قدم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خطاباً اخلاقياً عالي المستوى حول
ملابسات إغتيال جمال خاشقجي في القنصلية السعودية
في اسطنبول والذي كان مدار إهتمام العالم كله على مدى الثلاثة
اسابيع الاخيرة منذ دخوله القنصلية في الثاني من إكتوبر الحالي , جاء خطاب
أردوغان أخلاقياً في حين كان الكثير يتوقع
أن يكون إستخبارياً أو بياناً تفصيلياً
جنائياً , وهنا تكمن عبقرية خطااب أردوغان
وهذة المساحة المتروكة للذات
وللأخلاق وللدين حتى يترك حرية للتصرف
بما يتسق والخروج بما يحفظ ماء الوجه ومن القرارات ما يفي بالمتطلبات الانسانية في جريمة إهتز من تأثيرها ضمير العالم ,جاء خطاب أردوغان
أخلاقياً لأنه كان بصدد العار الذي قد يلحق بالانسان في كل مكان جراء ماحدث ,
جاء خطاب أردوغان أخلاقياً لأن ماتم على أرض بلاده يُعد عاراً في تاريخ العلاقات
بين الدول , جاء خطاب أردوغان إنسانياً وأخلاقياً لأن الطرف الآخر المتهم فيه بلدٌ
يتمنى كل عربي ومسلم أن لايكون مكاناً للعار , بلد الحرمين الشريفين , جاء خطاب
أردوغان أخلاقياً لأن المُناشد هو خادم الحرمين الشريفين , جاء خطاب أردوغان
أخلاقياً حينما قدم نصيحة لحكومة المملكة
العربية السعودية حول كفاءة ممثليها في الخارج , جاء خطاب أردوغان أخلاقياً حينما
تجنب االتحديد وأكتفى بالشمول , جاء خطاب
أردوغان أخلاقياً حينما ناشد خادم الحرمين الشريفين أن يحاكم الجناة في تركيا حيث
الجريمة أرتكبت على أراضيها , جاء خطاب
أردوغان أخلاقياً حينما أتسق مع دينه وذاته
وأشار الى أن الادلة الدامغة تقول أن الجريمة قد جرى الاعداد لها بشكل مسبق
ودقيق, جاء خطاب أردوغان أخلاقياً حينما طلب من السعودية أن تعاقب مرتكبي هذه الجريمة الشنعاء من أسفل إلى أعلى دونما تحديد أو لمز حتى تنجو من العار, عار
الانسانية الذي كان واضحاً أنه على وشك ان يتلبسها بشكل يندى له تاريخها ويحز في ضمير كل عربي ومسلم ذلك ,حان للمملكة
العربية السعودية أن تنجو من وصمة العار التي تكاد
تلتصق بها منذ دخولها في مستنقع اليمن وحصارها الآثم للشعب القطري
الشقيق وإنجرارها بكل تاريخها وراء من لايريد بالاسلام ولا المسلمين الخير ,
أردوغان كان أخلاقياً الى درجة كبيرة وترك
المجال مفتوحاً أما محاسبة الذات قبل محاسبة
العالم ,كان أردوغان معلماً أخلاقياً حينما طرح أسئلة مفتوحة وترك الأجوبة للدين والأخلاق والضمير والعدالة الدولية , لايمكن أن تدعي تقدماً وأصلاحاً والحرية لديك لم تتحول بعد الى فن
للمشترك الانساني , لايمكن أن تجعل من نفسك مجدداً وأن تحاصر الرأي الآخر وتتصيده
بإلإغتيال لايمكن أن تقنع العالم بأنك إصلاحي وأن تضيق بصحفي لايمتلك سوى قلمه,
لقد كان خطاب أردوغان خطاباً عن رمزية العار التي تمثلت في القنصلية
السعودية التي ترفع راية لااله الا الله, هذا ماجعل خطاب الرئيس أردوغان متمهلاً
ثقيلاً , لمثل هذا التناقض الفج الذي لايقبل به مسلم شريف على هذة الدنيا , أن تذبح نفسُ
برئية تحت راية التوحيد ,أدركتم كم كان
أردوغان متألماً وصبوراً وأخلاقياً. رحم الله الشهيد جمال خاشقجي وأورثه الجنة يتبؤا فيها حيث يشاء والهم خطيبته وذويه الصبر والسلوان.
