الثلاثاء، 16 يونيو 2015
الديوان الخاص بين فكرة الغنيمه وفكرة بيت مال المسلمين
مع قدوم رمضان يتطلع قطاع كبير من أهل قطر عموما إلى مساعدات الديوان الخاص , إنطلاقا من قدسية الشهر الفضيل وعادة السلطه الحاكمه في مد يد العون والمساعده لكل المحتاجين من أهل البلد والقاطنين فيها , درج حكام قطر عموما على إعطاء الديوان الخاص أهمية بالغه كحلقة وصل بين رغبتهم في المساعده, والمستحقون لها من ابناء شعبهم الوفي. وعبر تاريخ الديوان الخاص كانت هناك دائما قلوب بيضاء شهد لها اهل قطر بالحب والوفاء والمساعده , ولاتزال ولله الحمد تتواجد كوكبة من شباب قطر الصالح تقوم بهذه المهمة خير قيام , إيمانا منهم بالمسؤوليه , وإعترافا بحق المستحقين من أهل قطر الذين كابدوا حقب الانشاء والتحولات في بناء قطر التي نشاهدها اليوم. ما أود التركيز عليه في هذه المقالة هو فكرة "الديوان الخاص" ذاتها , لأنها لاتزال موغله في سوء الفهم لدى البعض بين نظرتين أولاهما , أنه حظوه وانتقاء للبعض وعلى ذلك تترتب فكرة الغنيمه , والثانيه أنه بيت مال المسلمين , وبناء ذلك أيضا نقفز من مفهوم الدوله إلى مفهوم الخلافه وما يترتب على ذلك من شعارات تطرح تأخذنا بعيدا عن الواقع ومقتضايته. الحقيقه أن فكرة الديوان الخاص على نقطة تقاطع بين فكرة الغنيمه وفكرة بيت مال المسلمين.في الذهنيه الشعبيه الريعيه هو غنيمه , وفي الذهنيه الراديكاليه الابعد في المجتمع هو بيت مال المسلمين , في نقطة التقاطع هذه تقف الدوله كشرطي مرور منظم , بين فكرتين كلاهما يمثل إنعطافا سلبيا للمجتمع قد يتطور نحو إبراز ثقافة لاعلاقة لها بروح المجتمع ولا بقيمه وتقاليده ولا بروح الاخاء التي جُبل عليها. فكرة الديوان الخاص فكرة إجتماعيه هدفها صالح الدوله وإرادة الامير في استقرار الحكم عبر التاريخ , فهو الحلقه الوسطى بين قصور مؤسسات الدوله وبيروقراطيتها وبين حاجة المجتمع وضروراته المتجدده والطارئه , الديوان الخاص هو الانسان وسط ابراج المسلح والاسمنت التي لاتستمع الا لصفير الرياح, إهتمام الدوله ممثلة في سمو الامير حفظه الله في تطوير العمل وتنظيمه في الديوان الخاص نابعُ من رؤيه صادقه لحق التاريخ على الحاضر والمستقبل , لا ليس الديوان الخاص فكرة للغنيمه , إلا الجانب المعنوي منها الذي يخلد الشخص بعد ذهاب المنصب عنه , وليس الديوان الخاص كذلك بيتُ مال للمسلمين لأنه جزء من ميزانية الدوله وليس بيت للغنائم والزكاوات والمنقولات كالفىء والخُمس أو ماثبت بيد المسلمين ولم يتعين مالكه كما كانت تسمية تبعا لذلك , في الحقيقة هو مشروع اجتماعي يسد الفراغ الناشىء بين تطور المجتمع وبين ثقل حركة الطبقات الاجتماعيه فيه نظرا لظروف كل طبقه وقدرتها على المواكبه ,ومنعا لتكَون أحزمة إجتماعيه خارج التصور تكون عرضة لإستلاب الفكر السلبي أيا كان نوعه وجهته, قطر عبر التاريخ كانت موئلا للخير ومسلكا لدروبه وشعابه ,ومضربا للوفاء , الحقيقه التاريخيه القائمه اليوم تشهد بذلك, الاتجاه المتزايد لقطر اليوم لم يأتي من فراغ إلا أن الديوان الخاص له خصوصية وعين لايجب أن يحجبها الضباب ولاالغبار عن رؤية التاريخ عندما كان وليدا وسط صحراء قاحله لاماءٌ قيها ولاشجرُ. اللهم وفق الجميع , وأفتح قلوبنا جميعا لرحمة الضعيف , ولاتنسنا ضعفنا ولا ساعته القادمه بلا محالة, وأجعل قلوبنا فيمن حبك وأتقاك .
الأحد، 14 يونيو 2015
من ذاكرة رمضان " الدور الاجتماعي للمسجد"
في رمضان كانت المساجد محور النشاط اليومي ولاتزال ولكن الفرق بين هذه المحورية في الماضي والحاضر, أن الفرجان في الماضي جعلتها أكثر حميميه منها اليوم في التجمعات السكانيه المستحدثه حاليا , كانت اشبه باللقاء العائلي منها بالتجمع الديني المؤقت لاداء فريضة دينيه, فالذهاب الى الصلاه يتضمن ادائها كما يتضمن لقاءات على جانبيها قبل وبعد الصلاه , لازلت أذكر كيف كان مسجد السيد أحمد بن يوسف الجابر رحمة رحمه في فريجنا في الريان القديم كيف يتحول الى نقطة التقاء بين الاجيال جيل الشياب وجيل الشباب , حتى أننا كنا ننتظر خارجه بعد الصلاه لنسلم على كبار السن من أهل الفريج, في مساجدنا قديما كانت تمتزج الروحانية بالانسانيه فتشكل إجتماعا يتجلى فوق زخارف الدنيا , لتسقط جميع الاعتبارات الدنيوية الاخرى , التي جعلت من فريضة الصلاه مجرد خمس دقائق جافة يتلاشى حضور الشخص بعدها ولو برهة من الزمن., مجتمع الفريج , التلقائي كان حصيلة خبرة إجتماعية لأصحابه, وليس تخطيطا حكوميا كما شهدنا لاحقا أفرز حدودا ضيقة بين المواطنين , بحيث بدت كل عائلة او قبيله تختص بفريجها , مما اقام حاجزا نفسيا يكبر مع الاجيال