السبت، 25 سبتمبر 2010

عرض كتاب الحركات الاسلامية والمخاوف المتبادلة

عرض كتاب الحركات الاسلامية والمخاوف المتبادلة
عبد العزيز الخاطر
2005 / 12 / 30
مقدمة:
تأتي أهمية هذا الكتاب من عدة نقاط ، أولها ما يتعلق بالموضوع نفسه فهو يتطرق إلى هوية الأمة المتمثلة في الإسلام من خلال مواقف الحركات الإسلامية وفهمها المنبثق من المرجعية الإسلامية على سعتها للديمقراطية كمنهج للعصر وما يترتب على هذا الفهم من إمكانية للنهوض أو تراجع وإنكفاء على النفس.
النقطة الثانية ، التي تؤكد على أهمية هذا الكتاب ، تتمثل في الهدف الذي يسمو إلى تحقيقه وهو كما يشير "المحرر" في التوطئة له إيجاد الأرضية الصالحة لإمكانية إقامة التسوية التاريخية بين الجانبين لتجاوز العقبات حيث لا بد من نقطة إلتقاء بين الجانبين ولا بد كذلك من وجود جزء مشترك بينهما مهما كان ذلك صغيراً أو محدداً يمكن من خلاله تحقيق تلك التسوية التاريخية.
النقطة الأخيرة التي تبرز تلك الأهمية هي في كونه حصيلة منتدى فكري إلتقت فيه مختلف الآراء قرباً أو بعداً في نظرتها من إمكانية تحقيق مثل هذه التسوية التاريخية إعتماداً على رؤيتها وتصوراتها حول مفهوم الديمقراطية وملاءمته للإلتصاق بالمنظور الإسلامي من عدمه. أيضاً تأتي مقدمة الكتاب التي كتبها د. علي محمد فخرو الوزير البحريني السابق والمفكرة المعروف لتضفي جانباً من الأهمية على طريقة معالجة مثل هذا الموضوع الشائك ، حيث يشير إلى نقطة هامة موضوعية يجب التركيز عليها بعيداً علن المعالجة الفكرية لمسألة الديمقراطية التي أشبعت بحثاً وهذه النقطة تتمثل في السؤال التالي ، هل تحمل الديمقراطية حلولاً أساسية وفاعلية لمشاكل المجتمع العربي؟ ويشير كذلك إلى عدم أهمية المسمى ولكن يجب الإتفاق على الأقل على حد أدنى للعلاقات ضمن أي نظام يتمثل في إعتبار الأفراد مواطنين لا رعايا ، وحقوق العدل والمساواة وحق الناس في إختيار حكامهم وإيجاد دستور وإستقلال القضاء وتداول السلطة… إلخ. ويؤكد كذلك ومن خلال تجربته الشخصية وجود مشاكل في معالجة موضوع الديمقراطية ولا سيما لدى النخب فهناك الموقف "الثقافوي" الذي يتعامل مع المجتمع من خلال ثقافته وليس من خلال حاجته كالإشارة إلى عدل أبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما عند الحديث عن الديمقراطية وتتبنى هذا الموقف النخب التقليدية من قبيلة وعائلة حيث الحديث عن السلف الصالح. أما الموقف الآخر فهو موقف إنفصامي ونكوصي وغير أخلاقي حينما ترفض النخب العربية إفرازات الديمقراطية حيث تكون النتيجة تسلم الإسلاميين الحكم كما حصل في الجزائر وهو موقف يتبناه أصحاب الإنقلابات والرتب العسكرية ويحدد د. فخرو على أنه ربما تكون الخطوة العملية هي في قيام جبهة عريضة من مختلف التيارات داخل المجتمع تتفق فيما بينها على تبني قضيتين أو ثلاث من قضايا المجتمع المحورية لإيقاف سرعة ذلك التدهور الذي يشهده الوضع العربي الحالي.
الفصل الأول: أولاً : الإسلاميون والدولة والمسألة الديمقراطية "وليد نويهض"
1 . تحديد إطار البحث:
يقرر هذا الفصل صعوبة حصر مواقف الحركة الإسلامية العربية من مسألة الديمقراطية لعدة أسباب منها ، تنوع التنظيمات الإسلامية وإختلاف ظروفها المكانية والزمانية وكذلك تاريخ كل تنظيم وتطور أفكاره وتعرض توجهه السياسي بين فترة وأخرى وأيضاً صعوبة الحصول على وثائق مختلف التنظيمات نظراً لتنوعها من جهة ولجوء بعضها إلى العمل السري من جهة أخرى وكذلك إنقسام التنظيم الواحد وتعدد مصادر كل طرف سواءً الفكرية أو الثقافية أو الإجتماعية. لذلك قام الباحث بتوزيع عمل الجبهات الإسلامية إلى فريقين حتى يمكن حصر البحث ، الفريق الأول هو ذلك الذي يشارك وبنسب متفاوتة في بعض البرلمانات العربية وحكوماتها ، والآخر هو ذلك الذي يناهض الأنظمة العربية ويحاربها سياسياً في بعض المناطق وعسكرياً في مناطق أخرى.
وقد قام الباحث بإستبعاد الفريق الأول لسبب بسيط وهو عدم وجود مشكلة لديه مع الدول العربية التي يتحرك داخلها ، وانصب الإهتمام على الفريق الآخر لتواجد المشكلة سواءً كانت في سلبية التنظيم نفسه من الديمقراطية أو سلبية الدولة وحساسيتها من التنظيم ، وتم كذلك تحديد ثلاثة نقاط لا بد من إلقاء الضوء عليها لتوضيح وجهة ذلك الفريق من الديمقراطية وهي أولاً؛ تطور الفكرة وإختلافها داخل التنظيم نفسه. والثانية: التنازع بين المنظمات الإسلامية وإختلاف تفسيراتها للمسألة الديمقراطيـة ، والثالثة: فهي علاقة تلك التنظيمات بالسياسة وعلاقة السياسة بها ولإكتمال البحث كان لا بد كذلك من تحديد نمط العلاقة بين تلك التنظيمات والدولة الوطنية "المعاصرة الحديثة" وأيضاً موقف الدولة من مسألتي الديمقراطية.
2 . الإشكالية المعرفية:
