الجمعة، 27 سبتمبر 2024

المُتهافت

 عيناه زائغتان ,ينظر في كل مكان, صوته متهجد  لاتعرف إن كان مسروراً أم حزيناً, يحاول أن يرضي الجميع , المستقبل لديه  يصنعه الآخرون , يشغل مكانة في المجتمع إلا أنه لايشعربها , غير متماسك الافكار, يتسول القرب ما استطاع الى ذلك سبيلا, ميسور الحال وقد يكون ثرياً إلا أن فقره ليس مادياً بل وجودياً,  قد ينثر ماء وجهه للحصول على ما لايستحق  أو مالا يضيف اليه شيئاً  , صوره كثيرة في المجتمع  وعلى جميع المستويات الرسمية والشعبية, يبحث عن الاخبار , يسرع في نشرها ,  الانا لديه هائمة , تبحث باستمرار عن من يطمئنه بوجودها أو أنه لايزال في الصورة, كما يقال, عينيه معلقة بما عند الغير  باستمرار, لايعيش يومه الابمقدار  ما يتواجد حول الاخرين , يخاف أن يعيش مع ذاته أو لايستطيع   لافتقاده  شروط ذلك, فالذات الانسانية ضخمة وثقيلة  ولها شروط وجودية  لايستطيع تحملها فيلجأ الى ذوات الاخرين  ليختبىء من  التزاماتها, إذا شغل وظيفة او منصباً  لحقه التردد  والتهرب  وانجذب الى ضوء   يحميه  أو ركن يستند إليه, كم  من الكوارث ارتكبها هؤلاء المتهافتون  بحق حقوق انفسهم وحقوق الاخرين عليهم حين تبؤوا المناصب, شهدت العديد منهم خلال حياتي الشخصية والعملية, التهافت إكتناز  ومحاولة امتلاك مستمرة ودائمة  من هنا يبدو المتهافت شخصية دائمة المسخ والتنكر, يريد رزق الغد قبل موعده , كذلك الأمس لديه  ليس مجالاً للعبرة والاتعاظ , ,اليوم فرصة , وغداً إنتهاز ورغبة في التملك,شاع مؤخراً إصطلاح " المرجف "أو المرجفون وهو في إعتقاد مرحلة متقدمة يصلها المتهافت  إذا لم يصحو من  إضطرابه النفسي ليعيش وجوده الحقيقي كإنسان  فمهما تهافت على الدنيا وزخرفها سيتركها وإن كان لن ينزع قميص التهافت  حيث أنه  لصيق بالنفس  وليس بالجسد الذي سيوارى في التراب.

الاثنين، 9 سبتمبر 2024

كل شيء الى زوال

 ماهية الإنسان هي المسؤولة عن سعادته أو شقاءه, مقارنةً بآراء الاخرين فيه, فبما يزخر به في داخله هو ما يصاحبه في حله وترحاله ويطبع أحداث حياته  وأسلوب معيشته , هو ما يبقى بعد أن يزيل الدهر كل أشكال المكياج والآلوان الذي تزخرف بها هنا وهناك من اجل هدف دنيوي أو حاجة ملحة, فإن كان طبع الشخص رديئاً فلن تنفع معه كل متع الدنيا , ا لاشكالية حين نستبدل  حقيقة ماهيتنا بصورتنا عند الآخرين التي في أذهانهم عنا   هنا بيدأ الخلل , من يراك شريراً أو خيَراً  قد لايرى حقيقتك وانما مجرد انطباع استله في لحظة قوة أو ضعف شاهدك فيها, فالعامل الوحيد في سعادتنا هو ماتزخر به دواخلنا من ممكنات وما نحن إياه بالفعل  أي طبعنا الشخصي الذي   يلازمنا  كالظل وليس  الطبع الذي نتبناه حسب الظروف  فهو زائل ولايبعث على الطمأنينة, طبعك الحقيقي هو الذي يأوي معك في الفراش  وانت خلياً من الدنيا , فالطبع يؤثر على الانسان وبشكل منتظم أما غيره من العوامل فتأثيرها بسيط ولايدوم , الطبيعة سرمدية  والاشياء عارضة, إن النعم الذاتية مثل العقل الراجح والطبع النبيل  والمزاج المعتدل  والنفس المرحة هي من أوجب الواجبات التي يجب أن نصونها وننميها بدل الركض وراء  النعم الخارجية ومظاهر البذخ والاسراف, عموماً لاينسجم الانسان الراقي  انسجاماً  تاما ً الا مع ذاته, لذلك تجد الانسان مع تقدم العمر يميل الى البقاء مع ذاته  اكثر, في حين  أنه قد يكون في شبابه كانت تسكنه ذوات الآخرين وتستولي على ذاته  وتحرك مشاعره, هذه شذرات رائعة لشاعر فارسي يصور الحياة وما يعتريها أبلغ تصوير