الناشئه , لازلت اذكر صوت الاديب احمد بن يوسف الجابر وهو يؤم المصلين في المسجد أحيانا , صوتُ عذب وقراءة فصيحة لآيات الذكر الحكيم وإذا ما تغيب الإمام يؤم الجمع أقرأهم واحفظهم للقران هكذا وبكل بساطة وإرتياح , لازلت أذكر المرحوم عبدالله عبداللطيف الهجن النعيمي يمسك بالمدخن في فترة الراحه في صلاة التراويح التي كنا نؤديها عشرون ركعه إضافة للشفع والوتر , لازلت أذكره وهو ينتقل بالمدخن وعود البخور من مصلي الى آخر , رحمه الله , كان هناك قسما للنساء كذلك يؤدين فيه فروضهن, لازلت اذكر الصف الأول من المسجد حيث يلتقي اعيان الفريج رحمهم الله جميعا, محمد بن مسفر الحساوي الهاجري, والوالد محمد بن خالد الخاطر وحمد بن مسفر بن شايق الهاجري واحمد وعبداللطيف الهجن وحمد بن خاتم المحشادي وماجد وصالح المطروشي المناصير , وغيرهم رحمهم الله جميعا وأحسن مثواهم, كثيرا ما كان يؤم الصلاه في اوقات الفروض السيد سلطان بن جاسم الذوادي رحمه الله وأحيانا كثيره كان الوالد رحمه الله. ما يهمني هنا ليس الوصف بقدر ماكان التعامل والارتقاء والتآلف , عندما خضع المسجد لعميله إعادة ترميم فتح لنا المرحوم احمد بن يوسف الجابر مجلسه لأداء الصلاة فيه طوال هذه العملية التي استمرت شهورا. ما أعنيه هنا المسافه بين الفرد والدوله كان يملؤها الفريج و هذه الايجابيه تبدو مفقودة اليوم, كذلك كان دور الأبناء أكثر شمولية من مجرد علاقتهم بالاباء المباشرين او البيولوجيين الى جميع آباء الفريج , أيضا هناك العلاقة بين اهل الفريج بعضهم البعض كان يصيغها المسجد بشكل كبير من هم خارج هذا المكان هم خارج هذه العلاقه , اليوم لم يعد المسجد سوى مكان مجرد لاقامة الصلاه , كان في الماضي كما ذكرت اضافة لدوره الديني كانت له وظيفة اجتماعيه في خلق كتله اجتماعيه وليست عقيديه كما تطور لاحقا لتقتنص الايديولوجيا حقوق الواقع الانساني او تعمل على تفكيكه من منظور ديني وأختفى الفريج فأصبح المواطن في مواجهة الدوله مباشره بكيانه الضعيف , الدور الاجتماعي للمسجد اختفى , كان يمكن أن يكون أحد محددات المجتمع المدني لو استمر هذا الدور الاجتماعي الذي يحدد العلاقه بين افراد المجتمع مع الدوله أو يقف مالئا الفجوه بينها وبين الفرد , اليوم يعجز أعضاء المجلس البلدي من القيام بالدور الاجتماعي الذي كان يقوم به المسجد في السابق, يعجزون عن تحقيق الاجتماع الضروري الذي كان يحققه المسجد في السابق لتبني قضاياهم, كان لدى افراد المسجد في السابق من تجربة مسجد أحمد بن يوسف الجابر القدره على الفصل بين ماهو ديني وما هو إجتماعي , كنا نتناقش خارجه عن قضايا المجتمع ويستأنف افراده حديثهم في المجالس بينما يؤدي الجميع فروضهم بشكل كامل , لاتطرح العقائد ولا الفتاوي بالشكل الذي نراه اليوم , سماحة العقيده في حينه أوجدت مسجدا متصالحا مع نفسه ومكان وجوده , لاأنسى أن أذكر الشيخ جاسم بن علي بن عبدالله رحمه الله شيخ الريان الذي كان دعما لجميع اهل الفريج وكان مجلسه ومسجده كذلك ملتقى يلتقي فية الادب بالدين , كم حاجة انسانيه ومشكلة اجتماعيه حققها وحلها المسجد قبل ظهور المؤسسات الاجتماعيه والأسريه االتي تفتقر الى روحانية المسجد ومحيطه المغناطيسى المؤثر بلا حاجة الى الاستنطاق الذاتي والاعتراف تحت تأثير المؤثرات النفسيه والسكلوجيه.
الثلاثاء، 9 يونيو 2015
آباء الحداثه في قطر
مفهوم الحداثة ليس مفهوما متفق عليه وليس له صورة واحده في جميع المجتمعات نظرا لطبيعتها الاجتماعيه والإقتصاديه ومراحل النضج التي تمر بها, لكن ماأود أن أشير اليه هنا هي تلك اللحظة التاريخيه التي إنتقل فيها الفكر والثقافه في المجتمع إلى مرحلة – المابعد. لما أحدثته هذه اللحظه من وعي جديد داخل أروقة الثقافه السائده والفكر السائد . ودولة قطر كغيرها من دول العالم مرت خلال تاريخها بفواصل تاريخيه ثقافيه في الاساس قد تكون ارتكزت على حدث سياسي إلا أن تأثيرها الايجابي والاشمل كان على نطاق الثقافة والفكر لتشابة الاحداث السياسيه في منطقة الخليج التي تتم ضمن الفكر السائد فلا أعتقد بحداثه سياسيه شهدتها هذه المنطقه سوى ما قام به الشيخ عبدالله السالم في الكويت لتأسيس الاماره على دستور وطني , إلا أنه في تاريخ الثقافه والادب فالصوره أكثر شموليه وأكثر إتساعا. وفيما يتعلق بدولتنا الحبيبه قطر تلمست بكثير من العنايه أدوار من شكلوا القفزه الى مرحلة-المابعد في المجالات السياسيه والاجتماعيه والثقافيه وحاولت ان أشير هؤلاء تحت مسمى آباء الحداثة في قطر نظرا لدورهم الاساسي في انتقال الفكر داخل كل نشاط الى مرحلة جديده غير تلك التي كانت سائدة قبل ذلك.