ثم يتطرق الباحث إلى أهمية وضع إطار عام لحدود الإشكالية المعرفية المتعلقة بفكرة الديمقراطية فهناك فرق كبير بين أن تكون الديمقراطية فكرة أيديولوجية جاهزة بمعنى معطى نهائي يقدم كنموذج سحري للشعوب والأمم وبين أن تكون صيغة تاريخية قابلة للتعديل والإضافة والتطور لذلك فهي تختلف من مجتمع متجانس عنها في مجتمع آخر غير متجانس كما لاحظ ذلك بعض علماء الإجتماع ، فهي في الأول تعزز الوحدة وتطورها سليماً بينما في الثاني لا بد من أن تكون توافقية تحترم حقوق الأقليات المختلفة عن الأكثرية ، ويطرح الباحث هنا تعريف د. علي خليفة الكوراي حول خصائص الديمقراطية المعاصرة (مجلة المستقبل العربي – فبراير 1993) الذي يرتكز على نقطتين أساسيتين ، الأولى أن الديمقراطية منهج وليست عقيدة والأخرى أنها مقيدة وليست مطلقة إذ لا بد من دستور يتراضى الجميع على أحكامه ويقبلون الإحتكام إليه ويتطرق التعريف إلى إشكالة إستبداد الأغلبية في منطقة تتنوع فيها الديانات والسلالات والمذاهب والتركيبات الإجتماعية التقليدية ويشير الباحث إلى أهمية هذا الجزء من التعريف لأنه يخرج الديمقراطية من عالم الأفكار إلى عام الواقع ويؤسسها على الإجتماع والتاريخ لا على النظريات المجردة فتخرج من معطى النص إلى تعقيدات الواقع. كما يتعرض إلى محاولة الشيخ راشد الغنوشي "رئيس جمعية النهضة التونسية" ردم الهوة بين المستوى المعرفي والمستوى التاريخي فيما يتعلق بمفهوم الديمقراطية حيث ربط بين الديمقراطية والهوية بحيث لا يمكن الحديث عن ديمقراطية بلد دونما الحديث عن هويته لأن التنظيم الإجتماعي للحرية في شكل دولة يفترض وجود أرضية معينة يتحرك عليها العمل السياسي وتكون هي الإطار الجامع للجماعات السياسية حيث تشترك في هوية شخصية جامعة لذلك فالديمقراطية تفترض مضموناً ثقافياً وهذا المضمون في المجتمعات الإسلامية هو الإسلام. أما فهمي هويدي فيذكر أن الديمقراطية ما هي إلا تطوير أوروبي لنظام النحل والملل الإسلامية نتيجة لإحتكاك الدول الأوروبية بالدول العثمانية. كما يبين هذا الفصل إلى أن هناك قراءات مختلفة للديمقراطية من قبل الحركات الإسلامية المعاصرة ، فهي كفكرة كانت حاضرة في أعمال الإسلاميين الفكرية منــــذ منتصف القــــرن التاسع عشـــر ويمكن إيجاز ذلك في أربع مدارس:
الأولى: حاولت أن تبرز الإسلام مقابل الديمقراطية الغربية ، والثانية: أبرزت نظرية الشورى في الإسلام مقابل ديمقراطية الغرب ، والثالثة: حاولت التشكيك بالهجوم على ديمقراطية العرب ، والرابعة: رفضت الديمقراطية واعتبرتها لا تمت إلى الإسلام بصلة " زكي احمد – المستقبل العربي – العدد 164".
3 . الخلط بين المفاهيم والمصطلحات:
أدى مثل هذا الخلط بين المفاهيم والمصطلحات إلى سجالات فكرية لا تنتهي ولم يساعد على إيجاد مقاربة فعلية بين الإسلام والديمقراطية ، فالخلط بين الديمقراطية كآلية لتنظيم الخلاف وبين المفاهيم الإيديولوجية المتعلقة بالعلمانية والليبرالية ، فالفكرة مقبولة إذا كانت تعني العدل والمساواة ومرفوضة إذا كانت تعني العلمانية والتغريب ، وهنا يحذر الشيخ راشد الغنوشي مـــــن الموقــــــف اللا أخلاقي الذي قد يتخذه الإسلاميون في حالة وصولهم إلى السلطة من مصادرة حق العمل الحزبي وحرية التعبير وهو ما يطالبون به الأنظمة العلمانية حالياً ، ويؤكد العلامة محمد حسين فضل الله في هذا الخصوص أنه عندما يتكلم عن الديمقراطية فإنه يعني " ضد الإستبداد ولكن لا يمكن القبول والإلتزام بكل نتائجها على مستوى القضايا الإسلامية خاصة تلك التي تتصل بالتشريع". من هنا يمكن القول بأن هناك مستوى من القبول باللعبة الديمقراطية وممارستها ولكن السؤال الموجه إلى الأنظمة التي ترفض الديمقراطية وتقمع المجتمع السياسي ومحاولة إعتقاله ومنعه من التعبير عن ذاته كما سنرى في عدة دول عربية.
ثانياً : مسلمون وإسلاميون:
من الضروري التمييز بين خطين إسلاميين كبيرين يتنافسان على تأكيد شرعية التمثيل ومشروعية الفكر والمنهج وهما ، تيارات (الأخوان المسلمون) وتوجهها العقلاني وتيارات الجماعات الإسلامية ومنظمات الجهاد التي ترفض الأسلوب السلمي والفرق بين التيارين يتمثل في أسلوب المكاشفة لدى الأخوان مقابل أسلوب العمل السري لدى التيارات الأخرى.
1 . تطور فكرة الديمقراطية لدى تيار (الأخوان المسلمون) : تغير موقف الأخوان إيجابياً تجاه فكرة الديمقراطية بعد تعرضها للحل إبان الحكم الناصري وهي التي كانت تدعو إلى حل جميع الأحزاب قبل عام 1952 في حين أن الجماعات الإسلامية ترى أن الديمقراطية تنبع من تعدد الإيديولوجيات وهذا أمر مناهض ومرفوض مع الإسلام ، فكان التباين واضحاً. ونتيجة هذا التطور في فكر الأخوان أصدروا ثلاث وثائق هامة بل الأهم في تاريخهم يوضحون فيها مواقفهم الإيجابي من قضايا هي في صميم الديمقراطية كالمواطنة ودحض العنف وضرورة إختيار الحكام عن طريق رضا المحكومين ومشاركة المرأة ومساواتها بالرجل وحقها في الممارسة السياسية. ولكن الإنتكاسة كانت في موقف السلطة من هذا التحول حيث قامت بحملة إعتقالات كبيرة وأعتقل الكثيرون عام 1995.
ثالثاً : صدمة السودان:
يرى الباحث أن ثورة الإنقاذ العسكرية عام 1989 لعبت دوراً بارزاً في إعادة إنتاج الخلافات السابقة حيث وضعت الإسلاميين أمام خيار صعب إما بتأييد الإنقلاب العسكري أو معارضته وكلاهما يبحثان عن تفسير جديد لعلاقات القوى ودور الدولة والأسلوب السلمي في كسب الغالبية العظمى وترفض الجبهة الإسلامية القومية إتهامها بأنها وراء ذلك الانقلاب ، ولكنها وافقت على شروط الثورة للتعاون وحل جميع التنظيمات الحزبية والإندماج بمؤسسات الحكم. والخلاف بين الجبهة و(الأخوان المسلمون) يرجع إلى إدراك د. حسن الترابي بخصوصية المجتمع السوداني وتركيبته الإجتماعية وأهمية دور الدولة الأساسي في توحيد مثل هذه المساحة الشاسعة القليلة السكان ورؤيته حول ضرورة تأسيس تيار معاصر يشق طريقه المختلف عن القوتين الإسلاميتين المركزيتين ، طائفة الأنصار (حزب الأمة ) والطائفة الختمية الميرغنية (الإتحاد الديمقراطي ) ويقوم  منهج الترابي على ضرورة الدمج بين الأدلة النقلية والأدلة العقلية. ويلاحظ هنا أن مثل هذه الأفكار لم يكن من السهل زرعها في مجتمع إسلامي تقليدي متدين بالفطرة مما جعل الأحزاب التقليدية والقوى العلمانية وحتى الحركات الصوفية والحركة السلفية بالإضافة إلى تيار (الأخوان المسلمون) يقفون في صف واحد ضد ثورة الإنقاذ.
رابعاً : صدمة الجزائر:
الدولة في الجزائر قوية ومسيطرة على المجتمع وتختلف التجربة هنا عنها في السودان فالصراع هنا دمــوي. لقد كان هناك إختلاف واضح لدى القوى الإسلامية في الجزائر على فكرة الإنتخابات حتى قبل الانقلاب على نتائجها فالجماعات المسلحة ترفض إضاعة الوقت مع النظام في حين أن حـــــزب النهضة الإسلامي الجزائري وحركة حماس الجزائرية يطالبان بالحد الأدنى من الديمقراطية بينا راهنت الجبهة الإسلامية للإنقاذ على الديمقراطية وأدى إنقلاب السلطة على نتائج الإنتخابات إلى صدمة لها دويها الهائل في الوطن العربي بأكمله بين مؤيد لذلك الفعل ومستنكـــر لـــه ، ولكن الجماعات المسلحة واجهت إنقلاب الدولة على النتائج بعنف مضاد استدرج فيه بعض إتجاهات جبهة الإنقاذ واستبيح الدم الحرام بدون تأويل.
خامساً : تونس الضحية:
كان لما حدث في الجزائر أثره البالغ في إستكمال الدولة في تونس لمشروعها الإنقلابي على المجتمع بذريعة عدم التساهل الديمقراطي والحيلولة دون انتقال العدوى إليها من الجزائر بالرغم من إعتراف حركة النهضة التونسية بضرورة إحترام رغبة الناس ورفضها لمصادرة الرأي الآخر وعلى منهج جديد للسياسية يعبر عنه راشد الغنوشي " بأنها عالم المعقول وليس علم الغيبيات ، هي العالم الموضوعي" . وبالرغم من ذلك كله أوغلت الدولة في سياستها القمعية ومصادرتها لخيارات الشعب وأتهم الغنوشي بالردة والعلمانية من قبل جماعات الجهاد.
سادساً : صدمة أوسلو:
أقرت حركة حماس الفلسطينية بإحترام التعددية حيث أملت الظروف عليها ذلك لإغتناء الساحة الفلسطينية بمختلف التيارات (خالد الحروب – في أحد كتبه عن حركة حماس) وبرغم معارضتها لإتفاق أوسلو إلا أنها أعلنت أنها لن تستخدم العنف ودعت إلى تبني الحوار الوطني وقاطعت حماس وقوى فلسطينية إنتخابات عام 1996 فما كان من السلطة الفسلطينية إلا أن أستخدمت العنف والبطش والإعتقال . ولا شك أن سلطات الإحتلال الإسرائيلي كانت وراء ذلك بحجة أن حماس تقف ضد الإتفاق بين الطرفين.
سابعاً : صدمة أربكان 1996:
أدرك أربكان زعيم حزب الرفاه ضرورة إعادة الحياة المدنية وضبطها تحت سقف الأتاتوركية بعد فوزه دون أن ينال أكثرية تمكنه من الحكم بمفرده ، وهو الأمر الذي سبب له كثيراً من الاحتجاجات والإنتقادات من قبل جماعات الجهاد وكذلك غضب العلمانيين لتصرف أربكان ذاك وهو ما أفسد رهانهم بتدخل الجيش للتدخل لضبط الأمور وإعادتها تحت رقابة الدولة بعيداً عن تحولات المجتمع ولكن أربكان كان يدرك أن الوقت الحالي هو وقت التسوية التاريخية لإنقاذ تركيا من الانقسام ، وأدرك بأن الحوار في مرحلة الإنتقال وهي مرحلة مركبة تلتقي فيها القوى التقليدية بالأنماط الحديثة ، ويمكن إعتبار تجربة أربكان بداية التأسيس للمجتمع السياسي الذي يركب وعيه التاريخي من عناصر مفككة وتؤكد كذلك على خطأ تصور النخبة ( الدولة المعاصرة) بأنها تستطيع باسم التقدم والحداثة أن تحقق قفزات إجتماعية بمعزل عن الجماعات السياسية وهيئاتها ومنظومتها المتوارثة تقليدياً وعن حركة المجتمع والاعتبار لتوازنه الطبيعي.
الفصل الثاني : مخاوف وتحفظات من مشاركة التيار الإسلامي في التنافس الديمقراطي: (زياد أحمد بهاء الدين).
في هذه الورقة يقدم السيد زياد كما يشير عرضاً لآراء القطاعات الواسعة من الجماهير العربية بصرف النظر عن موقفها الإيماني في الدين الإسلامي كعقيدة إلا أنها ليست مؤيدة للتيار الإسلامي كقوة سياسية تنافس على الحكم. وتعرض هذه الورقة كذلك لمبررات السماح بتكوين أحزاب إسلامية وهي كما تراها القطاعات الواسعة من الجماهير العربية في أن جوهر الديمقراطية يعني تمكين الشعب من إختيار ممثليه وكذلك الإعتبار السياسي لثقل تيار المعارضة الإسلامية حيث هي القوة المتبقية في مواجهة السلطة. وكذلك مبرر عدم دفع أي تيار شعبي يحرم من التعبير عن ذاته إلى اللجوء إلى العنف أو العمل السري.
أولاً : المخاوف التي يثيرها إشتراك التيار الإسلامي في العمل السياسي:
وهي تتمحور حول خطورة الإدعاء بوجود ممثل وحيد للإسلام دون غيره وكذلك الخوف من لجوئها إلى العنف كخيار دائم كلما ضاقت السبل والإعتقاد كذلك لدى قطاع كبير من أن موقف التيار الإسلامي من الديمقراطية موقف إنتهازي للوصول إلى السلطة ومن ثم الانقلاب على غيره من التيارات وهناك أيضاً التباين بين الفكر والممارسة الواضح من موقف التيار الإسلامي من قضايا كقضية المرأة وحقوق الأقليات.
