر الله لالمقاومته وانما  لمسايرته بالعبور نحو قدر الله الآخر المتمثل في ايجاد دواء أو مصل يقي من هذا الفايروس القاتل

  

الخميس، 27 فبراير 2020

حول العلاقات في المجتمع القطري

 
 
      
نادي الجسرة 29-2-2020
 
يحتل موضوع العلاقات الاجتماعية في علم الاجتماع مكانة هامة, حيث يعكس ارتباط الجماعة البشرية ببيئتها وثقافتها ومدى وقوة هذا الارتباط.
طبقاً "لدانيال ليرنر"وهو استاذ وباحث في العلوم الاجتماعية أن مراحل التطور التي يمر بها  المجتمع  تكشف عن نوعين من الانقسام تجدها في كل مجتمع
!- انقسام عمودي حيث التمايز تبعاً للهوية الموروثة سواء القبيلة او الطائفة او الدين أو الجنس
2- وانقسام اخر افقي حيث يتمايز الناس حسب الهوية التي يختارونها مثل انتماء الفرد الى حرفة او حزب او جمعية  بمعنى انتماء ثقافي , فبالتالي فأن العلاقات في المجتمع  تعكس هاذين النوعين من الانقسام على شكل علاقة عمودية وعلاقة اخرى افقية.
لاحظ علماء الاجتماع  ميل المجتمعات التقليدية للإحتفاظ   بالنوع الاول من الانقسام  "العمودي", بينما المجتمعات الصناعية الميل فيها الى الانقسام الاخر الافقي حيث التلاقي على مستوى الافكار والمصالح , حسب تقسيم دوركايم  لانواع التضامن فالتضامن العضوي يسود حين يكون الناس متشابهون  بينما التضامن الالي يكون حيث الناس مختلفون  بمعنى يحتاجون لبعضهم البعض في المجتمعات التي فيها تقسيم للعمل .
فيما يتعلق بمجتمعنا القطري لاحظت أن هناك انقساماً عشوائياً أدى الى تشوه نمط العلاقات الاجتماعية خلال العقود الاخيرة.
هناك ملاحظة أود لو أشير إليها وهي أن معظم دول الخليج   جاء المجتمع تمظهراً لارادة الدولة وليست الدولة تمظهراً لارادة المجتمع  كما هو في معظم دول العام بمعنى أن الدولة سبقت المجتمع وبالتالي عملت على صياغته و هنا أفرق بين المجتمع والتجمع , المجتمع يحيل الى الارادة  اي القدرة امتلاك الارادة وتحقق ذلك في حين ان التجمع لم تتبلور ارادته بعد. وهذا كله بالطبع يأتي مروراً بظروف كل مجتمع التاريخية  وكانت العلاقة العمودية  علاقة حاجة وفي أقل تجلياتها  ليس كما حصل فيمابعد حين تحولت الى علاقة ريعية.
نلاحظ مثلاً: ان العلاقة داخل المجتمع القطري خلال فترة الستينيات السابقة من القرن الماضي علاقة افقيه الى حد كبير تحكمها طبيعة الفرجان المتكونه من فسيفساء جميلة من جميع القبائل والعوائل  والتضامن فيها عضوي حيت التشابه الكبير  بين المجتمع وفترة الاستقرار الطويلة اوجدت نوعاً من الرضا وكذلك قدراً كبيراً من اصالة الوجود وبالتالي اقل مستوى من مستويات التمظهر الاجتماعي الكاذب .
في بداية السبعينيات ومع الاستقلال وظهور اثر العلم بعد عودة البعثات الدراسية واستلام كثير من الشباب القطري لزمام العديد من الاجهزة الحكومية والوزارات السيادية  ظهرت طبقة وسطى حكومية "كبار الموظفين " فحصل نوع من التغير داخل العلاقات الاجتماعية نتيجة  لوجود هذة الطبقة التي ارتبطت في داخلها بعلاقة نخبوية  حيث اصبحت هناك نواد واستراحات  خاصة  بها وكذلك حافظت في نفس الوقت على العلاقة الافقية  بالمجتمع كما استمر المجتمع كذلك في علاقة  افقية ومسافة اجتماعية  معقوله حفظت له طمأنينته  واتزانه.