أولا: سمو الشيخ علي بن عبدالله بن جاسم أل ثاني رابع حكام قطر(1894-1974) أدخل مجانية التعليم والعلاج والكهرباء في قطر وهي الميزه التي لاتزال دولة قطر تمتاز بها عن سائر دول العالم قاطبة, كما أهتم بنشر وطباعة الكتب من دواوين الشعر العربي والاحاديث والسير التاريخيه والسيره النبويه وأفتتح أول مستشفى في عصره "مستشفى الرميله" الذي كان علامة فارقه في المجال الصحي في المنطقه. رحمه الله
ثانيا: سمو الأمير الأب الشيخ خليفه بن حمد ال ثاني :سادس حكام قطر(1932-) ظهرت بوادر الطبقه الوسطي القائمه على بيعها لجهدها ومعارفها في عصر الشيخ خليفه , حيث لم يكن ذلك واضحا في المجتمع فتشكلت بناء على ذلك طبقه اداريه قطريه في جميع المجالات ذات كفاءه عاليه , ودخلت قطر مرحلة تقطير واسعة المجال حتى أضحت جميع ادارات الدوله ومناصبها العليا بأيدي شباب قطر فأكتمل الجهاز الاداري والدبلوماسي وخطت الرعايه الصحيه والتعليم خطوات كبيره ومشهوده , وشكل أول مجلس شورى كذلك وعُرفت قطر بمواقفها القوميه والعروبيه والخليجيه الثابته خلال تلك الفتره .أطال الله في عمره ومتعه بالصحة والعافيه.
ثالثا:الشيخ عبدالله بن تركي السبيعي(1897-1968) رئيس الشئون الدينيه في قطر , شكلت حداثة الشيخ عبدالله بن تركي السبيعي بعدا جديدا لم يكن المجتمع على وعي به في حينه , حين لم يجد تناقضا بين سلفتيه ودعوته لتحرير العقول وانفتاحها على معطيات العصر والعلم في وقت كان المجتمع لديه توجس وشك في كل جديد يأتي من هنا وهناك واعتباره بدعة تؤدي الى ضلالة تؤدي الى النار, اضافة الى ذلك رأى أن هناك تلازما بين بين الاسلام والعروبه فكان له دور بارز مشهود في جمع التبرعات لنصرة الشعب الجزائري في معركة التحرير التي خاضها مع المستعمرومساندة مصر ابان العدوان الثلاثي عليها 1956ونادى بحق الفتاه القطريه في التعليم,وكان لجهوده دورا كبيرا في تحقيق ذلك , كان رحمة الله على إدراك ووعي كبير بمتطلبات الشريعه وبحقوق المجتمع وبعدم التناقض بين العروبة والاسلام فقد إحتفظ في حياته بعلاقة طيبه مع الزعيم العروبي جمال عبد الناصر, ونال وسام الاستحقاق من الجزائر إعترافا بجهده ودوره في مساندة كفاح الشعب الجزائري , رحمه الله وأكرم مثواه
رابعا: الشاعر ماجد بن صالح الخليفي(1873-1905) رغم أنه لم يعمر طويلا فقد عاش فقط خمسة وثلاثون عاما إلا أن كان له شرف الرياده في قرض الشعر العربي الفصيح في تاريخ قطر الثقافي وله السبق في ترك نصوصا شعرية عربية في منتهى الجمال في تاريخ المجتمع القطري كما تشير الدكتوره مريم النعيمي في مقالها عنه المنشور في جريدة الرايه بتاريخ 5-11-2009
خليلي هذا ربع دار تغيرا
ورسم عفت آثاره فتنكرا
قفا نسأل الاطلال هل كان أهلها
على العهد أم كان الوداد تغيرا.
وهناك تناص واضح بين شعره وبين كبار شعراء العربيه كما تشير الدكتوره في مقالها السابق, مما يدل على قوة ملكته الشعريه
وصاحب إذا صاحبت حرا فإنه
تقاس به وأجعل نديمك دفترا
في تناص واضح مع قول المتنبي
أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الانام كتاب.
وشاعرنا من عائلة عرفت بالثقافه عموما من أعيانها ورجالاتها الاديب مبارك بن صالح بن ماجد الخليفي المصلح الاجتماعي والاقتصادي ورجل التربيه يرحمه الله.
خامسا:السيد عبدالله حسين نعمه(1915-1995) عميد الصحافه القطريه وأول من أصدر مجله وجريده في قطر فقد صدرت مجلة العروبه بتاريخ 5 فبراير عام 1970, ثم أصدر جريدة العرب بتاريخ 6 مارس عام 1972, كذلك أنشأ أول مكتبه لتوزيع الصحف والمجلات في قطر, فاحدث تيارا جديدا على ساحة المجتمع لم يكن موجودا من قبل , ونشر أوائل القطريين انتاجهم الادبي والشعربي من خلال صحافة عبدالله حسين نعمة , أدخل عبدالله حسين نعمة الصحافه كمهنه في قطر ومنذ ذلك التاريخ تغيرت نظرة المجتمع للصحافه رويدا رويدا لنجد اليوم ان جميع رؤساء التحرير من القطريين , يرحمه الله.
سادسا: الموسيقار عبدالعزيز ناصر العبيدان: مؤسس اول فرقة موسيقيه في قطر عام 1966 التي فتحت المجال أمام مجموعة كبيره من الشباب القطري الموهوب لابراز مواهبهم الموسيقيه والغنائيه, كما انه إهتم بالتراث القطري وعمل على حفظه من خلال الموسيقى , ورغم صعوبة المهمه في مجتمع تقليدي ينظر الى الغناء والموسيقى نظره دونيه إلا ان الموسيقار عبدالعزيز ناصر فرض موهبته وإحترامه على الجميع مما يثبت أن الغث من التقليد ليس سوى رهبة من التجديد, قدم عبدالعزيز ناصر من الالحان القطريه التي وصل صداها الى جميع انحاء الوطن العربي وغنيت ورددت بأصوات مطربين عرب من الخليج ومن المحيط منها "أغنية ولهان ومسير" وأحبك ياقدس الرائعه , وأفضل أغنية وطنيه على الاطلاق "الله ياعمري قطر" كما لحن السلام الوطني للدوله والذي نردده صباحا مساء مع مناسباتنا واحتفالاتنا , أحدث عبدالعزيز ناصر قفزه في تاريخ الفن في قطر فهناك فن ما قبل عبدالعزيز ناصر وهناك فن ما بعده , متعه بالصحه وبمزيد من النشاط والابداع.
علينا أن نطرح سؤالا هاما بعد هذا العرض , وهو هل لانزال مع سيرورة الحداثة التي فتح آفاقها هؤلاء , أم أن هناك تراجعا أصابها أو أنتكاسا راودها سياسيا وإجتماعيا وثقافيا ؟ وعلينا كذلك أن نفرق بين الحداثة والتحديث , فالتحديث يتطلب حديثا آخر وآباؤه كثر وفي جميع المجالات , لكننا أردنا اليوم الحديث عن آباء الحداثه الذين حققوا الطفره الثقافيه التى أخشى عليها من التراجع بإسم المحافظه أو بإسم الانفتاح والاستهلاك.