ثانياً : نحو موقف جديد:
تدعو الورقة إلى الوصول إلى حد أدنى من الإتفاق ، فلم يعد إستبعاد التيار الإسلامي مقبولاً ويجب ألا تتحول التحفظات على إشتراكه إلى رفض تام وإنما مؤقتة لكيلا يتحقق للنظم الحاكمة ما تتمناه. وكذلك أهمية الوصول إلى صيغة تتفق فيها كافة القوى الوطنية تتضمن قبول التيار الإسلامي في مقابل إلتزامه بمواقف محددة ومقبولة وملزمة. ونظراً لعدم اعتماد ذلك الفصل على المصادر الأكاديمية والإكتفاء بالتكلم عن رأى قطاعات كبيرة من الشعب العربي حيث يمكن إتصافه بالتعميم فقد قوبل بنقد في مواقف عديدة.
المناقشات:
سنركز هنا على المناقشات التي اضافت جديداً إلى موضوع الورقتين حيث تناول الحوار جوانب عديدة أثرت وواجهت بالنقد بعض ما قدمته الورقتين وكانت هذه المناقشات في فحواها تؤكد على أهمية التحدي الذي توجهه الأمة وضرورة إيجاد نوع من التوافق بين الإسلام والديمقراطية من خلال فهم أعم وأشمل لأنهما يلتقيان على الأقل في نبذ العنف وحقن الدماء والأخذ بالرأي الآخر ، ولعل أهم ما دار في هذه المناقشة الحوار الذي تم بين السيد محمد محمود (السودان – الولايات المتحدة) وراشد الغنوشي (بريطانيا- تونس) حينما تطرق السيد محمود إلى حقيقة ثابتة يعتقدها ويحاول الإسلاميون طمسها وهي مركزية العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية واحتفاظ العلمانية بإستقلالها بحيث يمكن التقرير بان كل مجتمع ديمقراطي هو مجتمع علماني ولكن ليس كل مجتمع علماني هو بالضرورة مجتمع ديمقراطي لأن الديمقراطية تتأسس على حرية الفكر والإعتقاد وحرية العقيدة …إلخ ، ويؤكد على أنه لا بد من وجود أرضية ثقافية ديمقراطية وهو ما يتفق فيه مع محاوره راشد الغنوشي إلا أنه مرجعية بشرية في ظل الواقع التاريخي الذي نعيشه جميعاً كبشر ونتصارع فيه إقتصادياً وسياسياً وإجتماعياً وليس مرجعية دينية. ويؤكد على ضرورة التفريق بين الإسلام كعقيدة دينية وكثقافة حيث تحتمل الثقافة ما لا تحتمله العقيدة فعلى مستوى الثقافة يحتمل الأمر أن يكون المسلم علمانيـــــاً في أن العقيدة لها حدودها الواضحة والصارمة كإقامة الحد على مرتكب الزنا وشارب الخمر في أن الثقافة الإسلامية تحتمل أن يكون المسلم شارباً للخمر أي أنه لا يخرج من دائرة الإسلام ، في حين أن الشيخ راشد الغنوشي (تونس / بريطانيا) يؤكد أنه لا يمكن للعالم العربي بالذات أن ينتقل إلى الديمقراطية ما لم يسلم بالمرجعية الإسلامية وبعد ذلك يمكـــن الإختلاف حول هذا الإسلام بغير هذا التسليم لا يمكن حصول الإنتقال الديمقراطي لأن الإسلام هو المكون الثقافي للأمة ويصحح مقولة الإستاذ محمد محمود حيث لا ديمقراطية بدون إسلام وليس لا ديمقراطية دون علمانية. وبدون الأرضية الثقافية المشتركة لا يمكن للمجتمع أن يستقر والتسليم بهذه المرجعية اليوم أمر مهم للنخبة حيث يعيد تواصلها مع الجماهير ويعمل على نزع سلطة رجال الدين ومثل هذا التسليم ينتج حضارة في إطار القاعدة الثقافية كما كانت المذاهب الإسلامية تنطلق من مرجع ديني واحد وكل يفسر هذه النصوص حسب نوع ثقافته فما الذي جعل شمال إفريقيا مالكية سنية ومنطقة أخرى شافعية …إلخ ، لم يكن ذلك بقرار من الدولة. وهنا يرى الإستاذ يوسف شويري (لبنان / بريطانيا ) أن الأمر يختلف عن ذلك لدى الغرب حيث اتفق هذا الغرب على قواعد اللعبة الديمقراطية فقط ولم تكن هناك أرضية ثقافية متفق عليها قبل قيام الديمقراطية في تلك المجتمعات.
في إتجاه آخر يعتقد السيد بشير نافع (فلسطين / بريطانيا) أن الدولة الحديثة في العالم الإسلامي مسكونة بالعنف منذ القرن التاسع عشر حيث بدأت عملية طويلة من ضرب قوى المجتمع المدني وتقويضها ويشبه هنا ما يؤكد راشد الغنوشي على خطورته عندما تمحى البنى التقليدية في المجتمع دونما وجود بديل آخر يزداد تسلط الدولة وطغيانها" ويتصور شويري أن قيام الحربين العالميتين هما نتيجتان لعصر التنوير بينما يرى محمد جابر الأنصاري (البحرين) أنهما بسبب هزيمة فكر التنوير لأن التنوير يدعو إلى التعامل العقلاني والسلمي. ويؤكد على معرفة القاع السيسولوجي للمجتمعات العربية لأنه العامل الحاسم في عملية الإنتقال الديمقراطي وليس السقف الأيديولوجي ويؤكد أن هذا القاع لدى هذه المجتمعات مضاد للديمقراطية نظراً لتركيبته العصبوية والأمر يتطلب جهوداً تتعدى النيات الطيبة والتنظير الجميل.
( إنتهـــــــــــــــــى العـــــــــــــــــــــــــــــرض)
كتاب غني بالأفكار حول هذا الموضوع الحيوي الشائك لا غنى للقارئ الشغوف بهموم أمته عنه خاصة وانه يتبنى لغة الحوار والنقاش وهي في حد ذاتها لغة محمودة في السماء قبل أن يؤمر بها في الأرض وبين الخلق.
 د. علي خليفة الكواري "محرر"
د.علي محمد فخرو "تقديم"
وليد نويهض "الورقة الأولى"
زياد أحمد بهاء الدين "الورقة الثانية"
نخبة من المناقشين والمعقبين
الناشر "دار قرطاس – الكويت 2000"
" حصيلة اللقاء السادس لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية
أكسفورد – بريطانيا عام 1996".

