الأحد، 26 سبتمبر 2010

وعي الهزيمة وهزيمة الوعي

وعي الهزيمة وهزيمة الوعي
عبد العزيز الخاطر
2007 / 4 / 13
عندما تهزم الأمم فعلياً يسود وعياً معيناً يتناسب مع ثقل تلك الهزيمة وأبعادها ، ويقوم بالتالى نقداً ذاتياً يمنع من تحول هذا الوعي الى حالة من الديمومة والثبات الثقافي. فبعد أن هزمت اليابان وألمانيا أعلنتا استسلامهما حصلت تبدلات وتغيرات كبيرة داخل تلك المجتمعات وربما شعور بالذنب لما جرّته تلك الحرب التي تسببت تلك الدولتان في قيامها على الإنسانية جمعاء ووضعت الخطط على ذلك الأساس وفي اتجاه النهوض والعودة الى الفاعلية الدولية من أبواب أخرى ، هذه في بعض أبعادها ثقافة رفض الهزيمة ، ولكن أن ينتقل وعي الهزيمة ويتحول الى ثقافة ذاتية الانتاج فذلك شأن آخر .
أعتقد أننا دخلنا تلك الدائرة بعد حرب أكتوبر عام 73 وتم هضمها واستيعابها بعد رحيل الرئيس السادات وبالتالي تم التصرف من خلالها بعد قيام القطب الواحد في نهاية الثمانينيات ، فالتحرك العربي منذ ذلك التاريخ ينطلق من ذلك الأساس ، الشئ المدهش أننا كأمة لم نتعرض لكارثة بقدر ما تعرضت لـه اليابان أو ألمانيا في الحرب العالمية الثانية من تدمير واحتلال من قبل قوات الحلفاء ، فنكسة حزيران بقدر بشاعتها وتأثيرها على الأمة لم تفت من عضدها بحيث استطاعت الأمة وبعد أعوام قليلة من ذلك شن حرب قوية ضد المحتل الإسرائيلي ، فلم تكن هناك ثقافة للهزيمة بعد تلك النكبة ولكنها كانت ثقافة التحدي والإصرار على مسح آثار العدوان ، ولكن كيف تم إدخال الأمة وأنظمتها داخل نسق التفكير من خلال الشعور بالهزيمة ؟
 أول ما يتبادر الى الذهن للإجابة على ذلك السؤال هو استبدال النظرة القومية في الدائرة العربية والنظرة الأبعد شمولية وهي الإسلامية بالنظرة القُطرية . فلم يعد هناك أمن قومي أو إسلامي وأنما هناك أمن قُطري وربما شخصي لكل نظام . أن التفكير من خلال القُطرية الضيقة في عالم اليوم يُعد هزيمة في حد ذاته . فالخلل الحاصل اليوم في عالمنا العربي خلل هيكلي وهو عبارة عن مزيج من القُطرية تمثلها الأنظمة وشعور قومي تموج به الشعوب وتنادي بسيادته وفي كلتا الحالتين لابد من توافق الطرفين للخروج من تلك الازدواجية ، فالقُطرية ليست مقيتة إذا ما كانت حلقة ضمن رؤية أكبر واتسعت أهدافها لتشمل المستقبل ضمن الأبعاد الجغرافية والتاريخية ، ولكنها مأساة عندما تدفع بنا للتفكير كمهزومين ، ونحن أمة كسائر الامم التى تكبو ولكن لا تزال تحمل في طياتها أوصالاً كثيرة وشرايين عديدة للحياة الكريمة . أنه وعي الهزيمة الذى يدفعنا الى استشعارها حتى قبل أن تقع وهزيمة للوعي الذى يجعل منها قدر لا يمكن دفعه.