هل فقدت العالم كله ؟ 

لاتحزن فالأمر هين

هل صار كله  طوع بنانك ؟ لاتفرح فالأمر هين

افراح ..أتراح ...الآم ... آمال

كلها الى زوال  مُرَ منها 

مرور الكرام ولا تبالي

كلها إلى زوال


الأحد، 8 سبتمبر 2024

سؤال الروح

 الاشكالية التي نعاني منها   هي اعطاء ظاهر الحياة كل اهتمامنا  وننسى او نتناسى  أ ن الشرط اللازم لتوازننا  وسعادتنا  هو في اعطاء الحياة الداخلية  الاولوية  على كل ممتلكات الحياة المادية الظاهرة للناس, النجاح المادي  يثير الضجة تتفاخر به وسائل الاعلام  يومياً عارضة اسماء اولئك الذين استطاعوا ان يحققوا غنىً فاحش وثروات طائلة, لكن الحقيقة ان كل هذا الغنى وهذه الثروات تحت رحمة الاحداث  ومؤامرات الغير من أعداء أو وحساد  , لذلك هناك دائماً  شعور مزدوج بين  الامتلاك وعدم الامتلاك في الوقت نفسه , وتعجب حتى تدرك ان الكثير منهم لايشعرون بالسعادة  بل   ويشعرون بأن شيئاً  ما داخلياً ينقصهم, فقد اغفلوا حياتهم الداخلية تحت  اجتياح الرغبة في الحصول على المادة والسعي المستمر وراء بريقها الآخاذ, ولو ادرك الانسان ان مايمتلكه حقيقةً هو حياته الداخلية وثروته الروحية فسيشعر بالتوازن الحقيقي في هذة الحياة بعيداً  عن تأثير الآخرين  وسيكون في وضع دائم ومستمر لإفادة الاخرين  لانه سيدرك انه لايخسر شيئا بقدر ما  يضيف الى رصيده الداخلي وحياته الروحية الكثير, ينسى الانسان الغنى الروحي الذي وهبه الله له , ويتغلب جانبه المادي على جانبه الروحي الشفاف , فيصبح اتصاله أرضياً فقط  لايعتلى الى مراتب اعلى في الوجود , وينقضي به العمر وهو لم يعش سوى فترة حياة جسده  ومكانتها بين الاجساد  في حين  لم تغتنى روحه التي تحمل سر وجوده  وشفرة اتصاله بخالقه من رحيق   الحقيقة التي تجعل من حياته وجوداً أزلياً الانتقال من براثن الجسد الى سرمدية الروح التي ينتهي بها الأمر عائدة من حيث أتت   ولولا الإرادة الآلهية لتمنعت من السكنى في الجسد   المادي الزائل , فأجعل من حياتك روحاً  تسمو بالجسد وليس جسداً يطمر روحاً

أنظر كيف يصفها إبن سينا :

هبطت  إليك من المكان الأرفع"ي" 

ورقاء ذات تعزز"ن"  وتًمنُع 

 محجوبة عن كلَ مقلة عارف

وهي التي سَفرت ولم تتبرقع 

وهم الهروب من العدالة

 