انسان الريع النفطي

انسان الريع النفطي
عبد العزيز الخاطر
2005 / 12 / 29
الشخصية السائدة في مجتمعنا الخليجي اليوم نتاج الحقبة النفطية ، وتلك الشخصية مهددة بالفشل والسقوط لعدم مواكبتها للمتطلبات التنموية التي يشهدها العالم حالياً والمصاحبة لتراجع دور الدولة الشمولي في النشاط الاقتصادي لصالح القدرات الفردية وقطاع الأعمال في تحريك الاقتصاد القومي ، هذا الفشل وذلك الإخفاق سيعود على المجتمع بانتكاسة ما لم تعاد هيكلة هذه الشخصية بما يتلاءم مع تلك المتطلبات . والطريف في الأمر أن إنسان فترة ما قبل النفط في الخليج العربي على وجه الخصوص كان إنساناً منتجاً ، إلا أن تلك الإنتاجية تراجعت في الجيل التالي بشكل تدريجي وبصورة عكسية مع ازدياد العوائد النفطية لتصبح اتكالية عمياء على تلك العوائد .
لا عيب في الاستمتاع بالخيرات ولكن كان من الأجدر التركيز وبصورة أكبر على استثمار تلك العوائد والفوائض على شكل موجودات رأسمالية أكثر منها كونها هبات وإنفاقاً استهلاكياً ، فالخليج جزء من العالم والتنمية البشرية أصبحت أهم ركائز العملية التنموية فلابد من تقدم مفاهيم جديدة على حساب مفاهيم أخـرى سادت أثناء مرحلـة التورم بالريـع النفطي ، ولابد من التركيز في التربية والتنشئة الاجتماعية على الإنتاجية والعمل والإخلاص ويأتي كذلك دور الدولة كموجه من خلال ربط الدخل بالإنتاجية وجعلها العامل المحدد للحراك والتدرج الاجتماعي ولكي يصبح نصيب الفرد من الدخل القومي معياراً أكثر دقة للعملية التنموية لابد أن يصاحبه عدالة في توزيع الثروة كما تشير المؤسسات الدولية ذات الشأن . فالقرن الحالي هو قرن الاقتصاد الإنتاجي ولابد أن يتحول الاقتصاد الخليجي من الريعية الى الإنتاجية لنضمن له الاستمرارية والمنافسة ، من هنا تكمن أهميـة إعادة هيكلـة الإنسان الخليـجي بشكل عام على أسس جديدة ، بغير هذه التوجه وذلك التوجيه من الدولة لا يمكننا الخروج من ثقافة القشور الكاذبة الى ثقافة أخرى كيفية إنتاجية تضع الأمور في نصابها الصحيح وتعرف أهمية العمل كأساس للبقاء والسيادة والاستقلالية أخذ الدولة بيد المواطن الى مواطن الاستثمار بإشكالها وعلى رأسها البورصات توجه محمود ولكن هذه البورصات بحاجة هي أيضاً الى الاستقلالية أكثر بحيث يستطيع هذا المواطن من الاستفادة الحقيقة منها وبشكل أكثر اطمئناناً وثقة . وكل ما أخشاه وفي هذا الوقت ألا نعي أهمية التكيف مع التحولات الكبرى التي نشهدها ونبقى على جمودنا مكابرين ، والحياة ليس من صفاتها الجمود والتحجر ، وعندئذ فقط سنصحو من ذلك الإغواء النفطي الذى لم يحقق إلا سراباً






أحرار لكن فقراء

أحرار لكن فقراء
الاستبعاد الاجتماعي - وخطوطه الحمراء
عبد العزيز الخاطر
2005 / 12 / 26
ما أقصده بالحرية هنا هو ذلك النمط من الحرية الشخصية الذى افتقدته المجتمعات الاشتراكية في فترة الحكم الشمولي كحرية التملك والسفر وغيره ، أما ما قصدته بالفقر فليس هو ذلك المفهوم التقليدي الذى يتبادر الى الذهن بمعنى الحرمان والافتقار لما هو ضروري للرفاه المادي ولكنه التعريف الجديد الذى أدخلته الأمم المتحدة في تقريرها حول التنمية البشرية تحت مسمى " الفقر البشري " ويعني الحرمان من الفرص والخيارات التي تعتبر أساسية للتنمية البشرية وتطوير المجتمعات واتجاهها نحو الديمقراطية وبعدها بالتالي عن أشكال الحكم القمعية والتسلطية ومن أهم مقايسة الاستبعاد الاجتماعي أي عدم القدرة على اقتحام مناطق معينة داخل المجتمع وتقليل الحراك الاجتماعي لفئاته وتحديد الفرص وتحديد كذلك سقف المستقبل لكل فئة من فئات المجتمع . فالأدوار بالتالي محددة سلفاً لتلك الفئات ولا يمكن تجاوزها . بهذا المعنى تدخل جميع دول عالمنا العربي والإسلامي ضمن دائرة " الفقر البشري " فجميع شعوب الدول فقيرة بشرياً ولا يمكن بحال من الأحوال احداث التطور السياسي الفعلي دونما تفكيك لآليات الفقر البشري المشار إليه بتوسيع الخيارات المتاحة لدى الناس وإلغاء الاستبعاد الاجتماعي وفتح سقف المستقبل لجميع الفئات بحيث يمكن لكائن من كان أن يصل الى أعلى مراتب السلطة وهكذا . وقد سبق لماركس أن أشار الى أن المجتمع الرأسمالي مجتمع فئوي والحرية فيه في تقابل مع الفقر وقد وصف الفلاح في المجتمع الرأسمالي بأنه حر لكنه فقير . لذلك فإن انصاف الديمقراطيات لا تنفع مع هذا المفهوم الجديد للفقر الذى تحددت أبعاده في الحرية مع إمكانية للحراك الاجتماعي دون قيود ودون سقوف تحدد من يصل الى المواقع المتقدمة دون غيره ومن لا يحق له سياسياً أو ربما تاريخياً تحقيق ذلك . إن ما حدث في العقود الأخيرة من اقتناص غير برئ لمفهوم الديمقراطية مجاراة للعصر وهرباً من بشاعة الوصف بإهدار حقوق الإنسان ومصادرة الحريات لا يخرج عن كونه جراحة تجميلية لتلك البشاعة يفضحها ويكشف عيوبها ذلك المفهوم الجديد للفقر بالرغم من أن هناك مزيداً من الحرية تتمتع بها تلك الشعوب إلا انها فقيرة ومحدده الطموح والمستقبل سلفاً وجميعنا يلحظ الانتكاسات المتكررة على التجارب الديمقراطية المنقوصة وسبب ذلك في مضامينه يعني الاستبعاد الاجتماعي لفئات أخرى لم تتمكن بالطريقة السليمة من تغيير الوضع الراهن . ولابد هنا من الإشارة الى أن مفهوم الفقر البشري يتضمن العديد من المؤشرات التي لابد من اعتبارها للأخذ به في سبيل تطور المجتمع فهو عملية تنموية في حد ذاته ، من هنا تبدو الإشكالية فيما يتعلق بالدول النامية فلا يمكن بحال من الأحوال العمل على تلافي مضامين الفقر البشري إذا كان في ذلك تهديداً للأنظمة القائمة لأن في ذلك زوالها واستبعادها من السلطة . فمن مصلحتها – بالتالي- الإبقاء على مؤشرات ذلك النوع من الفقر لأنه يرتبط بقيامها واستمرارها في حين تحتل الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية المراكز المتقدمة في ذلك المقياس الجديد كما يشير تقرير الأمم المتحدة عام 1998م فليس هناك استبعاد لفئة أو تنظيم أو طبقة من إمكانية التحرك الى الأمام أو الى الخلف وكل ذلك مرتبط بقدرتها على تنظيم نفسها وما يمكن أن تقدمه من برامج في جميع المجالات ، بينما تحتل الدول الأفريقية والأسيوية بما فيها دولنا العربية والإسلامية مراتب في ذيل القائمة لجمود مجتمعاتها واقتصارها على تكويناتها التاريخية السابقة فالملك ملك والخفير خفير . فكل الذى شهدته العقود الأخيرة ونشهده الآن في خضم هذا العالم النامي هو مزيد من الحرية الفردية يقابلها تجسيد واضح لمؤشرات الفقر البشري الذى أشرت إليه خاصة مفهوم الاستبعاد الاجتماعي فحقيقة تلك الشعوب الواضحة تتجلى في أنهم أحرار لكنهم فقراء ومن الصعوبة بمكان كسر تلك المقابلة التي تقبض ثمن الحرية باهضاً حيث تقرنه بالفقر وفي ذلك ضياع لقيمة الحرية ما بعده من ضياع .