شاعر المليون ووهم اللغة

 شاعر المليون ووهم اللغة
عبد العزيز الخاطر
2007 / 3 / 27
يعتقد البعض أن برنامجاً مثل " شاعر المليون " الذى حظي بشعبية واسعة ضمن الأوساط الاجتماعية الخليجية والعربية بشكل عام أذكى ولم يزل يذكي روح االقبلية التي يحاول عالمنا العربي جاهداً أن يتخطاها نحو مفهوم المواطنة . وأنه بذلك يعود بالأمور الى نقطة الصفر خاصة وأنه منتج شبابي ويحظى بإعجاب هذه الشريحة الضخمة من شرائح مجتمعنا العربي الكبير . والحقيقة كما أراها تبدو ملتبسة ظاهرها قبلي أو عائلي وباطنها ثقافي لغوي . الاستنجاد بالقبيلة أو الطائفة بُعد اجتماعي واضح كونهما مرجعيتين هامتين داخل النسق الاجتماعي العربي وغيره من المجتمعات المماثلة . وليس هذا هو بيت القصيد فقد يستنجد الفرد بقبيلته أو طائفته أو عائلته صراخاً أو عويلاً أو بكاءً . ولكن الأمر يبدو على شاكلة أخرى عندما يصبح ذلك لغة منظومة أو شعراً مقفى يستحث العزائم ويشعل وميض الحماسة فتراه يحرك في النفوس المشاعر ويطرح جميع المقاييس والمعايير المعقولة الأخرى جانباً . فاللغة هي ديوان العرب وهي المعركة الوحيدة التي ينتصر فيها العرب دائماً . أقام لها العرب سابقاً أسواقاً ويفتحون لها اليوم قنوات فضائية ويعقدون ندوات لا تعد ولا تحصى .
اللغة في احدى تجلياتها ؛ وهو الشعر حاضر العرب وماضيهم فهو بناءُ فوقي يصنع الواقع ولا يصنعه الواقع ، معها يصبح الخيال واقعاً نعايشه ونعيش في جنباته ، من يستطيع اصطياد دررّها يعلو فوق الجميع ويتمدد على عرش الثقافة لأنه يصطاد من كنوزها الدفينة ، يصعب على الكثير مطاولته أو جني ثماره . فاللغة عبر تاريخنا هدف وليست وسيلة هذا ما يجعلها فارقة عن غيرها من اللغات التي تنبع وتكبر من إخضاع الواقع المادي لتغيرات حقيقية تكتسب صفاتها وأسماءها اللغوية بعد ذلك . هي عندنا أشبة بظاهرة " التضخم " بالمعنى الاقتصادي حيث لا مقابل مادي لها في البنوك أو الأسواق . عندما تضعف الأمة وتهزل حضارياً ويتجاوز أعداؤها المدى تظهر أعظم تجلياتها ، هي لا تعكس الواقع ولكنها تعاكسه تتمرد عليه ترفضه علّ وعسى يستجيب أبناؤها لبلاغتها وقدرتها على التحدي . الهروب الى المعنى بعد تعذر تحقيق الانجاز المادي فن تتقنه الثقافـة العربية . فليس تمظهر وخروج القبيلة أو الطائفة من كهفهما التاريخي إلا استجابة لتأثير اللغة وجبروتها ، أجمل أغراضها ، تناول الحكمة والتجربة الإنسانية وأقسى أغراضها المديح والهجاء ما لم يكون بمستوى ما جاء به المتنبي ، الخائفون على انقراض اللغة العربية واهمون بلا محالة فها هي الأجيال تنصب لها الأسواق وتفتح لها القنوات وتقيم لها المحافل حتى ولو حاربوا بها طواحين الهواء ، وكل الأمل في أن يتحرك الواقع المعاش لا نقول لملامسة ثرائها واتساعه وأنما لموازاة المعقول منها مما يعبر عن طموح أبنائها ، وما يتمنونه لها شعراً ونظماً ، أن خروجنا من بوتقة اللغة يبدو مستحيلاً حتى ولو كانت هذه البوتقة وهماً فاستحكام السلطة اللغوية على قدر هذه الأمة يبدو جلياً ولا انفكاك منه فعقيدتها في الأساس تقوم على إعجاز لغوي من هنا لابد من بديل آخر يأخذ في اعتباره هذا القدر المحتوم .