أولا: سمو الشيخ علي بن عبدالله بن جاسم أل ثاني رابع حكام قطر(1894-1974) أدخل مجانية التعليم والعلاج والكهرباء في قطر وهي الميزه التي لاتزال دولة قطر تمتاز بها عن سائر دول العالم قاطبة, كما أهتم بنشر وطباعة الكتب من دواوين الشعر العربي والاحاديث والسير التاريخيه والسيره النبويه وأفتتح أول مستشفى في عصره "مستشفى الرميله" الذي كان علامة فارقه في المجال الصحي في المنطقه. رحمه الله
ثانيا: سمو الأمير الأب الشيخ خليفه بن حمد ال ثاني :سادس حكام قطر(1932-) ظهرت بوادر الطبقه الوسطي القائمه على بيعها لجهدها ومعارفها في عصر الشيخ خليفه , حيث لم يكن ذلك واضحا في المجتمع فتشكلت بناء على ذلك طبقه اداريه قطريه في جميع المجالات ذات كفاءه عاليه , ودخلت قطر مرحلة تقطير واسعة المجال حتى أضحت جميع ادارات الدوله ومناصبها العليا بأيدي شباب قطر فأكتمل الجهاز الاداري والدبلوماسي وخطت الرعايه الصحيه والتعليم خطوات كبيره ومشهوده , وشكل أول مجلس شورى كذلك وعُرفت قطر بمواقفها القوميه والعروبيه والخليجيه الثابته خلال تلك الفتره .أطال الله في عمره ومتعه بالصحة والعافيه.
ثالثا:الشيخ عبدالله بن تركي السبيعي(1897-1968) رئيس الشئون الدينيه في قطر , شكلت حداثة الشيخ عبدالله بن تركي السبيعي بعدا جديدا لم يكن المجتمع على وعي به في حينه , حين لم يجد تناقضا بين سلفتيه ودعوته لتحرير العقول وانفتاحها على معطيات العصر والعلم في وقت كان المجتمع لديه توجس وشك في كل جديد يأتي من هنا وهناك واعتباره بدعة تؤدي الى ضلالة تؤدي الى النار, اضافة الى ذلك رأى أن هناك تلازما بين بين الاسلام والعروبه فكان له دور بارز مشهود في جمع التبرعات لنصرة الشعب الجزائري في معركة التحرير التي خاضها مع المستعمرومساندة مصر ابان العدوان الثلاثي عليها 1956ونادى بحق الفتاه القطريه في التعليم,وكان لجهوده دورا كبيرا في تحقيق ذلك , كان رحمة الله على إدراك ووعي كبير بمتطلبات الشريعه وبحقوق المجتمع وبعدم التناقض بين العروبة والاسلام فقد إحتفظ في حياته بعلاقة طيبه مع الزعيم العروبي جمال عبد الناصر, ونال وسام الاستحقاق من الجزائر إعترافا بجهده ودوره في مساندة كفاح الشعب الجزائري , رحمه الله وأكرم مثواه
رابعا: الشاعر ماجد بن صالح الخليفي(1873-1905) رغم أنه لم يعمر طويلا فقد عاش فقط خمسة وثلاثون عاما إلا أن كان له شرف الرياده في قرض الشعر العربي الفصيح في تاريخ قطر الثقافي وله السبق في ترك نصوصا شعرية عربية في منتهى الجمال في تاريخ المجتمع القطري كما تشير الدكتوره مريم النعيمي في مقالها عنه المنشور في جريدة الرايه بتاريخ 5-11-2009
خليلي هذا ربع دار تغيرا
ورسم عفت آثاره فتنكرا
قفا نسأل الاطلال هل كان أهلها
على العهد أم كان الوداد تغيرا.
وهناك تناص واضح بين شعره وبين كبار شعراء العربيه كما تشير الدكتوره في مقالها السابق, مما يدل على قوة ملكته الشعريه
وصاحب إذا صاحبت حرا فإنه
تقاس به وأجعل نديمك دفترا
في تناص واضح مع قول المتنبي
أعز مكان في الدنا سرج سابح وخير جليس في الانام كتاب.
وشاعرنا من عائلة عرفت بالثقافه عموما من أعيانها ورجالاتها الاديب مبارك بن صالح بن ماجد الخليفي المصلح الاجتماعي والاقتصادي ورجل التربيه يرحمه الله.
خامسا:السيد عبدالله حسين نعمه(1915-1995) عميد الصحافه القطريه وأول من أصدر مجله وجريده في قطر فقد صدرت مجلة العروبه بتاريخ 5 فبراير عام 1970, ثم أصدر جريدة العرب بتاريخ 6 مارس عام 1972, كذلك أنشأ أول مكتبه لتوزيع الصحف والمجلات في قطر, فاحدث تيارا جديدا على ساحة المجتمع لم يكن موجودا من قبل , ونشر أوائل القطريين انتاجهم الادبي والشعربي من خلال صحافة عبدالله حسين نعمة , أدخل عبدالله حسين نعمة الصحافه كمهنه في قطر ومنذ ذلك التاريخ تغيرت نظرة المجتمع للصحافه رويدا رويدا لنجد اليوم ان جميع رؤساء التحرير من القطريين , يرحمه الله.
سادسا: الموسيقار عبدالعزيز ناصر العبيدان: مؤسس اول فرقة موسيقيه في قطر عام 1966 التي فتحت المجال أمام مجموعة كبيره من الشباب القطري الموهوب لابراز مواهبهم الموسيقيه والغنائيه, كما انه إهتم بالتراث القطري وعمل على حفظه من خلال الموسيقى , ورغم صعوبة المهمه في مجتمع تقليدي ينظر الى الغناء والموسيقى نظره دونيه إلا ان الموسيقار عبدالعزيز ناصر فرض موهبته وإحترامه على الجميع مما يثبت أن الغث من التقليد ليس سوى رهبة من التجديد, قدم عبدالعزيز ناصر من الالحان القطريه التي وصل صداها الى جميع انحاء الوطن العربي وغنيت ورددت بأصوات مطربين عرب من الخليج ومن المحيط منها "أغنية ولهان ومسير" وأحبك ياقدس الرائعه , وأفضل أغنية وطنيه على الاطلاق "الله ياعمري قطر" كما لحن السلام الوطني للدوله والذي نردده صباحا مساء مع مناسباتنا واحتفالاتنا , أحدث عبدالعزيز ناصر قفزه في تاريخ الفن في قطر فهناك فن ما قبل عبدالعزيز ناصر وهناك فن ما بعده , متعه بالصحه وبمزيد من النشاط والابداع.