العقل المطلق

العقل المطلق
عبد العزيز الخاطر
2005 / 12 / 20
اختزال الزمن والظروف في كبسولات علاجية
العقل المطلق عقل متخلف لا يرى التضاريس الحقيقية ولا يفرق بين بعضها البعض والفكر الشمولي الذى يضع الجميع في سلة واحدة فكر متخلف أيضاً فالعقل المطلق يصدر أحكامه غير عابئ بالتاريخ أو الجغرافيا فهو عقل لا زمني فهذه النمطية من التفكير اختزالية لكل شئ " وأنا اقصد بالعقل هنا ليس العقل بيولوجياً ولكن طريقة تفكيره أي " العقلية " . لننظر الآن الى عدة صور يتجلى فيها العقل المطلق وأحكامه بصورة لا تدع شكاً لدى أحد بأن إحدى مشاكلنا الكبرى هي غياب العقلية النقدية والتفكيكية التي تستطيع أن تعالج الأمور موضعاً موضعا دون شمولية تكتسح التفاصيل ولا ترى جزئيات الحقيقة إلا بعد فوات الأوان . من يرى أن الغرب كله شر " عقل مطلق " لا يرى حضارته المشعة ومن يرى أن أمريكا كلها شر " عقل مطلق " لا يعاين قدرة ذلك المجتمع المختلف الأعراق على التعايش وقبول الآخر ومن يعتقد أن المسلمين كلهم خـير ( عقل مطلق ) لا يفرق بين الإسلام والمسلمين اليوم ومن يسمي سقوط برجي نيويورك بغزوة نيويورك ( عقل مطلق ) اختزل الزمن في كبسولة ومسح قروناً وأزمانا من التراكم الحضاري والإنساني ومن يعتقد أن ما قام به " الزرقاوي " مؤخراً من قتل الرهينة الأمريكي رداً على تجاوزات الجنـود الأمريكان والبريطانيين الفجـة في معاملتهم للأسـرى في ســجن أبو غريب ، " عقل مطلق " ولا يستطيع التمييز بين فرصة كشف الجريمة للرأي العام العالمي واستغلالها لصالحه وبين ما يمكن أن تحدثه مثل ذلك الأمر من تبرير لتلك الجرائم السابقة .
لا شك أن مثل تلك العقلية تتحمل اثماً كبيراً في ما حصل لهذه الأمة على مر تاريخها القديم والحديث ، ان روشتات العلاج الشمولي دون السماح للرأي الأخر بالظهور كانت روشتات تدمير وليست علاجاً ، بأشكالها وعقائدها المختلفة ؛ فنقطة التحول التاريخية في حياة الأمم تضع المستقبل في بؤرتها وأمامها إلا أمتنا التي تستخلص علاجاتها من ماضيها امتهانا للتطور وتصغيراً للعقول وتجميداً للأحداث في قوالبها التاريخية .عندما تخلصت أوروبا من ربقة الكنيسة والإقطاع ورجالاتهما لم تعد ترى في ماضيها حلولاً . نحن عندما أردنا التقدم التفتنا الى ماضينا وأخذنا منه عقده المستحكمة " في كبسولات مثل كبسولات الدواء التي لا تصلح احداها آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها " أي جمود بعد هذا وأي استحضار " للعقل المطلق " بعد ذلك الاستحضار . نعم لقد صلح أول هذه الأمة ضمن شروطه وظروفه التاريخية وبنفس القدر يمكن إصلاح آخر الأمة ولكن ضمن الشروط والظروف الموضوعية المعاشة والمختلفة عن تلك الأولى وهنا تكمن قدرة وقوة العقل التفكيكي والنقدي .
ما يزيد الطين بله ويزيد العقل المطلق بريقاً تحول اللا ممكن الى ممكن في حياتنا العربية ! كيف تتحول الجمهوريات الى نمط توريثي تخجل منه حتى أبعد القبائل مسافة عن التحضر ؟ وكيف يتحول الفرد الى زعيم أوحد واله يعبد . فلا غرابة إذن أن يُسرق الإسلام تحت فهم معين ويسوق وكأنه الفهم الحقيقي والوحيد الذى جاء به ، ولا غرابة أن تتحول أنظمة الحكم الى مافيات تجارية واقتصادية تقتات من دم الشعوب الى آخر هذا المنوال من الخروج عن أسس المنطق السليم .
أن الحل الأنسب والوحيد هو في المراجعة الفكرية والعقلانية ومراجعة المطلقات الماضوية التي تحولت بعد أزمان الى نصوص أضيفت وجعلت على نفس المقدار من القداسة من نص الأمة الخالد الذى " يحتمل النظرة التفكيكية ويحتمل المعاصرة كذلك " وصحيح السيرة . نحن بحاجة ماسة كأمة الى مراجعة ذاتية تضع الأمور في نصابها وتعيد للأمة اتزانها وتخفف من صدى الماضي وتزيد من أهمية المستقبل حيث يكمن المصير وتتكىء العاقبة .