قضايا المواطن عندما يعبر عنها بما يشبه النباح

قضايا المواطن عندما يعبر عنها بما يشبه النباح
عبد العزيز الخاطر
2007 / 3 / 14
ثمة فرق كبير بين " النباح " وبين " النقد " أو بين الطرح البناء عندما يتحول النقد الى " نباح " لا يُصغى إليه لأنه عمل دون " بشري " ولا يرقى الى مستوى البشر . البشر يحتاجون الى النقد البناء بعيداً عن بحّة " النباح " وعلو صوت النابح ولكن كيف يتحول النقد الى نباح أو الناقد الى " نابح " هنا لابد من الإشارة الى عاملين ، أولهما : نفسي معني بكاتب النقد أو الناقد و الآخر موضوعي تقع مسؤوليته على كاهل من يشرف على سياسة الجريدة أو المجلة أو وعاء النقد بصورة أشمل .
العامل الأول : عندما يخلط الكاتب بين مشكلته أو ما يعاني منه والقضية المراد طرحها بشكل واع أو لا شعوري في معظمه يتحول النقد الى صورة اقرب الى " النباح " الذى ذكرت لأنه يستخدم ميكانيزم الدفاع عن ذاته ولو كان من خلال قضية الغير ، فالحيادية مطلب صعب في جميع المجالات ولكنها في مثل هذه الحالة أصعب ، خاصة اذا كان المجتمع يحتكر آلياته التاريخية والاجتماعية الخاصة به للتقييم وأصعب تلك الحالات الشعور بالنقص أمام مجتمع قد حددت فيه المراتب والمواضع والدرجات مسبقاً فهو يموضع الفرد في زاوية وموقع محدد لا يستطيع معها فراقاً فهو هنا (أي الفرد ذو الحالة) في حالة دفاع دائم عن نفسه حتى قبل أن يبادره أحد بالهجوم وكل انتقاد لما يكتب أو يقول هو طعنة في وجوده فيخرج النقد من فمه نباحاً لا يمكن أن يرد عليه آدمياً ويتطلب النزول الى درجة أقل من ذلك فيترك بالتالى ليذهب مع الريح .
العامل الآخر : مسؤولية من يضع سياسة الجريدة أو المجلة ,والقراء وأصحاب القضايا والشأن عليهم أن يختاروا و " الحال هذه " الأكثر استقرار نفسياً والأكفأ قلماً والمنساب اجتماعياً دونما شعور بالنقص أو الدونية حتى لا يعاني من المجتمع ولا يعاني المجتمع منه ومن إشكاليات وبواعث نفسه . هذا إذا أردنا أن نرتقي بمستوى الخطاب الناقد في جرائدنا ومجلاتنا وإلا سنضطر الى فك رموزه " نباحاً " لا يستحق أن يرد عليه . فبذلك سنخسر مساحة هي أولى أن تكون للنقد البناء المتداول ضمن النسق " الإنساني " ولا يندرج نحو مستويات اقل .
أن قضايا الوطن لا تحتمل " النباح " ولكنها تحتمل النقد الراشد ، والمواطن لا يحتاج الى سب أو طعن أو استهزاء بالآخر للدفاع عن همومه ولكنه يحتاج الى عرض موضوعي مقنع مسند بالأدلة والروح الواثقة والنفس الطويل للحوار لا دفقة " النباح " القصيرة التي يجرى تجاهلها لقصر نفسها وعجزه .
فالنقد في أساسه يولد نقداً مضاداً اذا افتقد الى الموضوعية والمعّول يبقى في أين يكمن الجزء الأكبر من المصلحة العامة ولدى أي طرف لأنها في حقيقتها (أى المصلحة العامة) " كلُ " لا يملك الفرد منه إلا جزءاً منظوراً إليه من جانبه في حين أن الآخرين كذلك لهم زواياهم التي يرون بقية أجزائها من خلالها .
على كل حال الجرأه شى جميل ولكن لابد لها وأن تقترن بالصدق والموضوعية وليس بالتشنج والردود الأشبه بالنباح لأنها (أي الجرأة) في ذلك قد تخرج من الصفة الايجابية فى اقترانها بالانسان الى صفة هى ايجابية ايضا ولكن لغيره من مخلوقات الله!