بعد ذلك اتبعت الدولة سياسة تسكين  تمشياً مع زيادة عدد السكان انطلاقاً من مرجعيات المجتمع الاولى  ولم يكن هناك وعي كاف  بما قد تسفر عنه  من بتر للهوية السردية القائمة اصلاً في المجتمع  وهي اقامة الاحياء والفرجان على اساس قبلي وعائلي وكذلك ازالة مناطق وفرجان تاريخية  فيها نمط من التعايش المشترك  وبذلك قضت على على الفسيفساء التي كانت قائمة ايام الستينيات واوائل السبعينيات  فاصبح لكل عائلة او قبيلة فريج  تأثرت العلاقات بلاشك  بفعل الانعزال شيئاً ما   واصبح هناك اخر داخل وضمن ابناء الفريج الواحد الذي كان في السابق .
اثر ذلك ايضاً في اعتقادي   على نمط الهوية  كما ذكرت حيث كانت الهوية في الفرجان السابقة كما ذكرت هوية سردية بمعنى انها كانت تحكي  قصة الفريج او ابناء الفريج  كلهمُ او قصة قطر كوطن , اصبحت مع فرجان ومناطق العائلات والقبائل تحكي قصة العائلة او القبيلة في وعي ابناء الفريج
شكلت الطبقة الوسطى الحكومية مجالاً عاماً  بين المجتمع والدولة  حيث امسك الشباب المتعلم بزمام الوظيفة الحكومية في عملية تقطير واسعة انتهجتها الدولة –مدراء – مسؤولين كبار – فيما احتفظ الجيل الاول بالمناصب الوزارية وعضوية مجلس الشورى الاول والثاني وربما الثالث كذلك  فيما كان ابناء الطبقة الوسطى يديرون العملية التنموية في البلاد.
جراء ذلك احتفظ المجتمع  بنمط افقي من العلاقات مع وجود مسافة اجتماعية  بينه وبين جيل الوجهاء الكبار الذي كان يتمتع بثبات نسبي  اعتماداً على بعد تاريخي وبعد اخر اجتماعي  أو مايسمى بالرأسمال الاجتماعي أيضا هناك مسافة بين المجتمع  وبين السلطة العليا  .
كانت السلطة على مسافة واحدة من الجميع فشعر المجتمع بالاطمئنان وبالتوازن  فذهب المواطن يحقق ذاته  كشخصية مستقلة  .
فإذا كان نمط العلاقة في الستينيات هو البساطة والتلقائية
ونمط العلاقة في السبعينيات قائم على بروز قيمة العلم والتعلم
والثمانينات كذلك شهدت استكمالاً لنمط  هذه العلاقة الافقية بين افراد المجتمع
لاحظ هنا  ان العلاقة في تلك الفترة  كانت اقرب الاوقات الى كونها علاقة  قائمة على الانتاجية وذلك لبروز قيمة المتعلم والعلم فيها اكثر من اي وقت مضى  والشروع الدولة في عملية التقطير بناء هذه القيمة.
في التسعينيات  ونتيجة للظروف  والتحديات المحيطة دخلت الدولة في مشاريع تنموية واستراتيجية ضخمة في جميع المجالات  وادى ذلك الى التوسع  في نشاطات ريعيه  وطبيعة الريع السائلة ادت الى اختلال في طبيعة العلاقة  داخل المجتمع  وبالتالي حصل بروز واضح  لنمط علاقة رأسي أو عمودي  يتجه نحو مصدر الريع المباشر  سواء التحاق بنشاط او  من خلال ايجاد علاقات ريعيه  مع  تحتاجه هذه العلاقة من مؤهلات  وقيم تختلف بالضرورة مع  ماتحتاجة العلاقة الانتاجية  الافقية,وبالتالي انتجت مثقفاً من نوع آخر  او عممت نمطاً من الثقافة  الزبائنية.