الثلاثاء، 23 أكتوبر 2018
الأحد، 21 أكتوبر 2018
"الخاشقجية"
ترك جمال خاشقجي خلفه "الخاشقجية" كظاهرة صحفية
في منطقتنا الخليجية بالذات , ظاهرة
الصحفي الانسان المقاوم الذي لايبرر سبب وجوده سوى مقاومته للظلم والاستبداد ,
احتكر موته الاصلي لايمثله أحد غيره وحوله
الى مشهد كارثي لايستطيع ان يفلت معه اي ظالم او أي نظام متلون
يتاجر بالانسان,
خاشقجي هو أول صحفي خليجي
وربما عربي يذهب الى حتفه بقناعاته
الشخصية مع توفر جميع امكانيات الخروج
الآمن الذي يحفظ له شهرته ومكانته , وربما هو الاخير في ذلك , يطرح ملامح الصحفي
الاخير في مجتمع يضج بالصحفيين المنتمين الى تيار الحياة بصفتها
وجهة نظر السلطة والمستبد , موت
خاشقجي بهذة الصورة التراجيدية أنتج "
خاشقجية" ربما هي المستقبل لابناء هذا المنطقة للانتقال بالسلطة من العالم اللاهوتي الديني
الى العالم التاريخي الانساني , المثقف
بصفة عامة في مجتمعاتنا مثقف ديني لاهوتي يرى في السلطة دين وفي المستبد وثن , هذة القيامة" التي
أقامها خاشقجي بموته هي انبثاق للخاشقجية الثقافية
التي سوف تنقل الثقافة لدينا من الحالة الدينية اللاهوتيه الى
الحالة الوضعية البشرية الانسانية.فنحن امام
صور متعددة للمثقف الاخير في مجتمعاتنا
وفقاً لدرجة حضور الوعي وانماط هذا الوعي لكن "الخاشقجية" طرحت
سلاح المقاومة بالنقد البناء وليس بحمل
السلاح او إثارة الفوضى , أدركت الخاشقجية ممثلة في الصحفي الراحل أن مجتمعاتنا في أزمة لايشعر بها فقط الفقير والمغبون بل حتى المثقف
المقرب والصحفي البارز , مثل هذا الوعي يغيب عن كثير من المثقفين والصحفيين في
مجتمعاتنا طالما هم في عيش رغيد مع الاستبداد
فهم لايشعرون بالمستقبلل وبالكاد يشعرون بالانسان كقيمة بغض النظر عن انماط
وجودة , أحدث جمال خاشقجي قطعاً مع هذا النمط من الصحفي والمثقف المنعم الذي يعيش
بذخاً لكن يعاني صراعاً مع ضميره ويؤلمه
ما يحدث في بلاده من هضم للحريات وتضييق على الرأي الحار , الخاشقجية هي عودة الى
الاصل أصل الانسان الذي يشعر والمثقف العضوي , كلنا في مرحلة ما قبل
الخاشقجية طالما نعيش في تضاد مع ضمائرنا
, طالما نسوغ الاستبداد . هذة القيامة
التي أحدثها موت جمال خاشقجي ليست
سوى معنى جديد للشهادة ليس في معركة
قتال ولكن في معركة حرية ضمير , هو طراز من المثقفين الواقفون على
شفا حفرة بين حب الوطن وبين الاخلاص لقيادته
بنصحها لابنفاقها والتزلف اليها ضد
قناعاته . ذهب جمال خاشقجي لكن الخاشقجية باقية, لم يكن جمال معارضاً أو شتاماً أو
مهرجاً , نادى من أعلى منبر متمدن في