بين بذور المجتمع المدني وطوفان الدولة

بين بذور المجتمع المدني وطوفان الدولة
عبد العزيز الخاطر
2007 / 2 / 9
الخيار الوحيد والأمن أمام دولنا الخليجية في عصر اصطدام دور الدولة بنمو مؤسسات المجتمع المدني على مستوى العالم ووقوفها ؛ أي تلك المؤسسات أمام تأثيرات دور الدولة السلبي سواء على المستويات البيئية أو الاقتصادية أو حتى الإنسانية هو أن تترك لقوى مجتمعاتها الخليجية المدنية والأهلية فرصة النمو بأقل نسبه من التدخل من جانبها ؛ " أي الدولة " أو حيادها تجاه هذه القوى بمعنى آخر . لعل الفترة السابقة كانت استثنائية حيث تم المزج بين الدولة والمجتمع في المنطقة لظروف خاصة باختزال عملية التطور التي عايشتها هذه المجتمعات الى درجة أصبحت الدولة هي المجتمع ولم تصبح أدوات ومؤسسات المجتمع هي ما يحرك الدولة وبالتالي طمست جوانب عديدة من شخصية هذه المجتمعات ولم يظهر إلا الجانب الاستهلاكي الهش الذى أصبحت الشخصية الخليجية مثلاً بارزاً له بإمتياز ومع ذلك فأن إمكانية النمو الذاتي موجودة كما إن القاعدة الأساسية لمثل ذلك النمو متوفرة أيضاً . في الوضع الطبيعي يكون التأثير متبادلاً بين الدولة والمجتمع لا أن يحل أحدهما مكان الآخر أو أن يلتهم أحدهما الآخر كما أن امتدادات الدولة لا يمكن أن تكون بديلاً عن مؤسسات المجتمع الأهلية حيث أن تلك الامتدادات سواء أكانت جمعيات أم نقابات لا تتمتع ولا تتحرك في فضاء حر – لكونها امتدادات لسلطة الدولة – وهو ما يشترط أو ما تتميز به الجمعيات والنقابات الأهلية . أن بذور التحول الديمقراطي الآمن الذى ننشده جميعاً بعيداً عن بتر الماضي أو الخصام اللدود مع مراحله التي تعاقبت على هذه المنطقة يتمثل في إفساح المجال أمام أمكانية نمو المجتمع الأهلي الخليجي نمواً ذاتياً . بالطبع ليست جميع دول الخليج العربية متساوية فيما يتعلق بدرجة اكتمال مؤسسات المجتمع المدني ولا بدرجة نشاطها ولا بقوة تأثيرها في الرأي العام ولكنها ربما تشترك في تدني سقف مشاركتها الفعلية وموازاتها لدور الدولة ويتضح ذلك في عدم بروز خطابها السياسي والاجتماعي الساعي الى تطوير هذه المجتمعات واقتصار ذلك الخطاب على الطابع الخيري. من أجل حل الإشكالية الواضحة اليوم بين تراجع دور الدولة عالمياً واقتصاره على الخدمات الأساسية التي تضمن أمن وسلامة المجتمع وبين ما نشهده من انقضاض من جانب الدولة على دور المجتمع يكمن في ترك إمكانية النمو متاحة لهذا المجتمع والسماح لعناصره الحية بالتشكل والتفاعل .