خطورة العلاقة العمودية او الرأسيه انها اختزاليه  تختزل المجتمع  في  مركز سلطة يتوجه اليه الوعي مباشرةً وتجعل من المصلحة الشخصية تتقدم على المصلحة العامة وبالتالي تعمل على توقف حركة المجتمع  نحو ذاته ومع ذاتهه بشكل كبير.
ونلاحظ  ان المسؤولين الكبار  بما فيهم الوزراء واعضاء مجلس الشورى في السابق ايام  سيادة نمط العلاقة الافقية كانوا اكثر قرباً وحضورؤاً وفاعلية في المجتمع مما هم عليه اليوم. يظهر ان سرعة تحرك الدولة ووضع اهداف استراتيجية  كبرى وطموحة  واستخدام الريع بشكل  كبير لتحقيق ذلك ادى بروز هذا التغير في العلاقة  من النمط الافقي الى النمط العمودي الرأسي.
اليوم يواجه مجتمعنا تحديات كبيرة , نعيش كثافة سكانية غير مسبوقة, نعيش حدثاً عظيماً غير مسبوق في تاريخ المنطقة العربية بأسرها"كأس العالم",  أمامنا إنتخابات لمجلس شورى لأول مره في تاريخ البلد.نعيش ثورة اتصالات غير مسبوقة,تأتي على الاخضر واليابس , نعيش حصارأ جائراً . ثمة فوضى في نمط العلاقة  نتيجة كل هذا وبالتالي لغة حوار شبه معدومة وتراجع العلاقة الافقية امام تيار العلاقة العمودية الغالب, وعودة الهوية الشخصية على حساب الهوية السردية التي كانت سائدة أيام الفرجان الطبيعية التي كانت قائمة من قبل  وتراجع إمكانية إقامة مجتمع مدني حر عن ماكانت علية فترة السبعينيات والثمانينات من القرن المنصرم .
كيف يمكن أن نقيم نمط علاقات  يحفظ لنا هويتنا  ووسطيتنا  وفي نفس الوقت يحفظ للمجتمع مكتسباته  التاريخية وللمواطن القطري  مركزيته؟
اصبح هناك سباق واضح لاقامة علاقات عمودية مباشرة مع مصدر الريع سواء فرد او جهة او مؤسسة  من الجميع من المواطن والمقيم  كذلك , وبالتالي لم تعد iناك مسافة إجتماعية    تحفظ للمجتمع استقراره وتوازنه. مالعمل؟ كيف يمكن اعادة نمط العلاقات الافقية المتوازنه في المجتمع  وما أهمية وجود مثل هذة العلاقة للفرد وللمجتمع وللدولة؟
1- العلاقة الافقية  مصدر اساسي ورئيسي في بناء ارادة مجتمعية,  ليس هناك ارادة للمجتمع دون وجود علاقة سليمة بين افراده.
2-لأنها سمة من سمات وجود الطبقة الوسطى في المجتمع التي هي صمام أمان توازن المجتمع ومستودع القيم  فيه.
3-لأنها  أساس لقيام ممؤسسات وتنظيمات المجتمع المدني  الذي يسعى كل مجتمع لقيامة  كوسيط بينه وبين الدولة حيث الفرد أمام الدولة مباشرة  يساوي صفراً كبيراً.
اليوم العلاقات الافقية في المجتمع  تتلاشى أمام العلاقات التي أنشأها الريع الاقتصادي, التي يبدو المجتمع من خلالها وكأنه يقف على رأسه لاقدميه  وبالتالي يتراجع مفهوم القيمة المعنوي امام مفهوم القيمة المادي الآني .