الانتصار يبدأ من الداخل

الانتصار يبدأ من الداخل
عبد العزيز الخاطر
2005 / 12 / 19

عندما ضربت مصر عام 1967 وهُزم العرب عسكرياً أمام إسرائيل ، ادعى الكثير أن النظام القومي الناصري هو سبب الكارثة وإنحاز الكثيرون ضد الفكر القومي بمجمله ولم يروا فيه أي إيجابية برغم ما له من أبعاد أقلها وأبسطها التأكيد على الكرامة وشرف الأمة . وحين تنازعت الأمة تيارات الإسلام السياسي على أشكالها ، حتى بدأ أعدى أعداء الأمة على مقربة من بعضها لارتباط المصالح وعلى نقيض من الطرف الآخر من بعضها الآخر الاستئصالي ، أدركت الأمة أنها في مهب الريح إلا أن هناك شبه إجماع لدى السواد الأعظم من أبناء تلك الأمة أن المشكلة الحقيقية تكمن في السلطة العربية أياً كان فكرها ولونها ورائحتها بل أن رائحة الصراع العرقي والأيديولوجي والطبقي تفوح أينما اتجهت داخل محيطها العربي لم يكن ترمومتر تقدم الأمة واضحاً كما يجب فكانت القياسات بما فيها المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية دَجَلاً كبيراً ما يلبث بعد سقوط سُلطة وقيام أخرى حتى يتهاوى وكأنه لم يكن فالإنجازات مرحلية لأنها تنحصر فقط في دورة حياة السُلطة القائمة ومكاسبها الراهنة ولا تمتد أبعد من ذلك والآن بعد كل ما وصلت إليه الأمة في تهاون وتخاذل وما يواجهها من تحديات مصيرية لا تزال هناك أصوات تنادي بمخارج وبوسائل انقاد مختلفة بما فيها من التحاق بركب العولمة الجارف برغم تشوه هياكلنا كأمة الاقتصادية منها والسياسية ولم يوضع الترمومتر الحقيقي لإعادة بناء الذات العربية والإسلامية وضع الإنسان داخل مجتمعه العربي والمسلم ، كيف يمكن لأمة أن تنتصر في أي من معاركها وقرار تلك المعركة يتخذه فردٌ واحد بل كيف لها أن تتقدم والمواطنون فيها درجات منها ما هو فوق السحاب ومنها من هو تحت الصفر .
لقد آن الأوان لإقامة دولة المواطنة الحقيقية داخل أرجاء هذه الأمة التاريخية وهي وحدها القادرة على صنع السلطة ذات القرار المستقل وهي وحدها القادرة كذلك بأن تدفع بالأمة إلى مجالات أرحب وأوسع . أن الملايين من أبناء الأمة العربية على اختلاف أعراقهم مبعدون ومهمشون من المشاركة في قضايا الأمة وكفاحها نتيجة لانشغالهم بقضية وجودهم والاعتراف بهم كأفراد ومواطنين لهم جميع الحقوق وعليهم جميع الواجبات وأستطيع أن أجزم أن طريق الخلاص يبدأ باختزال الجميع تحت مفهوم المواطنة وجمع ارادات الأمة ما أمكن نحو أهداف محددة وهو ما تم فعلاً داخل الولايات المتحدة وجعلها تسود العالم . ان الاستمرارية والقوة والمنعة لدول المواطنة حتى وإن بدا حيناً أن الأيديولوجيا يمكنها أن تحقق ذلك كما رأينا في ألمانيا النازية أو إيطاليا الفاشية أو ربما كما يبدو للبعض من خلال تبنيه للإسلام السياسي أياً كانت درجة حدته وقوته .
يبدو أن الأمر يتطلب من الأمة أن تقاتل في أكثر من موقع في الداخل والخارج لتحقيق أهدافها ولكن ضرورة الاقتناع بدولة المواطنة أولاً أمر في غاية الأهمية بعد أن جربنا مرحلة الأيديولوجيات . انني على يقين أن أكبر إنجاز للحضارة الغربية والتي مكنها من السيادة والتسيد والانتشار هو تحقيقها الفعلي والواقعي وتطبيقها كذلك لمفهوم المواطنة. لم تحقق تلك الحضارة شيئاً يذكر حينما كان المجتمع طبقات من نبلاء وعبيد ورجال كنيسة ولم تحقق شيئاً عندما ساد الفكر القومي المتعالي في أرجائها ( مع تقديري للاعتزاز بالهوية والتاريخ والثقافة ) على كل حال تبدو الأمور وكأن معركتنا مع إسرائيل هي الخاتمة ولكن الحقيقة إن معركتنا مع الذات والتي تجد من المقاومة الشيء الكثير داخل جيوب الأمة والتي تريد أن تمسك بعقارب الساعة من المضي قدماً هي البداية الحقيقية لانتصار الأمة على نفسها قبل أن تتمكن من الانتصار على الغير .