أن البعد التاريخي لظهور الدولة في الخليج وارتباط ذلك بظهور النفط أعطى الدولة خصوصية تاريخية جعل منها راعية وحاضنة للمجتمع بدلاً من وجود مساحة بين الجانبين وهو الأمر الطبيعي لحصول التفاعل البناء على عكس ما تم في مناطق أخرى من العالم حيث كان التعاقد والتفاوض تأسيساً للدولة وبمشاركة المجتمع . لقد استطاعت الحقبة النفطية من بين أسباب أخرى أن تؤجل نمو المجتمع المدني في حين كانت النخب العسكرية وشبة العسكرية تلعب نفس الدور في مناطق أخرى من عالمنا العربي ولكن بذور مثل هذا المجتمع في منطقة الخليج ترجع الى الثلاثينيات أو حتى العشرينيات من القرن المنصرم لذلك فإن قيام الدولة بدور المجتمع حتي اليوم أمر لا يمكن تبريره ولا يعمل استمراره على تطوير المجتمع ولا على تقوية الدولة فأهمية مؤسسات المجتمع المدني تتمثل في كونها أداة خلق الطلب الفعال وهذا في حد ذاته البوصلة التي تهتدي بها الدولة وتسترشد بها طريقها في المستقبل وبدون هذه المجتمعات والمؤسسات الأهلية لا يمكن قيام " الديمقراطية التداولية " حيث يتداول المجتمع قضاياه ومشاكله ؛ حيث لا يمكن للدولة أن تقيم ديمقراطية حقيقية دون طلب فعال من المجتمع ولا يرجى من أي أصلاح الاستمرار اذا لم يشارك المجتمع في صياغته وبلورته . ثمة شراكة حقيقية بين المجتمع والدولة هو ما أوصل تلك الدول المتقدمة الى ما هي عليه اليوم. لقد آن الأوان لإقامة الشراكة الحقيقية اللازمة لثقافة العصر ولقد آن الأوان لترك بذور المجتمع المدني الأهلي في الخليج وفي غيره من محيطنا العربي تنمو داخل فضاءاتها المتعددة .
 لقد كان للدولة الدور الكبير والأساسي في منطقتنا منذ قيام دولنا الخليجية ولكن تيار العصر فرض آليات ومنطقاً آخر يلقى بأشكال الصراع القديم بعيداً ليقيم مجتمع الشراكة بين المجتمع الفاعل والدولة الحديثة المتطورة . فالدولة الأبوية التي تحتضن المجتمع وتلتهمه متى شاءت وتفكر عنه وتزيله من الوجود اذا لزم الأمر ، أصبحت عبئاً ثقيلاً حتى على نفسها ويظهر ذلك من خلال تلمس خريطة العالم السياسية والاقتصادية فالفرق بين المجتمعات المدنية وغيرها أنه في الأولى لا يشعر الفرد بثقل وقع الدولة على حياته في حين أنه في الأخرى يتساءل (وربما يكون زائراً وليس مقيماً ) عما إذا كان هناك مجتمع أصلا ! وذلك بسبب تمظهر الدولة وتجليها بشكل يخطف بصره ولا يستطيع معه انفكاكاً .