كثيرة هي التساؤلات  عن  المجرمين الذين  استطاعوا الهروب من العدالة البشرية , يرونهم  في الاسواق  وفي التلفاز  وفي كل مكان , يُحتفى بهم  ويتصدرون المآدب والاحتفالات, يعرفونهم بأعمالهم, الشريرة, لكنهم في حصن حصين من العدالة البشرية لسبب أو لاخر, نفوذهم كبير اكبر من العدالة البشرية, لكن إيمان الناس بالعدالةالآلهية حتمي  ولا لبس فيه, لكن الناس تغفل عن شيء هام , وهو أن هناك ثمة شيء بين عدالة الارض اليوم  وعدالة السماء غداً, وهي العدالة الفورية التي تأخذ مكانها بمجرد أن يرتكب الانسان جريمة, وهي عدالة تبدأ من الداخل من داخل المجرم  أياً كانت جريمتة, قتل, سرقة, استحواذ غير مشروع ....الخ, يبدأ الانهيار الداخلي مع مرور الوقت , فالزمن يتفاعل سلبياً مع الجريمة داخل نفس مرتكبها, ويبدأ بالتالي التدهور النفسي والصحي له والتفكك الخارجي يتبعه مع مرور الوقت , الجرم والعياذ بالله  ينهش في جسد مرتكبه , هذه العقوبة الآلهية الفورية , الناس لاتراها  وتعتقد أن العدالة الآلهية مؤجلة , الا أنها فورية  ولكنها  تستعين بالزمن الذي هو أشد على المجرم من الاعدام الفوري ,يبدأ التفتت من الداخل  وقد يتطلب فترة طويله من الزمن حتى يتداعى ظاهرياً ولكن  داخلياً هناك شيئاً ينهار,  ,كم هي الاعترافات التي تم تدوينها لمجرمين حين وصلوا الى ارذل العمر وعلى وشك الموت وقد افلتوا من عقاب الدنيا لكنهم لم يفلتوا من عقاب الضمير الذي تراكم ككرة الثلج مع مرور الايام في داخلهم , الانسان كائن متحسر على ذهاب الدنيا مهما كان نزيهاً فيها فكيف به وقد أرتكب إثماً يخفى عن أعين البشر  ولكن داخله  يتألم من كتمانه, أن كنت قد شعرت  عزيزي القاريء يوماً ما بأنه قد مر من جنبك  مجرماً  وتراه مبتسماً ضاحكاً فثق تمام الثقة  بأن هناك شيء ما  بجانبك قد بدأ بالتداعي والتآكل.