الصحافة العالمية بأنه يخشى على وطنه من الاستبداد وبأن الاصلاح يمر من خلال
الانسان لامن فوق جثته, أعتقد أن القاتل
قد خدم خاشقجي حيث قتله جسداً لتحى
"الخاشقجية " رمزاً
الجمعة، 12 أكتوبر 2018
خاشقجي الغياب الاكثر حضوراً
في عالمنا العربي كل شىء حاضر
لاشىء غائب , العدالة حاضرة , الحرية حاضرة , المَكرُمة حاضرة , طالما
القائد الملهم حاضراً لايغيب , طالما أن الحضور يلد الحضور والالهام يرث الالهام ,
لايشكل الغياب في مجتمعاتنا أي سؤال ,هذا
الحضور الابدي هو لب المشكلة في عالمنا
العربي الزمان والمكان ممتلئان في عالمنا
العربي , في إعتقادي أن غياب خاشقجي مطلوب
وراهنيته قد حان وقتها, نحتاج أن يغيب أو أن يُغيب خاشقجي لكل
تحضر قضيته وهي قضية الحرية والرأي الحر , نحن اليوم نحتاج الى الغياب مجرد الغياب
في حد ذاته , الغياب يطرح أسئلة
مفتوحة , الآن في عقل كل عربي حضور
للغياب وغياب للحضور , حضور لموسى الصدر الغائب , للمناضل المغربي المهدي بن بركة
وحاليا للصحفي السعودي الغائب جمال خاشقجي
, بينما غاب القذافي ونظامه, والحسن الثاني وسنوات حكمة , وحالياً النظام
السعودي يرتج لغياب خاشقجي لأن كما
أشرت في غيابة تبدو قضيته حاضرة
وفي وجدان كل إنسان حر في أي بقعة
من العالم , , للغياب ثلاثة أبعاد ,البعد الوجودي وهو الشخص , والبعد المعرفي وهوإمكانياته
ودوره , والبعد الانساني وهو قضيته , إذا بإمكان السلطات السياسية وأنظمة
الاستبداد التخلص من بعده الوجودي
والمعرفي فإنها لاتستطيع أن تتخلص من بعده الانساني وتأثيره وقوة إنتشاره ,يختلف خاشقجي عن غيره من معارضي
النظام السعودي أولاً لأنه يطرح مشكلته إنسانياً بعيداً عن أي أدلجة , ثانياً لأنه
إختفى والاختفاء بمثل هذة الصورة يطرح
قضيته بشكل أكثر أهمية ويجعل منها قضية كل فرد وكل نظام ديمقراطي في العالم ,
فغياب خاشقجي هو حضور لقضية الانسان العربي , غياب خاشقجي هو حضور للهدر الذي
يتعرض له الانسان في هذه البقعة من العالم
, غياب خاشقجي هو حضور وتسليط الضوء على الممارسات
الصبيانية لهذه الانظمة , الحضور تجريد
بينما الغياب رمزية , عندما يكون المعارض مجرداً فقضيته مجردة معه
وسياقها مرتبط بأداءه وتحولاته
ولاتصل الى غيره الا بمقدار ما يتجه من التجريد الى الرمزية ولا يصبح رمزاً إلا إذا ذهب ضحية لتمسكه بقضيته أو دخل في سرداب الغياب تأبيداً لها. حضور جمال
خاشقجي اليوم أشد سطوعاً من أي وقت مضى كان فيه ضيفاً على قناة عالمية أو كاتباً في
جريدة عالمية , أنه يحضر اليوم كقضية إنسانية بعد أن كان حضورة كمواطن سعودي
وشخصية صحفية.