اعدام صدام ومكر التاريخ

اعدام صدام ومكر التاريخ
عبد العزيز الخاطر
2006 / 11 / 7
لفظ إعدام لا يخيف في بغداد ، ربما كلمة الحياة أكثر غرابة . هنا الموت رائحة مستمرة ومشهد مستمر يكاد يكون غيابه هو الاستثناء . الحاكم في بغداد على موعد مع الموت دائماً . لم يتوقع صدام كلمة غير ما نطق به القاضي ، التاريخ في منطقتنا وفي بغداد دائماً يضع إرادة الحياة في مقابل الموت للآخرين ، ولم يشذ صدام عن أقرانه كثيراً وأنما كان أسوأهم حظاً . كان في حياته استثناءاً لأنه صنع أحداثاً استثنائية ؛ يتعدى بعضها نطاق المعقول وفي مواجهة مصيره كان كذلك استثناءاً . جميل أن ينتقم المظلوم من الظالم في حياته وجميل لو أن الآخرين يتمثلون نهاية الظلم والبطش ولكن القبيح أن يحاكم الحدث ويترك التاريخ ، أن يعدم المستبد وتترك آلية إنتاجه مستمرة .
كان الوضع سيبدو بشكل آخر لو أن ظلال الديمقراطية الموعودة كانت ترفرف على بغداد ساعة إعلان الحكم كان سيبدو كذلك نموذجاً يحتذي ويخيف قلاع الاستبداد في كل عاصمة عربية ، كان الوضع سيبدو أكثر جمالاً وإشراقا لو أن العراقيين هم من أصدر الحكم من ألفه الى يائه .
كان الوضع سيبدو مثالاً للتفاؤل والخروج من نفق الظلم والاستبداد لو إن الشارع العراقي لم تدنسه يد التدخلات الخارجية من كل صوب ولم تزكم الانوف فيه رائحة الطائفية والمذهبية بشكل لم يسبق له في التاريخ . على مر التاريخ لم يكن للديمقراطية التي يريد الأمريكان زرعها في العراق نافذة تطل منها على نهر دجلة فهو لم يكن استثناءً بهذا المعنى وعلى مر التاريــخ
لم تكن بغداد مطواعة لضعفاء البأس وقليلي الحيلة . صدام أخطأ وارتكب الكثير من الحماقات والجرائم ولكن التاريخ يخبرنا بأن حقبة الجرائم والآثام دائماً تتلوها حقباً أخرى مغايرة لا يعود فيها مكان لتلك الجرائم والآثام ، لم يخبرنا التاريخ إطلاقا بأن حقبه الجرائم تحاكمها حقبة أخرى مماثلة . الدم اليوم في بغداد أكثر استباحة والأمن أُمنية كل عراقي والدين أشتاتا والعراق عراقات ، كيف يحاكم فصل والمسرحية مستمرة .
ثنائية الجلاد والضحية ثنائية مستمرة عبر تاريخنا الطويل لم يتغير الجلاد العربي ولم يغير من أدواته كما حدث لدى الغير لم يزل فرداً ولم يزل بشراً لم يتحول الى مجموعة من القوانين والتشريعات كما حدث لدى الغير . ولكن الضحية عبر التاريخ تغيرت فلم تعد فرداً أو مجموعة أفراد ولكن أصبحت شعوباً ومجتمعات كاملة مجردة من أبسط حقوقها وما يحميها من الجلاد ورعونته .
إشكالية تاريخنا العربي؛ أن الجلاد والضحية يتبادلان الأدوار ليس الا ! فلا الضحية دائماً كذلك ولا الجلاد يستمر في أداء دوره حتى آخر المسرحية وفي هذه الحالة فقط تتجلى الضحية لتصبح فرداً لتذيق جلادها اشد اصناف العذاب ويتنحى الجلاد ليصبح شعباً بأكمله .