السبت، 20 يوليو 2024

عمار تقي وأزمة نصف الثقافة

البرنامج الحواري الصندوق الاسود الذي يقدمه الاعلامي الكويتي عمار تقي منذ عدة مواسم اكتسب شهرة واسعة ولي عدة ملاحظات حوله أود لو أشير إليها أولاً:إتهام السيد تقي بإنه عميل لحزب الله يبدو أنه متهافت ومحاولة لتشويه سمعة البرنامج وسمعة مقدمه للحد من شعبيته المتنامية, حيث لادائل يمكن الركون اليها في هذا الاتهام وقد أشار السيد تقي مراراً أنه لاينتمي سوى لبلده الكويت. ثانياً:يمثل برنامجه في نظري أزمة منتصف الثقافة الشائعة في مجتمعاتنا العربية حيث الرسمي او الايديولجي يطغى على ماهو رأي ينطلق من ذات تتمتع بمساحة كبيرة من الحرية, حيث معظم الشخصيات التي استضافها من الايديولوجين الرسميين أو الحزبيين أو اشباه الحزبيين أو منفذي سياسات وليسوا صناع سياسة وهؤلاء جميعاً " انصاف مثقفين" فلايديولجي اياً كان صنفه نصف مثقف لأنه يمثل أو ينفذ سياسة أو منهج وليس إنطلاقاً من الذات الحرة بينما المثقف الحقيقي خارج أسوار أية ايديولوجيا ممكنه. ثالثاً:إتسمت حلقات البرنامج بالتطويل الممل من 30 الى 60 حلقة للضيف الواحد في المتوسط او ربما أقل قليلاً بحيث جعلت من الضيف ليس مصدراً للمعلومات والاسرار فقط بل وصندوقاً لبث بواعث نفسه واكراهاتها وعقدها الأمر الذي لايعني المشاهدين ولايضيف الى المستمع ولا الى المجتمع شيئاً يذكر , كرأي الدكتور النفيسي في السيدة أم كلثوم أو الدكتور الفقي وكلامه عن عبدالناصر الذي حاول أن يتنصل منه وكأن القضية أختزلت في كأس ويسكي يرى الفقي أن عبد الناصر قد شربه في بيت السادات . رابعاً:إذا كان البرنامج يبادر في إختيار ضيفه وقد فعل في اعتقادي ضمن معايير مدروسة فهو عمل إحترافي أما إذا كان يستجيب لطلب من يدفع ليقول شيئاً فهنا إشكال . ثم أن هناك ملاحظة أخرى وهي أن المقدم ليس له الالمام الدقيق فيمايتعلق باحوال الدول الاخرى بما فيها دول الخليج ولم يظهر أنه جاء لنقاش نقط محددة واضحة بما يكفي اليه وكان واضحاً ذلك مع عدة شخصيات خليجية فليست لديه المعلومات الكافية للمداخلة والغوص عميقاً حتى لاتتسرب الاجابة بعيداً عن الهدف من السؤال حينما يسترسل الضيف بحرية تامه خارج الموضوعية لتتحول الاجابة الى قصة أو مشهد بطولي. لذلك لم تجد مثل هذه الحوارات صدىً داخلياً حسب علمي في هذه الدول بل ان حتى بعضها كان الصدى سلبياً خامساً: لاشك أن البرنامج قد حظي بمشاهدات مليونيه وحظي مقدمه بشهرة واسعة لا لأنه صندوق أسود بالمفهوم الدقيق للكلمة لأن الصندوق الاسود دائماً عند الصانع أو المصنع حيث صُنع القرار وليس عند المستهلك أو منفذ السياسات لذلك معظم مايتم كشفه من اسرار ليست سوى نشر غسيل داخل نطاق البيت الواحد او المنطقة الواحدة لاننا لانزال موضوعاً ولسنا ذوات تمتلك القرار. سادساً: في المجتمعات الديمقراطية هناك عمر افتراضي للأسرار والمعلومات بعدها لابد ان يسمح للشعوب ان تقرأها وتتطلع عليها ومن ثم يجرى اعادة تقييمها واصدار الاحكام عليها والاستفادة منها مستقبلااً فالصندوق الاسود يتحول الى صندوق ابيض بعد غسيله ونشر أسراره, بالطبع هذا غير متوافر في وضعنا العربي الحالي وذلك لديمومة الانظمة والماضي الذي لايزال حاضراً وربما مستقبلاً كذلك وكل ما يمكن كشفه قد لايتعدى كونه مساساً بمن سبق وليس بحثاً عن الحقيقة في حد ذاتها.