الجمعة، 28 سبتمبر 2018
تمهيد
" فقد شهدت فترة الحصار الجائر تعزيز مكانة دولة قطر وترسيخ
دورها كشريك فاعل على الساحة الاقليمية والدولية وواصل الاقتصاد القطري نموه وبرهن
على قوته وتماسكة"
الشيخ تميم بن حمد بن خليفة ال ثاني
أمير دولة قطر
شكل
لي الحصار شخصياً صدمة, ليس لأنه مستبعد ولكن لأن بشاعة التوقيت , جعل منه أمراً
أخلاقياً وليس فقط إجراءً سياسياً, وبقد ما كان هذا الأمر مؤلماً لي بقدر ما كان
قدراً إلهياً للكشف عن إرادة وصلابة الشعب
القطري وصلابة قيادته وحسن إدارتها للأزمة بكل حمكة واستبصار , بالنسبة لي أن أزمة
الحصار ليست أزمة سياسية بقدر ماهي أزمة أخلاقية
وبالمعني الادق للأخلاق أزمة
"إتيقيا" لما تحمله من تجاوزات
فيما يتعلق بالنسيج الخليجي الواحد وكذلك أيضاً فيما يخص العمق الاجتماعي المشترك والاواصر المتداخلة بين ابناء الخليج في جميع جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية,
ناهيك أنها نسفت فكرة كانت دائماً تطرح من
أن السلطات الحاكمة في هذة الدول هي جزء لايتجزأ من هذة الشعوب , بينما جاء قرار
الحصار ليدحض ذلك عندما أراد المحاصرون مصادرة حق شعوبهم في الاعتراض فكانت
بالتالي قرارات من نوع "منع التعاطف" مع قطر والشعب القطري, لذلك ستجد
عزيزي القارىء في هذا الكتاب مقالاتٌ فكرية في طبيعتها لاتقوم على الوصف بقدر ما تستند على التحليل ,
"إرادة وطن" هي أعظم
ما تجلى في هذة الازمة ,في إعتقادي فقد أصبحت قطر إرادة واحدة
خلف قيادة واحدة بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخها الاثنين، 24 سبتمبر 2018
بياع المخزي" السجائر"
عندم كنا صغاراً في الفريج , كنا نتطلع
دائماً الى الشعور بأننا كبرنا أو أننا نكبر, لاشىء في الفريج يدل على اننا نكبر , الحياة
هادئة الى درجة الرتابة لانملك من وسائل
الاتصال سوى تلفونات البيوت , التلفزيون
ليس الجميع يملكه وفترة بثه محدودة جداً ,
نشعر بأن الزمن باق والوقت لايمر , نتكدس أمام الدكاكين , تلفت أنظارنا أنواع
السجائر بألوانها المتعددة والمختلفه , شكلت لنا تحدياً واضحاً , لايدخنها سوى
الكبار وعادة ليسوا من أهل الفريج , بعض الاساتذه
والمدرسين , نشعر أن هناك زهواً يخرج مع دخانها وشعوراً
بالثقة , أذكر ان أحد أصدقائي
حدثني في الصف عن تجربته في التدخين
عصراً في زرع والده وأنه يحتفظ
بعلبة السجائر هناك فذهبت معه ليخرجها من
مكان دفنها في طرف المزرعه , صغيرة جداً
أسمها "نويكت" هكذا كنا ننطقها, أعطاني سيجاره لم استطع تدخينها كما يجب وانما اكتفيت في اخراج الدخان من فمي , ومع الايام وجدت جميع
أصدقائي يملكون علباً للسجائر منها "الكابتن "وبو" قطو" وبوطماط "وطبعا نويكت وغيرهم , المهم ان
مجتمع الفريج من كبار السن لاحظ ذلك
فتنادوا بوقف بيع "المخزي" هكذا كانوا يطلقون على الدخان
"السجائر"وتنادوا بعدم ذهاب الاولاد الى الدكاكين حيث بياع المخزي , والادهى من ذلك أن وسائل المراقبةكانت