بين خصوصية العقيدة ومرونة الشريعه

في اعتقادي أن تحديد العلاقة بين العقيدة والثقافة"الشريعه كأحكام تاخذ بظروف العصر ومقتضياته " أمر هام وضروري لمواجه مشاكل العالم الاثنية منها أو الطائفية أو الدينية بشكل عام وأن الأديان هي أحدى مكونات الثقافة إضافة الى إبعاد أخرى والثقافة في أحد تعريفاتها هي الجانب غير المادي للحضارة والعنف المسيطر اليوم على العالم نتيجة لجوء البعض الى العقائد بحدودها الضيقة وغياب ثقافة هذه العقائد لأسباب عديدة وحتى تتضح الصورة أحاول أن أجد الفرق بين العقيدة والثقافة فيما يلي :-
1 – العقيدة ثابتة ولا تتغير بينما الثقافة متغيرة وتأخذ بمقتضيات العصر وظروفه ومتغيراته بشكل لايخل باساسيات العقيده ولا يخرجها من العصر 2 – ما لا تستوعبه العقيدة تستوعبه الثقافة لشموليتها فمرتكبو الكبائر في الإسلام مثلاُ تطبق عليهم العقيدة الحدود ولكن الثقافة الإسلامية لا تخرجهم من دائرة الإسلام .
3 – لا يمكن إقامة حوار بين العقائد ولكن يمكن ذلك بين الثقافات .
يتعامل الغرب الذى استوعبت ثقافته أديانه الى درجة التفريغ مع العالم الإسلامي وكأن الإسلام أصبح ثقافة في عالمه ولا يدرك أنه لا يزال عقيدة ولم يتحول الى ثقافة إلا في حدود ضيفة وضمن نخب معينة ولو أدرك مثل هذا الأمر لما أقترب من محظورات تصيب العقائد في مقتل مثل " الرسوم الكاريكاتورية الأخيرة " لو أدرك ذلك فأني على يقين أنه لن يتجرأ على مثل هذا العمل والدليل على ذلك أن ناشر الصحيفة الدانماركية صرح بأن القصد من ذلك هو اختبار قدرة المسلمين على التحمل وهو بعد ثقافوي عندما يتحول الدين الى ثقافة عامة تخف حدة التوترات وتتحول العقيدة من الجمود الى التحرك ومجاراة الحياة والعصــر .
في اعتقادي أن اجتماعاً مثل اجتماع حوار الحضارات عليه أن يتبنى ليس فقط البعد عن تجريح العقائد وضرورة احترامها بل والعمل على إخراجها من دوغمايتها وتحويلها الى ثقافة عامة إنسانية والمعروف أن الإسلام وحده الذى لا يزال يحتفظ بعقيدة صارمة ومحددة ولم تنتقل ثقافته بعد الى جل أبنائه وشعوبه لأسباب عديدة منها الاستبداد الداخلي وعنف الخارج أن الثقافة الاسلامية لو قدر لها الانتشار والتمكن في الأرض لاستوعبت الداخل بكل أخطائه ونواقصه والخارج بكل اختلافه ومغايرته . فقيام ثقافة إسلامية صحية من خلال فهم الشريعه في ظروف العصر , وظروف المسلمين المنتشرين اليوم في كل أنحاء العالم, تمنع من الارتداد الى حدية العقيدة وجزيئاتها وكذلك قيام فهم حقيقي لدى الآخر " الغرب " لأوضاع شعوب هذه المنطقة يرتكز أساساً على دراسة لهذه الأوضاع ودفعها نحو التحسن بصورة لا تحبط وتزيد من حنق الشعوب بل وتعتمد على جس نبض الشارع الإسلامي لا نبض القائمين على أمره لان الاختلاف بين النبضين شاسع بل ومميت أيضا كما أن الإشكالية التي يجب مقاربتها أيضاً هي في أن الرد الامريكي والغربي عموما على عنف وتطرف بعض معتنقي العقيدة جاء على شكل تدمير لثقافة المنطقة
 " اجتياح أفغانستان واحتلال العراق , والرسوم الاستهزائيه برسول الاسلام صلى الله عليه وسلم" مما زاد من تشرنق العقيدة وتصلب أطرافها داخل نفوس أصحابها


السبت، 25 سبتمبر 2010

أمريكا تعيد العالم الى الطور الديني!