الأربعاء، 10 يوليو 2024

عرفته في الهزيع الأخير

حينما أتصل بي الأخ الدكتور أحمد عبد الملك يخبرني أنه قد كُلف بإعداد كتاب عن الراحل العزيز جاسم صفر, طالباَ مني إمكانية المساهمة فيه بما تجود ذاكرتي به من مواقف وذكريات لي مع الراحل العزيز الاخ جاسم صفر, قفز الى ذهني ذلك الانقسام بين مرحلة ماقبل وما بعد فيما يتعلق بالعلاقة الانسانية بين البشر, إنطباع ماقبل المعرفة ومرحلة مابعد المعرفة, المرحلة المتخيله التي تحمل فيها تصوراً عن الشخص والمرحلة الواقعية بعد أن عرفته وجالسته وتمكنت منه عن قرب.كان الاستاذ جاسم صفر من أوائل من قرأت لهم في الصحافة القطرية باكراً مع بداية صدور جرائدها ومجلاتها بالإضافة الى الدكتور أحمد عبد الملك وشخص آخر يدعى أحمد العيلان في منتصف السبعينيات من القرن الماضي, تلك المرحلة كان الكاتب فيها يمثل قيمة أكبر مما هو عليه الآن, كان كاتباً رمزيا الى حد الكبير ولم يكن قد أوغل فيها كماحصل في آخر عهده بالكتابة, فأوجس في نفسي إنطباعاً عنه بأنه متكبر أو يطل على المجتمع من نافذة صغيرة تفتح هناك بعيداً ,وفي أحد الايام إستدعاني مدير تحرير الشرق وهو أخ سوداني الجنسية لم أعد أذكر أسمه رحمه الله أيام كان رئيس التحرير الاستاذ عبد العزير المحمود, ليقول لي عليك أن تختار بين الشرق أو الوطن حيث أنني كنت انشر في كلا الجريدتين , وأذكر أنه قال لي " دولا ضراير" عليك أن تختار ونحن أولى بك , في تلك الاثناء كان الاخ جاسم صفر جالساً يتحدث الى شخص آخر عن مقالاته وتأثيرها وفجأة التفت الى البواب او الشخص الواقف عند مكتب رئيس التحرير قائلاً لايدخل أحد قبلي الى رئيس التحرير, هنا قلت صدق حدسي فهو فعلاً متعال. وذهب كل منا الى طريقه وتشاء الظروف وبعد سنين طويلة منذ ذلك التاريخ أن نلتقي بعد أصبحنا في عداد المتقاعدين, عن قرب لأكتشف الانسان في داخل الاخ جاسم وقدكان قد انضم الى مجموعتنا في مقهى في اللاندمارك يومياً عدا يوم الجمعة ولم يزل يحمل ذلك الكبرياء ,في البداية كان يسأل عن الاخ محمد الفضالة المخرج التلفزيوني الذي زامله العمل في التلفزيون فإن كان متواجداً طاب له البقاء وإلا استعجل في الذهاب والعودة من حيث اتى, فبدأت علاقتي معه وتبادلنا الاحاديث واهداني كتاباً جمعه عن الفنان الراحل فرج عبد الكريم الذي كان يعتبره نصفه الآخر فنياً, الاخ جاسم كان متعدد المواهب بالاضافة الى الكتابة, كان ينظم الشعر ويؤلف المسلسلات وله عدة مسلسلات من تأليفه في تلفزيون قطر أذكر منها مسلسل "تناتيف"وهو أشهر من كتب الاغنية الرياضية في قطر"حيوا فريقي" وغيرها وهو من كتب الاغنية الخالدة في وجدان كل قطري " يافر ياحب في عيون البشر أفديك بماي عيني ياقطر"بعد اللقاء الاول معه بدأت مرحلة من العلاقة مرحة بيننا حيث يصر رحمة الله انه من جيل آخر لايمكن لكتاب اليوم ان يصل الى مستواه كان شديد الاعتزاز بما انجزه شديد الحساسية أمام من لايعرفه ويؤكد دائماً على ضرورة الانتقاء حتى مع من هم في المقهى العام , يتساءل عن كل جالس جديد الى درجة التوجس , تأثر كثيراً بعد ايقاف الجريدة له ككاتب يومي وهو كان الكاتب القطري الوحيد الذي يكتب يومياً, لقد عرفته في الهزيع الاخير من حياته رحمه الله فكنا ثنائي على نقيض ليس عناداً وانما اسلوباً محببا لديه ان يقول أنا هنا دائماً عند احتدام الحوار داخل المجموعة حتى اصبح غيابي يشغله وغيابه يشغلني , كان يأتينا متحاملاً على مرضه رحمه الله , وقد أشرت عليه أن يأتي على كرسي متحرك فرفض بشده, كان عزيز النفس يأنف من المتكبر الذي لايرد التحية كما يجب ان يكون الرد " فتبخر اعتقادي السابق فيه, في صيف عام 2022 سافرت الى بريطانيا وقد ودعته على أمل أن القاه ثانية وكنت اسمع عند الاصدقاء انه سيذهب للعلاج في تايلند وبلغني فيما بعد انه غادر الى تايلند وحين رجعت كنت كثير السؤال عنه وكانت الاخبار مطمئنه ان حالته تتحسن وان عودته قريبه حتى انتكست حالته بعد اصابته في الحوض وتعطل الكلية عن العمل وحين رجع الى قطر كنت انتظر الاذن لنا بالسماح بزيارته في المستشفى الاأن قدر قد سبق وانتقلت روحه الى بارئها, عندما استعرض كتاباته أدرك من خلالها شخصيته , بما فيها من تحدي واصرار, وبأحكامه بما فيها من مطلقات, يعتب على الزمن بما فيه من متغيرات لايستجدي أحداَ ولاينافق مسؤولاً , ينكشف على الاخرين من خلال ذاته , فيعتقد البعض أنه يكتب لنفسه ولو ان هناك نوع من التمعن لادركوا ان اسقاطاته على الواقع كانت واضحة لكل ذي بصيرة , رحم الله الأخ جاسم بقدر ما قدم لقطر , وبقدر رسوخ كلماته في حبها في وجدان كل الاجيال , سنذهب جميعاَ وستبقى"يافرح ياحب في العيون البشر" في قلب كل قطري يولد ليستكمل المسيرة ويسلم هذا الحب الذي اضاء شعلته جاسم الى من هو بعده