علينا أن نطرح سؤالا هاما بعد هذا العرض , وهو هل لانزال مع سيرورة الحداثة التي فتح آفاقها هؤلاء , أم أن هناك تراجعا أصابها أو أنتكاسا راودها سياسيا وإجتماعيا وثقافيا ؟ وعلينا كذلك أن نفرق بين الحداثة والتحديث , فالتحديث يتطلب حديثا آخر وآباؤه كثر وفي جميع المجالات , لكننا أردنا اليوم الحديث عن آباء الحداثه الذين حققوا الطفره الثقافيه التى أخشى عليها من التراجع بإسم المحافظه أو بإسم الانفتاح والاستهلاك.
الاثنين، 8 يونيو 2015
مقدمة مختصره لرمضان جديد
هناك ثلاثة محددات رئيسيه في حياتنا وتاريخنا , يقوم على فهمها فهما انسانيا مآل هذه الأمة ومستقبلها .هذه المحددات الثلاث تحولت عند الغير الى موضوع ينظر اليه من خارج الذات وليس من داخلها . النظر من داخل الذات يجعل من الذات مركز الفهم وامتلاكه , فيصبح ماهو في الخارج موضعا للتغيير فقط وليس موضوعا للإدراك والتبصر والاستفاده.
هذه المحددات هي أولا: النص "القران " بالذات . ثانيا: الطائفه . وثالثا:القبيله
أولا: النص "القران": ينطق به الرجال كما قال على بن أبي طالب كرم الله وجه, إذن فهمه جزء من البيئه المحيطة به عبر مروره بالزمن تبعا لخلوده وأزليته وحفظه الذي تكفل به الله عز وجل, لايمكن فهمه خارج إطار ذلك , لأنه موجه للبشر على إختلافهم واختلاف بيئاتهم,وبما أن البيئة والزمن في حالة سيلان مستمر وتغير دائم .الجزء البشري المكمل للنص الالهي الثابت هو الفهم الانساني له , لا النص الالهي الموحى به, الاشكاليه كما اراها هي في تعالمنا مع النص الالهي كإمتلاك وليس كفهم , الممتلك للشىء لايريد تفسيرا لإمتلاكه بقدر اهتمامه بامتلاكه والمحافظة عليه وكل ما يشعر به هو حالة الدفاع المستميته الى النهايه عنه. مجموع معارف وعلوم الزمن تدخل ضمن تفسيرات وتأويلات النص , استلاب النص للإنسان يفقده دوره الاساسي في الحياه وفي الوجود,وبالتالي يفقد النص ذاته دوره الاساسي في توجيه الانسان وارشاده في الكون , مظاهر الاستلاب "غياب الإراده المحدده لجوهر الانسان "هذه واضحة اليوم بشكل كبير في قتل المسلم للمسلم استرشادا بالنص وانتهاك الاعرا ض تفسيرا له كحالة إستلاب للإنسان , المطلوب إذن أن ينظر الانسان في النص ويتأمله ويدرك معانيه كما يدرك حاضره وظروفه , فالانطلاق في اعتقادي يبدأ من الواقع لفهم النص في سياقه , وليس الانطلاق من النص ذاته كحرف . تحول فهم الخطاب يبدأ من الخارج حيث تغير الظروف وتبدل الزمن لا من داخله , هنا تبدو قيمته وأزليته وإتساعه وبهذا الفهم كان العصر الاسلامي في أوجه وقمته.
ثانيا: الطائفه :أيضا الطائفه لايمكن التفكير من داخلها الا تحولت الى أداة استبداد وإقصاء , لابد من أن ينظر اليها من خارجها , حتى تبدو إحدى الطوائف وليست الطائفه الوحيده, وهذا الأمر كذلك مرتبط بالأمر الأول الذي هو فهم النص فهما من الخارج أي من الزمن المعاش , حيث أنه رافد يمد الزمن باستمرار بما يكفل التعايش والسلم والايمان وليس حالة انقباض تاريخي مكتمله في ذاتها, منفصله عن واقعها حتى يسعى لامتلاكها . كما يسعى البعض لتفسير آية" كنتم خير أمة أخرجت للناس" بهذا الشكل المبستر المتجمد , وكانها كبسوله نبحث عنها لإبتلاعها حتى نعود خير أمة أخرجت للناس.
القبيله: فهمنا للقبيله أيضا فهما دينيا , أي اننا ننظر من داخل القبيله لنرى العالم من خلال بوابتها , وكل قبيلة من الفبائل تمارس هذا النمط من التفكير, لذلك مجتمعاتنا عصيه على التغيير والابداع , وإلا كيف نفسر بيانات تصدرها القبيله من داخل الوطن , فنحن لاننظر من الخارج أي من الوطن الى القبيله , وإنما ننظر من داخل الفبيله الى الوطن.
عالمنا العربي اليوم يعيش صراعا وجوديا حاسما لأنه لايزال يعيش داخله الذي لم يتحول تحولا بإتجاه المستقبل رغم جميع المحاولات, فكل ما حققناه ونحققه فقط هو تغيير السلطه لا الثقافه , فتصبح السلطه مع مرور الوقت وإنحسار الشعارات جزءا من الثقافة لامحاله , علينا أن نعي أن الهوية إنجاز لا محافظه .
اللهم بلغنا رمضان وأرزقنا صيامه وأغفر لمواتنا وأرحم ضعافنا , وأهدي حكامنا الى سواء السبيل.