 أمريكا تعيد العالم الى الطور الديني!
الدين و السياسة هل من ثمه تجاوز ؟
عبد العزيز الخاطر
2006 / 8 / 22
ثمه فرق بين توافق الدين مع السياسة وبين أن يكون الدين حلاً سياسياً ، توافق الدين مع السياسة له بعد ثقافي ومجال أرحب ويتطلب عقلاً منفتحاً يعي الأبعاد السياسية والواقع المعاش بمعنى أنه يتطلب ثقافة ولا يتطلب حدية العقيدة كما يفهمها البعض . أما أن يكون الدين حلاً لمشاكل العالم السياسية المتجددة فذلك مستحيل لأنه في ذلك الحال لم تعد هناك سياسة أصلاً في هذا التصور والسياسة في الحقيقة تقوم على الواقع ومعايشته في حين أن الدين في معظمه مطلق لدى فهم الأكثرية الإسلامية بالذات على الاقل. وتزيد من حدته في هذا الاتجاه ما يشهده العالم اليوم من آثار خطيرة للعولمة جعلت من الإنسان يفقد ذاته ويرتد الى مرجعياته الأولية في مواجهة طغيان المادة والشركات العالمية التي قد لا تمثل حالة ذات أبعاد إنسانية واضحة أمام هاجس وحمى الربح .
لذلك فالأمر يتطلب منا كمسلمين التنبه الى هذه المحاور بشكل أكبر فخلاصة ما يريده العدو هو أن يجعلنا نتمركز حول فهم معين لديننا يتمثل في اتجاه المطلق الذى لا يحتمل العصر المعاش إلا على صورة واحدة ماضوية سابقة ويجعل من همنا الأول والأخير ليس النظر الى الأمام بقدر ما العودة الى الوراء . حرب لبنان الأخيرة هذه كشفت أن للأمة قدرة على المقاومة والصمود مجتمعة وتحت شعار يحتضن الجميع .
من الاجدر للأمة إن تحارب تحت شعارات إنسانية لا دينية ضيقة حتى لا تنكمش التفسيرات العقائدية لدى النفوس الى أقصى درجة لتبدو وكأنها حالة خلاصية فردية . فمن يغتصب الأرض يجب أن يقاوم ومن يعتدي على الحقوق ولا يعمل معياراً للقيم الإنسانية يجب أن يوقف ومن يقتل الأطفال والشيوخ والنساء يجب أن يقاوم ويحارب . حرمة الدم والعرض والمكان وحرية المعتقد جميعها مسلمات إنسانية تتوافق معها جميع الديانات بلا استثناء .
يجب التنبه الى أهمية خروجنا الى العصر بثقافة تتعامل معه بثقة بل وتتجاوزه لا الى سحب العصر الى ما نعتقد أنه خاص بنا دون غيرنا وهو ما تقوم به إسرائيل وستفشل في ذلك حتماً لاحقاً . اليوم المسلمون بالذات أمام اختبار كبير يتمثل في تريب أو تشكك البعض في صلاحية دينهم للعصر وهو يشاركون مع الأسف في ترسيخ ذلك في فتحهم لجبهات داخلية تشققيه تاريخية كان من المفروض تجاوزها . فالمسؤولية كبيرة أمام الله لأن الشعار الإلهي واضح وضوح الشمس " ان هذه أمتكم أمة واحدة " ومدلولاته كذلك ، لقد ابتلي الإسلام بنا كمسلمين نريده كسباً في دنيا فانية . ان التيقن بأن الدين الإسلامي كثقافة يحتمل السياسة بأبعادها ولذلك جاء النص القرآني حمال أوجه وذو طبقات للفهم واحدة فوق الأخرى فالحلول اليوم دائماً سياسية ويحتملها الإسلام لأنه دين الإنسانية تبقى مسألة القوة والضعف فالمسلمون اليوم ضعفاء وقد أضعفوا الإسلام كذلك فهذه المعضلة حياتية تتطلب ثقافة دنيوية ذات أبعاد دينية وليس العكس بمعنى أن تكون هناك ثقافة إسلامية واحدة تحتضن الجميع تقوم على حب العمل والانجاز والريادة في الدنيا والآخرة ، لا أن تتطاحن المفاهيم والمذاهب داخل الدين الواحد من أجل أهداف ومكاسب دنيوية . ثمة أمل للمسلمين داخلياً إذا ما سادت ثقافة التسامح الإسلامية بينهم واعتقدوا بأن تنوع المذاهب نوع من الثراء للهدف المشترك الإنساني بالضرورة نحن كمسلمين مجبرين أن نصل الى نقطة التقاء تنبذ العنف فيما بيننا لنواجه بالتالي إرهاصات العصر الجديدة المتنوعة فالإدارة الأمريكية اليوم تعيد الى العالم الطور الديني التاريخي لما قبل الحداثة فاذا كانت الحداثة في احدى تجلياتها زياحة سلطة الدين كمرتكز وسيادة العقل وما بعد الحداثة تزيح العقل وتسيد العدم فإن ما تقوم به الإدارة الامريكية اليوم هو نفي النفي بالتعبير الماركسي وإعادة العالم الى نقطة البداية من جديد ولكن من محاسن العملية الديمقراطية الغربية أو النموذج الغربي منها فقط أنها لا تؤبد الأشخاص والإدارات أكثر مما يجب وهنا يكمن الأمل ولكن بعد صياغة العالم الإسلامي لبنيته الداخلية بشكل يجعل منه قادراً على مواجهة تقلبات العصر وإرهاصاته.