لصيقة جداً بحيث أصبح الشم حاسة خطيرة
تكشف من يدخن من غيره" شميت في ثياب ولدك ريحة"تتن" سمعتها من
احدهم يكلم زميلاً له من كبار السن في
الفريج, لاتمشى مع فلان تراه يدخن
المخزي تحمل تصير مثله" أيضاً ,هذه
في حد ذاتها تهمة كبيرة قد لايبيت صاحبها في بيته تلك الليلة الا وقد وبخَ وربما
ضُرب من قبل والده.ماذا كان يعني التدخين في ذلك الوقت كان يعني العزلة
الاجتماعية وليس من السموح للمدخن ان يدخل
المسجد لو عرف عنه انه مدخن كان محرماً في
التقاليد, بل سمعت أن هناك من يرفض تزويج المدخن في تلك الايام , ما يهمني هنا
التركيز على الوظيفة الاخلاقية التي كان يمثلها الشعور الجمعي لدى أهل الفريج , اليوم نرى العالم كله يضع التدخين ليس فقط في خانة المخزي الذي يشعرك
بالمهانة بل في خانة الخطر الذي يهدد صحة ووجود الانسان ذاته , دينياً ليس هناك اجماع على حرمته ولكن اخلاقياً كان يكشف عن بداية
للخروج من نطاق التفكير المسموح به في ذلك الوقت , كان اهل الفريج أيضاً يحتقرون
من يستورده ناهيك عمن يبيعه كذلك ,بينما كان يمثل لنا نحن الصغار بداية الاعتماد
على الذات وبناء الشخصية والشعور
بالمسؤولية , ثم جاءت "مخزيات " أخرى إضافة الى التدخين بحكم
تطور المجتمع وانفتاحه على العالم ولو عاش أهل الفريج الى يومنا هذا لقضوا جل وقتهم في البحث عن "الجليل"المستحب "الذي يدعو الى الاحترام "
بعد تحول المخزي الى ثقافة عامة ولغة تخاطب والفاظ تأنف الاذن من سماعها ويخجل القلب من الانصات إليها.
الأربعاء، 19 سبتمبر 2018
الاستثمار في الوجع الشعبي
مدى نجاح أي مشروع
وفاعلية أية خطة حكومية مهما كانت أولويتها أو اهميتها هو في خلوها لاي
مصدر من مصادر الوجع الشعبي أو لأقل قدر منه داخل المجتمع,لذلك تبدو الفاعلية
والجاهزية وحسن التنظيم وموافقة التوقيت من العوامل الهامة جداً في تحقيق ذلك
الهدف , قد نتفق على الاهداف بشريطة أن لاتكون الاهداف مصدراً للوجع الشعبي , كثيرة
هي القرارات التي كانت مصدراً لوجع شعبي
داخل المجتمع , والتي مع مرور الزمن ثبت أن هذا الوجع الشعبي كان مبرراً حيث لم تكن النتائج المترتبة على هذه
القرارات ايجابية الى درجة ان تراجعت الحكومة عن الاستمرار فيها
بعد أن شعرت أن الوجع قد أرتد اليها بعد
أن أصاب المجتمع واستشرى فيه , في قطاعات كثيرة منها التعليم والصحة , واليوم شكل قرار تجنيد طلبة الثانوية مصدراً لوجع شعبي
كبير من عدة نواح أولا لفجائيته ثانياً لعدم دراسته الدراسة
الكافية وتأثير ذلك على نفسية الطلاب
وثالثاً لتوقيته رابعاً
لعدم وجود رؤية واضحة حتى عند القائمين عليه كثير من الاسئلة وجهت للقائمين على المشروع لم تجد اجابات شافية لدى الاهالى سوى أن هناك أوامر
وكشف لي البعض عن حالة غياب
تامه حول كيفية التصرف مع الحالات
الفردية والصحية والنفسية لكل مجند
صغير هو على أعتاب بناء إمكانية
ذاتية ليجد نفسه داخل صندوق معلب من
الاوامر , يحبط كل إمكانية ذاتية في مهدها, حتى أولئك الذين لديهم إعفاءات طبية من