السبت، 6 يونيو 2015
لجنة تسمية الشوارع"عصيدة التاريخ والجغرافيا واللغه"
في تجوالي وزياراتي شبه اليوميه في منطقتي وما جاورها من المناطق لاأخفيكم انني اعيش حالة من الصراع النفسي بين كياني ووعيي, بين التاريخ الكبير والجغرافيا الصغيره , بين الحقيقة والوهم , أخرج من بيتي في شارع أُحد , استشعر هذا الاسم يوميا , لماله من مكانة تاريخيه ولما يدل عليه من معنى ومغزى , اشعر أنني في عين التاريخ العربي والاسلامي , بعد لحظات أقطع شارع مكة المكرمه , فأشتشعر السمو ويهفو قلبي الى اللوحة الزرقاء الذي كُتب عليها الاسم , لأصاب بهبوط أكاد أجثم منه على ركبي , حين أجد نفسي في شارع "أم حصاة", لأصطدم بعده بشارع "القعابيه" لأدخل بعد برهة الى شارع النفافيس , وشارع الجوشن حتى شارع "يوده" كل هذا الاختزال المريع بين ما أدركه كمسمى أُحد وما أجهله تماما ك "يوده " في منطقة واحده تقريبا , لأصل الى منزل أحد الاصدقاء , مهمش الوعي , ممزق التاريخ , مجزأ الجغرافيا , مبعثر الهويه. لااكاد أدرك الى أي عصر أو تاريخ أو مكان أو حتى لغة أنتمي , وأنا عاصرت خمسة اجيال , وأشفق كثيرا على ابنائي حين يسألونني عن بعض أسماء الشوارع الغريبه فأأ جيب " البعوضيات" روضة من رياض قطر , وأم طاقة كذلك روضة من رياض قطر و ثغب العركش "غار " في أحدى مناطق قطر , وأجبيجب ,أسم مكان , فأرى الاستغراب باديا على وجوههم وكأنهم يقولون الا يوجد أسماء أفضل تساعد على بناء ذاكرة تحفظ وتنقل مالتاريخ الذي تحمله هذه الاسماء ناهيك عن صعوبتها وانغلاقها على معان وليدة لحظتها . طلب مني احد الاخوان ان أن أحدد له مسجد "الأخوين" في منطقة الوعب للصلاة فيه فقلت له أن يقع على شارع" صنيع بوحصى" وتأتيه من مكانك هذا عن طريق "أبو أعرين" فسقط صريعا بين الأسماء , وردد :ارجوك أرسم لي رسمة بلا مسميات. أخواني اعضاء لجنة تسمية الشوارع , لا تدركون خطورة ما تفعلون , ليس أسهل من تشكيلة لجنه , لكن الهوية والتاريخ واللغة ليسا مشروع لجنة بقدر ماهما مشروع وطن , نعم وطن , الوطن أسما وهوية وتاريخ ولغة . أشعر بنوع من الاستسهال واضح من قبل الحكومة لقضية مسميات المناطق والشوارع , بغير إدراك لخطورة ذلك ." وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكه" سورة البقره" في التفاسير أن الله عز وجل كرم آدم بتعليمه الاسماء كلها وفضله على الملائكة بذلك . فالاسم امانة , وذكر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بضروره تحسين أسماء الابناء"؛إحسنوا أسماء أبنائكم" علينا أن ندرك بأننا في مشروع كهذا نحتاج الى عدة مصالحات وملاحظات حتى نحقق الغرض المرجو من هذا المشروع , وحتى يكون عملا تنمويا , وليس عملا إنتكاسيا , كما هو الآن وهي كالتالي
أولا : لجنة تسمية الشوارع والاماكن من المفترض أن تكون لجنة"هويه" مستقله وليس لجنة إداريه تتبع جهاز حكومي , الاستقلال فيها والحياديه مطلبان ضروريان, الاسماء جزء أساسي من الهويه وهما هنا على نمطين , نمط نمط استنباطي من البيئه الجغرافيه على شرط أن يكون واضحا ودالا وفصيحا قدر الأمكان لكي يمكن مروره مع الزمن وتغير الاجيال , النمط الثاني استقرائي من مجموع المعطيات ليعطي دلاله واضحه هوية البلد وثقافتها وطابعها الخليجي و العربي .
ثانيا:يشترط في اللجنه وجود خبراء لغه واجتماع وتاريخ وتراث من اهل البلد , يضعون المستقبل على درجه واحده أو أكثر قليلا مع الماضي , نحن ننتهك اللغه عندما "لحويله" مثلا بدلا عن "الحويله" اللام الشمسيه تكتب ولاتنطق , عندما تتركز في ذهن النشء الجدي بهذه الكتابه , نحن ظلمناهم وظلمنا لغتنا العربيه كذلك . برنامج تلفزيون قطر وتلفزيون الريان التراثيه مع الاسف ترتكب مثل هذا الخطأ الجسيم , وهما وسيلتا إعلام رسمي , هذه كارثه بيئه بمستوى التلوث البيئي والاشعاعي , أي لسان نغرس وأي لغة يكتبها هؤلاء الصغار.
هاتين الملاحظتين لاتنفذان إلا بعد عقدنا لمصالحات كما ذكرت أو هذه المصالحات هي:
1-مصالحتنا مع التاريخ: التاريخ منجم أسماء لاينضب إذا أعتبر أنه تاريخ ليس له اسقاطات ايديولوجيه او سياسيه على الحاضر , الأمر الذي يحوله الى انتقاء وإنتفاء , إنتقاء ما يريده الحاضر وانتفاء مالا يريده , في كل مناطق قطر هناك رجال وشخصيات من اهل قطر , من الممكن جدا بل من المكطلوب أن تسمى شوارع بأسماءهم أو تقاطعات , هل يعقل أن لايوجد أسم من اسماء اعلام الوكره مثلا على شوارعها وهي المدينه الثانيه في الدوحه ؟ أوفي الريان او ماتبقى من الريان القديم والجديد الى جانب اسماء الشيوخ ؟ زرت الكويت فرأيت عجبا أسماء ابناءها تنتشر في كل مكان , الى جانب الاسماء التاريخيه والعربيه واسماء المناطق الفصيحه. يجب ان نتصالح مع تاريخنا , ونذكر شخوصه الذين تركوا بصمة , هذا يحسب للحاضر ولمسؤوليه , التميه في الاساس هي وعيا بالتاريخ لا غنتقاء له , لأن الانتقاء سيلفظه التاريخ فيما بعد فكم من الاسماء جرى تغييرها لما فرضت على التاريخ بفعل اللحظه القائمه والوضع الراهن, من الجميل ان اجد اسماء لرجالات قطر في مدينة الخور والذخيره , لكنهما ليستا كل قطر, التاريخ لاتحده وجهة ولا إتجاه واحد دون غيره.
2- المصالحة مع اللغه : إعتقدنا ان التراث هو العودة الى كتابة الكلمات كما ننطقها بالعاميه لا الى كتابتها باللغة العربيه , فكتبنا "الأبرقه" مثلا كما ننطقها لأبرقه, العامية لاتكتمل الا بالفصحى , ولايصبح لها معنى بدونها , إذا خلقنا صراعا بين الفصحى والعاميه , قد نعيش اضطرابا ثقافيا له تأثيرات سلبيه , خاصة ان تجانس المجتمع بدأ في التشظي والانفكاك , يجب أن تكتب جميع الرموز والاشارات باللغه العربيه وإن نطقت بالعاميه , نحن لانعيش قطر الخمسينيات ولا الستينيات , عندما نكتب لافته كبرى بإسم " السودان" بدون كتابة فريج السودان " القبيله الكريمه , فهذا تضليل كبير , للقادم وللمستوطن , كما هو موجود بالفعل . مصالحتنا مع لغتنا وفهمنا لتراثنا يتطلب منا ان نحول طاقة الشباب الى واقع اجتماعي لا معطى بيولوجى , استخدام العاميه في الكتابه ظاهرة بيولوجيه وليست اجتماعيه فيها فورة الشباب وليس نضوج الاجتماع.