الاثنين، 1 يوليو 2024

المثقف بين التوهج والذبول 4/2

نأتي الى المرحلة الثانية الممتدة من أواثل السبعينيات الى قبل منتصف التسعينيات والتي كان سمتها التعلم كشرط معرفي أو "ميتافيزيقا" التعليم وذللك للتدليل على انها كانت مرحلة" قيامية" حملت كل أماني المجتمع والدولة حيث شهدت نهضة تعليمية كبرى وبوادر عودة الخريجين من جامعات العالم التي تم ابتعاثهم اليها لاكمال دراساتهم من أجل النهوض بالمجتمع في جميع النواحي حيث أصبح التعليم في نظر المجتمع المثقف المتعلم هو المنقذ وحبل النجاة للفرد لكشف قدراته وللمجتمع لكي يتقدم وينهض على الرغم من القاع الاجتماعي الذي لم يحرث جيداً بعد حيث لم تزل المرجعيات الاولى قوية ولم تتبلور مرجعيات وسطى ثقافية بديلاً عنها لعدم وجود مجتمع مدني حقيقي بعد مثل معظم دول الخليج من أجل إستثمار أفضل للتعليم , الامر الذي أوجد مثقفاً متعلماً في حدود الوظيفة في الاغلب , فغاب الموقف الثقافي لأن بقاؤه يتطلب بُعداً إنطولوجياً "وجودياً" مستمداً من مرجعيات ثقافية وليس مرجعيات أوليه ومع ذلك انتعش المجال العام وشهدت تلك الحقبة نشاطاً ثقافياً واضحاً سواء في مجال الصحافة أوالتلفزيون والاذاعة أو الاندية الثقافية كذلك, المرحلة الثالثة والمستمرة منذ منتصف التسعينيات حتى يومنا هذا فالشرط المعرفي لهذة الحقبة كان الريع ونشاطاته , تبؤأت فيها التقنية صورة الاله الذي جاء لينقذ البشرية على مستوى العالم فظهر نمط المثقف الاداتي في مقابل النقدي وفي مجتمعنا أخذ المثفف شكلاً ريعياً زئبقياً       حيث أننا مجتمعات استهلاكية بالدرجة الاولى, ويظهر ذلك واضحاً مع شيوع وسائل الاتصال الاجتماعي بجميع أنواعها واضمحلال دور الوسائل التقليدية من صحف ومجلات التي كانت تتطلب مثقفاً قارئاً على الاقل وسيطرت الصورة على الثقافة واختزل العقل في مجرد لحظات ولقطات وغابت سمة التمييز بين الغث والسمين وجعلت التقنية من الجميع صفاً واحداً أمام تجلياتها واشكالها وقد اشار الكاتب الكندي" الان دونو" الى ذلك في كتابة " نظام التفاهة الى ذلك بكثير من التفصيل والشرح, واصبحت التقنية هي التي تحكم اليوم وترسم طريق الخلاص الى المستقبل, والذي يبدو كئيباً لمن يستهلك هذه التقنيات ولا ينتجها , وهذه المرة نحن في حاجة ملحة الى عناية إلهية ربانية لننجو بأنفسنا وبمجتمعاتنا, من تغول التكنولوجيا واللافت للنظر أن المثقف في مجتمعنا بدأ عضوياً وانتهى ريعياًعلى عكس ماكان متوقعاً لمجتمع لديه طموح لتنمية مستدامة وفيما يلي سأعرض لصور لتمظهرات المثقف عبر  صيرورة التغير التي يمر بها المجتمع
يتبع