أكثر من مصدر طبي داخلي وخارجي جرى التعامل معهم من منطلق "الشك" وهذا
في حد ذاته مصدراً عميقاً للوجع الشعبي , حينما يصبح الشك هو نمط العلاقة بين
المواطن والحكومة, لاأنكر أهمية المرحلة التي نمر بها, لاأنكر
أهمية التجنيد الاجباري والخدمة الوطنية , لا أنكر اخلاص المسؤولين , لاأتنكر
لواجب المواطن أمام وطنه , لاأرفض الفكرة
, لكني أرفض الاستثمار في الوجع الشعبي حتى لوكان التراجع عنه بعد ذلك حلاً ,بل أدعو الى ضرورة دراسة التجربة
أولاً بشكل تشاركي قدر الامكان وتداولي داخل الاوساط الاجتماعية وان لم نصل بعد الى مرحلة الاستفتاءات الا أن
هناك مجالاً للتدوال , وعدم الاعتماد على
اسلوب احداث الوجع الشعبي لادراك نجاح التجربة أو فشلها.
نحن أمام بناء ثقة ولسنا بصدد إختبار مواطنة, كل أبناء قطر على
قيد الاستعداد لتلبية الواجب بشرط الشعور بالذات أولاً, عندما يُحمل الانسان على
أنه مجرد شىء يصبح وجعه عميقاً والاستثمار في
هذا الوجع خطيئة قد تنسى ولكن لاتغتفر
في حق وجودة كإنسان, إسألوا كثيراً ممن ذهب ضحية للاستثمار في الوجع الشعبي في قطاعات
كثيرة كالتعليم والتقاعد المبكر
والصحة وغير ذلك
إستثمروا في الانسان كقيمة في حد ذاته ,
ولاتستثمروا في الانسان كموضوع للتجربة والتقييم
لأن في ذلك انتقاصاً في كرامته كمخلوق فضله الله على كثيراً ممن خلق وكرمه على من سواه من الكائنات.
الأربعاء، 12 سبتمبر 2018
كيف كنا نعيش الهوية كسرد
في ستينيات القرن الماضي وحتى أوائل الثمانينيات منه, كانت الفرجان في قطر مكاناً رائعاً لممارسة الهوية كسرد, في الريان حيث كنت اعيش كانت جميع عوائل قطر وقبائلها تقريباً اجزاء منها تقطن هذه المنطقة التاريخية من قطر , بمجرد أن تخرج من بيتك أنت في علاقة أفقية مع الآخر المختلف عائلياً وقبلياً في جوف الفريج ننشىء علاقة مع الاخر الاجنبي , صاحب الدكان الايراني , وراعي القهوة الهندي والزراع العماني , نتقهوى في مجلس أحد الشيبان ونتعشى على "دجة" آخر من عائلة أخرى هكذا بكل تلقائية وفي المجلس المجتمع كله يلتقي نظراً لهذا التنوع الموجود في الفريج, لانعرف القبلية , ناهيك عن الطائفية, العلاقة قائمة على الالتقاء لاتكاد تحس بالعمق بقدر ما تستطيع أن تلمس وتحس باللقاء وحرارته, الذي جعل الفريج خالياً من الغموض الذي يربي الخوف وينشأ الستار بين الافراد , هذا الاختلاف الجميل جعل من الحياة هوية لم نكن في تشابه من حيث الانتساب لقبيلة واحدة او لعائلة واحدة , لم نكن ننتسب الى قطر من حيث تاريخ التواجد فيها , لم نكن جميعاً على مستوى واحد ومسافة واحدة من السلطة , السلطة كانت مبثوثة في كل مكان كرموز من العائلة الحاكمة أو الوجهاء ,الالتقاء شبه اليومي بهم والتشاور والتناصح والتدوال المستمر لمشاكل الفريج هذا التمازج اوجد هوية سردية تعيش وجودها بقدر تواجد الاخر , هذا الاغتناء أوجد قطرياً يعي ذاته بقدر وجود الاخر الغير قطري ,كنا ذواتاً قبل أن نكون هوية.