3-تحييد الجغرافيا: ليست كل الجغرافيا أسماء , وليست كل المواقع واسماءها التي اطلقت عليها في لحظة زمنيه خاطفه تصلح لأن تستمر , كل رياض قطر لها أسماء عند أهالينا الأوليين , يسمون المكان بأول مايبرز لهم منه أو بأي حادثة صغيره قد وقعت فيه , بعض هذه الاسماء لاتنطق وبعضها جارح وبعضها صعب وبعضها مؤقت لايمكن تداوله بشكل دائم , فعلينا تحييد الجغرافيا والاستفاده منها ومن أسمائها بما ينفع التوجه العام للدوله ولأهدافها " صنيع بوحصى" مثلا تصغيير لكلمة "صنع" وهو مكان تجمع الماء, لكن أن يسمى به شارع من أجمل شوارع منطقة الوعب الجديده الحديثه وغيره من الاسماء التي ليست قطريه فقط بل مزمنه في قطريتها" بحيث لايدرك معنها الا من كان مزمنا في قطريتهو فيها صعوبه كعنوان يحفظ وكرمز دال .
4- الذوق والحس الفني : يتطلب الأمر حسا وذوقا فنيا مرهفا , فلدينا مناطق ولدينا فرجان , فنقول منطقة كذا في فريج كذا في شارع كذا , فبعض الاسماء التاريخيه في اعتقادي أكبر من تسمى بها شوارع الفرجان , لأن إسم هذه الشخصيات التاريخيه الكبرى كصلاح الدين أو خالد بن الوليد , أكبر من مسميات الفرجان ذاتها مكانة تاريخيه وبعدا ثقافيا , في إعتقادي لو نلجأ الى ترقيم شوارع الفرجان ما أمكن بدلا من خلط الاسماء داخلها بشكل لايتماشى مع الذهن ولايساعد على التذكر فنقول مثلا شارع رقم واحد في فريج كليب , وشارع رقم ثلاثة في فريج بن درهم مثلا , وشارع رقم واحد في فريج الغانم العتيق . ثم ليس كل شارع يسمى شارعا , معظم هذه الشوارع عباره عن سكيك داخل هذه الفرجان , لايوجد مسمى سكة الا قليل جدا فكل المنافذ شوارع بالرغم من اختلاف الحجم والطول والمسافه , لاأرى وعيا بيئا ولاجغرافيا ولا مسحيا أبدا, أعرف مسمى شارع في منطقتي لايتعدى خمسون مترا أو أقل من ذلك, كذلك ضرورة ترابط المسميات وقربها من بعضها البعض , فأسماء الدول تكون متقاربه بحيث يمكن تحدي المنطقه مثلا.
5- أخيرا من السهل جدا ان تتحول لجنة تسمية الشوارع الى لجنة استبداد إذا لم ترتق الى مستوى التصالح الذي ذكرت مع التاريخ والجغرافيا واللغه , فلبداية ليست مع مقترحات الجمهور , البداية تكون مع المبدأ الذي تقوم عليه والتوجه الذي تشهده , استثارة الجمهور للتجاوب جيده بشرط أن تكون الأسس الموضوعه موضوعيه ومحايده ومنصفة , فالاسماء المناطق كما ذكرت لاتقل اهمية عن السلام الوطني , لان السلام لايكتمل إلا مع تناسق الاسماء الدالة عليه وإلا أصبح نشازا تشمأز الأذن من سماعه لأنه قد يعكس واقعا مشوها.
الثلاثاء، 2 يونيو 2015
التأثير النفسي لمونديال 2022 على المواطن
سُحب الملف , لن يُسحب , لكنه عرضه للسحب , بلاتر أكد على بقاءه , الاعلام الغربي يطالب بإعادة النظر فيه وفي مونديال روسيا , فاز بلاتر , بلاتر يستقيل.من البديل ؟ ما مصير الملف؟
هذا بإختصار المجال النفسي للمواطن القطري منذ الترشح لاستضافة قطر لمونديال 2022. كون قطر أول دوله عربيه تستضيف المونديال أثار حفيضة الكثيرين عربا وعجما وهذا أمرا متوقعا وفي الحسبان , لكن الأهم من ذلك حماية المواطن من الـتأثيرات السلبيه التي تحدثها التطورات السياسيه المصاحبه حتى إستضافته في عام 2022. ولي هنا بعض الملاحظات:
أولا:إرتبط في ذهن المواطن فكرة أن التنميه مرتبطه بالمناسبه , فهو يحرص على اتمام المناسبه ليس اقتناعا بها بقدر ماهو طلبا للتنميه , وهذا في اعتقادي شرخ نفسي كبير.
ثانيا: يتمنى البعض وفي اسوأ الاحوال أن يبقى الملف على الأقل ثابتا حتى تكتمل مشاريعه التي ستعود بالنفع على المجتمع بعد انتهائه, وكأن الدوله أنشئت خصيصا لتحقيق المونديال , وهذا ايضا عرض سايكلوجي يجب التخلص منه .
ثالثا: هذا الارتباط بين تحقيق المونديال وخطة الدوله , جعل من للإشاعات مرتعا خصبا , وجعل من القضية قضية دفاع عن وجود وليس عن مجرد ملف من ملفات الدولة , غيابه او فقدانه لايعني أكثر من الزهو والافتخار بمجرد المحاولة.
رابعا: من الخطأ إعتبار هذا الملف , دفاع عن وجود كما يشير بعض المغردين , قضية الوجود يجب ان لاتطرح لحساب أي ملف سوى ملف الدفاع عن الوطن وحمايته وحماية استقلاله, لذلك استخدام هذا المصطلح في غير محله دلالة على التأثر النفسي والانفعال العاطفي.
خامسا: أعتقد أن المونديال سيعقد في قطر في وقته , لكنه تبعاته النفسيه وربما الماديه يجب التعامل معها بشكل أكثر كفاءه حتى حينه, لاأرى جهازا فاعلا يتعامل مع هذه التطورات بشكل سريع وفعال بحيث لايترك الفرصه أمام الاخرين لإحداث البلبله بين حين وآخر.