على كل حال  لايمكن اخفاء تأثر الدولة  بما يتعرض له العالم من نزعة استهلاكية عارمة وجارفة تحول معها الانسان الى مستهلك  دائم لا مجال لاشباع نهمه  وتحولت الحاجة المحدودة لدى الافراد الى رغبة لاتشبع , إلا أننا كمجتمع  وكمثقفين لابد لنا من دور في إذكاء الوعي لاعادة الاعتبار  الى الانسان كقيمة والى العلم كقيمة , كما على الدولة مسؤولية عظمى في  فك الارتباط بين الريع كوسيلة  وبين استقرار المجتمع والحفاظ على  جوهره التاريخي والاجتماعي كغاية. لايمكن ان تستقر علاقتك بالآخر قبل ان تستقر علاقتك بنفسك ,وبالتالي لايمكن ان يستقر المجتمع دونما علاقات حقيقية قائمة على فكرة الاستقرار لافكرة الغنيمة. ولن يتحقق ذلك الا بوجود علاقات أفقيه سليمه بين جميع مكوناته وإعادة طرح قضية الوعي  نحو أسئلة المجتمع لاسؤال الفرد  على المجتمع أن يعيد ترتيب اوراقه وليساعد الدولة  حيث وعي الدولة لايكفي دون وعي المجتمع
سؤال العلاقة الافقية  هو سؤال المجتمع المدني هو سؤال الطبقة الوسطى  هو سؤال المواطنة هو سؤال الدستور الذي يحكم العلاقة في المجتمع . الوعي بهذه الامور أولوية قبل  انجراف المجتمع نحو سؤال البنية الثقافية والسياحية والترفيهية. يكفي المجتمع الوعي بذلك ويكفي الدولة في السعي الى تحقيقه, لماذا الدولة شريك بل  واساس لايجاد  علاقات سليمة في المجتمع  لأنها كما تلاحظون منذ البداية  أن أصالة الوجود  في منطقتنا للدولة حسب الظرف التاريخي الذي التي مرت به المنطقة بينما المجتمع ليس سوى امتداد  او ماهية لها  لكن في المقابل وجودها مرهون بوجوده وتقدمها مرهون بتقدمه ,فإرادة المجتمع تنطلق  من رغبته ومن ايمان الدولة بهذه الرغبة ولايكتفي المجتمع فقط بتبني خطاب الدولة  بل من المهم ان يشارك في انتاج هذا الخطاب .
تذكروا ان نمط العلاقات السائد حالياً  ليس نمطاً سليماً   ويضر بالمجتمع بكل فئاته من مواطن ومقيم , بروز العلاقة الرأسية على حساب العلاقة الافقية  يجعل المجتمع في سباق مع نفسه دون هدف مشترك يلوح في الافق , التعويل على دور الدولة من خلال التشريعات القانونية التي تصب في ايجاد علاقة  افقية سليمة كبير والامل في قيادتنا كبير بعد ان اثبتت ازمة الحصار تلاحم المجتمع والقيادة بشكل اذهل العالم واربك دول الحصار.
 قبل أن أنتهي أود الإشارة الى بعض المفاهيم التي أرى انها ضرورية لفهم موضوع العلاقة في المجتمع عبر  الحقب الثلاث او الأربع السابقة.
المسافة الاجتماعية:هي المسافة بين الجماعات المختلفة وكذلك بين الافراد ومواقعهم الاجتماعية.
المجال العام: هو البنية التحتية لمجتمع مدني فعال, غيابه يلقى بالمسؤولية على أجزاء أخرى لاتمتلك ان تقوم بدوره  مثل خطيب المسجد او مغرد تويتر او ناشط في الاتصال  الاجتماعي مما يسبب احباطاً للمجتمع .
العقل الاداتي: عقل مهيمن في المجتمعات الرأسمالية الحديثة , تحوَل من مَلَكَة فكرية الى مجرد أداة لتحقيق أهداف معينة.
العقل التواصلي: عقل لم يعد مكتفياً بدوره كجوهر وانما صار معملاً به أي يبحث عما هو عقلاني  ولايقوم على الضغط وانما على التوافق
الهوية السردية:الهوية الشخصية+ الزمن
 
 
شكراً لكم على حسن الاستماع.