كيف بدأت الهوية الميتافيزيقية" في التشكل ؟ حينما بدأنا بإنشاء مايسمى فرجان العوائل كل على حدة وأزلنا الاحياء القديمة التي كانت تمثل نموذجاً رائعاً للهوية السردية كالبدع والرميلة والريان والجسرة.الهوية الميتافيزيقية كما أرى هي الهوية التي تمتلك ذاتها في داخلها ولايمثل لها الخارج اي بعد تمايزي وتعتقد بقدرتها على الاستغناء عن الاخر" كل هذا في اعماقها" يعني أصبحت "جوهر".
مع فرجان العوائل وبعض الامتيازات الاخرى كذلك التي يغلب عليها المسمى العائلي والقبلي داخل المجتمع مجال الهوية الميتافيزيقية , فأصبح الفريج كله لقبيلة واحدة وداخل الفريج ذاته احياء لعائلة واحدة دون غيرها منها, واصبح الفرد لايرى الا من يشابهه تماما الا بالمسمى الثالث او الرابع ربما بمعنى أتقهوى مع نفسي , وأتغدى مع نفسي وأتعشى مع نفسي مع جزئي الاخر من نفسي عائلتي وقبيلتي , ما أد الاشارة إليه هو أن الدولة اليوم غيرها بالأمس وأصبح سؤال الهوية القطرية بما هى جوهر مطروحاً في كل مكان وهو سؤال زائف , الهوية هي الهوية السردية التي كنا نعيشها في السابق ويمكنها الاستمرار والتطور بشكل تلقائي اذا لم تتدخل الحكومة بإجهاضها كما اشرت حينما شرعت في في انشاء ما يكرس الهوية الميتافيزيقية الاولية, مثل بعض الاحتفالات وبعض المناسبات الفارزة بشكل واضح ,ايضاً التجنيس العشوائي والسريع يعتبر مقتلاً لتطور الهوية السردية الفاعلة التي تمارس وجودها بتلقائية,الخوف على الهوية هو ناتج ممارسات خاطئة في حين أن اسبقية الحرية على الهوية سيجعل من المجتمع صاحب رأي في كل ما سيتعرض له من تغيرات وبالتالي يتحمل مسؤولياته وتبعات ذلك, الهوية اولوية حينما لاتمتلك الارادة والحرية وبالتالي هي في موقع التأثر وردود الافعال. هذا مثال بسيط أردت إيضاحه لأهمية الهوية السردية التي كنا نمارسها تلقائياً لولا خطوات اخرى لم تكن مدروسة بشكل كاف قضتها عليها أو أزاحتها عن المشهد نتيجة الاعتقاد بأولوية الهوية على الحرية ورأي المجال العام والاوساط الاجتماعيىة, مما جعل من الهوية القطرية "جوهراً" متعال بعد أن كانت "سرداً" منفتحاً, واليوم يبدو الخوف عليها خوفاً مبالغاً فيه لغياب الحرية التي تنشأ من خلالها الهوية السردية التي تشارك في صنع ذاتها وتقرير مصيرها. بين الابتعاد عن الجذر وبين الانتشار الصحي على السطح والعلاقة الافقية التي تكرس اللقاء يبدو خيار الدولة صعباً مالم نضع اولوية للحرية على الهوية ويصبح التدوال الواقعي بديلاً عن الاسقاط الفوقي الذي قد يهمش الجذر لصالح السطح او يعمق الجذر بحيث يجعل منه رافضاً للتعايش مع السطح
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)