سابعا: تدخل السياسه والاحداث التي تمر بها المنطقه حتى أصبحت الرياضه جزءا من السياسه , فلم تعد الرياضه بعيدة عن السياسيه وتطوراتها , وكلنا يذكر مقاطعة امريكا لمونديال موسكو1980, فما بالك في منطقتنا الملتهبه وفي بلد عربي صغير سرق الشعله من بين أيادي الكبار بخفة ورشاقه.
ثامنا: وحده الارتهان الى الداخل بشكل مباشر يحمي المواطن وصحته النفسيه من تأثيرات الضغط النفسي الخارجي عليه , حينما يشعر بأن موافقة الخارج هي السبيل لتحسين وضعه وليس التزام الداخل.
تاسعا: ربط المواطن بين إقامة المونديال وزيادة عدد السكان , فهو ينتظر الانتهاء منه لتعديل السياسه السكانيه بشكل يجعل معه الشعور بالفائده من إقامته ونتائج ذلك ايجابيا عليه , لاأحد يستطيع الجزم بذلك لغياب الشفافيه المطلوبه , لذلك يصبح ملف المونديال محط إثاره دائمه وبين نظرتان , متفائله واخرى متشائمه , مما يسبب مزيدا من التكلفه النفسيه للمواطن.
عاشرا: رمزية حمل سمو الامير الوالد للكأس بعد التصويت لدولة قطر ماثلة في اذهان الشعب القطري , يسعى الجميع لتحقيقها واقعا ملموسا , لكن لايجب أن يوضع هذا الملف في مقابل وجود الدوله أو كيان المجتمع أو على حسابهما.
الأحد، 31 مايو 2015
time-out لدول الخليج"الدوله بين الذات والموضوع"
تدخل المنطقه تاريخا جديدا لايضع اعتبارا لما هو كائن بقدر ما يريد أن يحدد ما يجب أن يكون , فقد إنتهى الوقت الاضافي التاريخي لأبناء هذه المنطقه للتحول بها الى ذات فاعله و كيان وجودي ولم يتحقق ذلك لاسباب كثيره منها بؤس التاريخ الذي يجعل من الأمس أفضل اليوم ومن الاموات أكثر تقديسا من الاحياء وارواحهم الرطبه ولي هنا بعض الملاحظات:
أولا: هو تحول "الدولة" إلى موضوع وليس "ذات" فالتفكير ينطلق من النظره الخارجيه وليس من الخصوصيه الداخليه , بمعنى أين يجب أن تكون وليس اين تكون بالفعل , ماهو دورها كما يُحدد وليس كما تُحدد.
ثانيا: في حالة الفوضى التي تعيشها المنطقه نحن أمام الواح جغرافيه بركانيه متحوله لانعرف متى تستقر بها الارض وكيف يتم ذلك وبأي شكل و نتيجة سيظهر.؟
ثالثا:إنتقال الدوله من مرحلة الذات الى مرحلة الموضوع لايمكن ان يتم في حالة وجود مجتمع قوي هو سبب وجود الدوله , لايتم ذلك الا في حالة أن يكون الأمر مقلوبا بحيث يصبح المجتمع هو نتيجة لظهور الدوله وماقبل ذلك ليس سوى اجتماع او تجمع , لذلك لديها القدره على صياغته بالشكل التي تراه .
رابعا: في الدولة"الذات" تختلف العلاقات عنها في الدولة "الموضوع" حيث في الأولى تكون العلاقات الداخليه بين المجتمع والدوله هي الاساس , بينما في الدولة"الموضوع" تصبح علاقات الدوله مع الخارج على حساب الداخل , أو أن تكون مشروع تضحيه في أي وقت يحتم ذلك.
خامسا: تهميش الداخل يعني انتقال الدوله الى مرحلة الموضوع أو كونها موضوع, والموضوع مجال للنقاش والتجاذب والاشتراطات والتنازلات , فتبقى الدوله بينما يتلاشى المجتمع أو يذوب , وقد تنتهي الدوله على شكل من اشكال الاستقراطيه الاوروبيه التي تعيش أفرادها اليوم بمسمياتهم التاريخيه دون سلطه , فالعوائل الارستقراطيه الاوربيه التي كانت تحكم وتملك في السابق لايزال عدد منها يعيش في فرنسا والنمسا والمانيا بألقابهم فقط بعد أن اصبحوا موضوعا لتاريخ وليسوا ذاتا تاريخيه.
سادسا: المؤشرات تدل على دخول المنطقه كلها في مرحلة " الموضوع" ولم يعد التفكير فيها كذات تملك قرارها ومصيرها , وانما عليها أن تتعامل بنفسها مع من يعمل على تفكيكها وتحويلها الى موضوع لعالم وطبوغرافيا جديده.
سابعا: لكي تتحول الدوله الى ذات حقيقيه لابد لها من القدره على التجرد من ميتافيزيقيا التاريخ كما فعلت دول اوروبا والخروج بذات متعاليه ومتجاوزه له , لاان تعيش على ضفاف مستنقعه , لاتلبث حتى تعود لتسقط فيه
ثامنا: الكليات التي تسكن اذهاننا بحاجة الى مراجعه , عليها ان تخرج الى خارج الذهن لتبقى خارجه للاعتبار وليس للمحايثه والاعاده. العصر الأول و الصحابه الكرام , التابعين وغير ذلك , هذه الصور الزاهيه التي يصورها لنا التاريخ , يجب أن تكون خارج الذهن للإعتبار بها لافي داخل الذهن لمحاولة تكرارها والعودة بها الى الآن المعاش . حتى نصبح ذاتا لابد من اعادة الاعتبار الى الذات الآنيه بوضعها ومحيطها المعاش.
تاسعا: الدوله هي مجموع هذه الكليات الذهنيه التي يعيشها المجتمع فهي بالتالي أكثر تأهيلا للتحول الى ان تكون "موضوعا" للتدارس من طرف الذوات الاخرى , لأن هذه الذوات "الدول" ترى فيها موضوعا خارج العصر , ومن اساليب اعادتها للعصر خلق الفوضى الكفيله بإعادة الرشد اليها بعد أن تقدم تضحية كافيه لمثل هذه الاعاده مالا ودماء , وهو مانشهده اليوم.
عاشرأ: ماأراه اليوم أننا أمام مشهد واضح المعالم , فالدول الكبيره موضوعُ للتقسيم والدول الصغيره موضوع للتسكين وتلقي النفايات السكانيه , والنخب الحاكمه موضوع للحياة الارستقراطيه التي تعيش على ذكرى ارستقراطيتها ولاتملك سوى اسماءها, والمواطنين الى أقليات تروى تاريخ النكبات.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)