نتغير ولكن لا نتطور

نتغير ولكن لا نتطور
عبد العزيز الخاطر
2005 / 12 / 15
المداخل الحتمية والممكنة لمجلس التعاون
التغير سنة كونية والتطور إرادة إنسانية ، هذا التمازج بين هذه السنة الكونية وتلك الإرادة الإنسانية هو قاطرة التقدم ولكن ليس كل تغير هو بالضرورة تطور فانفلات الترابط والتلازم بينهما أو بالأصح فقدان الإرادة الإنسانية في هذا الجانب تجعل من التغير شيئاً آخر ليس بالضرورة تطوراً وتقدماً .
ما أود الإشارة إليه في هذا الخصوص وفي هذا الوقت بالذات هو أننا نشهد تغيراً في مجلس التعاون الخليجي وأجزائه المختلفة بين حين وأخر ولكن هل يمكن أن نسمى ذلك تطوراً وقد رأينا في معظم سنوات حياته حتى الآن تبعثراً وفقداناً للإرادة الإنسانية اللازمــة لدفع عملية التغير هذه إلى الأمام بل تصادماً بين الإرادات في داخله  . لنعط مثالاً على نموذج آخر تلاقت فيه سنة التغير مع الإرادة الإنسانية بشكل دائم بعيداً عن الأهواء الشخصية وهو الاتحاد الأوروبي . لقد بدأ بتسهيلات لصناعة الصلب والحديد بين فرنسا وألمانيا وانتهى اليوم باتحاد كامل تخلت معظم دوله حتى عن آخر مظاهر السيادة وهي العملة النقدية إيماناً بضرورة التطور وحتمية التغير نحو الأفضل وإيماناً بالمصير المشترك .
ثمة حلقة مفقودة بين صيرورة التغير وإرادته الإنسانية مر بها مجلس التعاون الخليجي منذ فترة إنشائه فتعطلت مسيرة التطور والانطلاق نحو الأمام ولكن ما الذى يتطلبه ضرورة الجمع بين التغير والتطور ؟ لكي يستقيم الأمر لابد اذن من مراعاة الواقع السياسي العالمي أولاً وبديلاً عن كل شئ آخر إيديولوجيا كان أم شخصياً . وما هي أهم مظاهر الواقع العالمي السائد اليوم .
يمكننا ملاحظة ما يلي :-
أولاً : أنه ليس عصر أيديولوجيات وإنما عصر يغلب عليه الطابع البراجماتي النفعي بصورة ملحوظة .
ثانياً : أنه ذو صبغة أمريكية واضحة حيث أنها القوة الأوحد والأعظم ولا منازع لها يلوح في الأفق في الوقت الحالي على الأقل .
ثالثاً : أنه عصر لـه مداخل محددة ومعينة لا يتأتى إلا من خلالها .
ولابد لنا أن نشير هنا إلى شكل ونوعية تلك المداخل الوحيدة للاتساق مع العصر المعاش بشكله الذى تمت الإشارة إليه .
أولاً : المدخل العسكري وهو ما تحاول إيران الولوج من خلاله بحصولها على تكنولوجيا القوة النووية الرادعة . وهو مدخل لا تستطيع أن تملكه كل الدول فسوف تواجه بالضرورة بممانعة قوية وشرسة من قوى النظام القائم الجديد .
ثانياً : المدخل الاقتصادي وهو ما تحاول تركيا الولوج من خلاله بالاندماج في الاتحاد الأوروبي ويتطلب بالضرورة الانصياع إلى مطالب كثيرة وعديدة وتنازلات سيادية أيضاً وهو مرتبط بالمدخل التالي بل ويقوم على أساسه .
ثالثاً : المدخل السياسي الديمقراطي وهو ما نجحت دول أوروبا الشرقية في الولوج من خلاله بتطبيق العديد من الإصلاحات السياسية ومراعاة حقوق الإنسان وبناء المؤسسات الديمقراطية .
تلك هي المداخل الحتمية للاتساق مع العصر . ما لم تع الإرادة الإنسانية في مجلسنا الخليجي ذلك لا يمكن أن يحدث تطوراً وكل ما يمكن أن يقوم هو تغير في الشكل والأشخاص والإطار الديكوري العام . ولكن أي تلك المداخل أنسب وأقرب إلى مجلس التعاون للولوج من خلاله الى داخل النظام العالمي الجديد بلا شك أنه ليس المدخل الأول العسكري ولكنه بالضرورة أولاً المدخل السياسي الديمقراطي استعداداً لبناء القاعدة الاقتصادية نحو التكامل وربما الاتحاد الخليجي الاقتصادي .
تأتي القمة الخليجية الحالية وهناك الكثير من التساؤلات لدى شعوبه عن مستقبله في ظل تباين واضح بين رؤية الماضي والضرورات التي فرضت قيام المجلس وبين الحاضر وتحدياته واختراقاته فالتغير واضح ولكن التطور غير ملموس ، فثمة تغير في شكل القيادة في أجزاء المجلس فرضتها سنة كونية ولكن المجلس لا يزال متردداً في بعض أنحائه في ولوج مدخل التطور الهيكلي نحو إقامة الدولة الدستورية في بعض أجزائه ، بمعنى أن البعض الآخر وعد أو قدم وعوداً في سبيل احداث ذلك فلا مندوحة عن مواجهة الأساسيات والضرورات إذا أراد المجلس أن يرفع عن أنفاسه كمامة الأوكسجين اللازمة للحياة والابتعاد عن الشكليات والإفرازات التي قدمتها لنا العولمة على صحن من ذهب مثل البرامج المفتوحة الحوارية التي تقدمها القنوات الفضائية والتي أصبحت هاجساً للمجلس واجتماعاته وهي بالذات من مظاهر التغير العشوائي الذى لا تحكمه ولا تسيطر على إفرازاته السيئة الإرادة الإنسانية القادرة على ذلك .
ما لم يستطع المجلس تحديد مدخله بوضوح مع النظام العالمي القائم اليوم وهو بالضرورة إنساني ديمقراطي وما لم تتفق إرادات أصحابه أولاً مع شعوبهم على ضرورة إدخال الإصلاحات الضرورية اللازمة التي تجعل من الشعوب مصدراً للسلطات والنأي بالتالي بالمجلس عن الصراعات الفردية والشخصية المتقلبة ، سيبقى المجلس كما هو منذ إنشائه لا يذكرنا شيء بوجوده سوى اجتماعه السنوي.

اسلامي ليبيرالي قومي

اسلامي ليبيرالي قومي
 ثمة وصفه تجمع التناقض الأيديولوجي
عبد العزيز الخاطر
2005 / 12 / 12
لا أدري ماذا تعني الديمقراطية حين لا تمثل هوية الأفراد الأيديولوجية أو لا يعبر عنها بأي صورة من الصور بحيث يمكن إقامة حوار حول مستقبل المجتمع وما يواجهه من مشاكل وأزمات .
فإذا كانت الديمقراطية تعني أن أنتخب أصدقائي أو أقاربي دونما وعي حقيقي وإدراك لتوجهاتهم الأيديولوجية ومدى تقارب ذلك مع توجهي فإن تلك العملية في النهاية لا تعدو كونها " جمع أرقام " لا أكثر .
ان التوجهات الأيديولوجية موجودة لدى الأفراد لا محيص عن ذلك بحكم طبيعة الاختلاف وتعدد الرؤى لديهم ، ودرجة تقدم مجتمع عن آخر في ذلك المجال ، تأتي من درجة القدرة على التنظيم والشفافية . فهوية أفراد المجتمع أياً كان هي عبارة عن تاريخ ثقافة ذلك المجتمع ومراحل تطوره التاريخية التي مر بها والأجوبة التي يملكها أفراد المجتمع لا تخرج عن تصوراتهم من خلال ذلك التطور التاريخي لمجتمعهم وإدراكهم لـه وربما اعتناقهم لبعض جوانبه أو حتى رفضه البته والتطلع الى المستقبل برؤى جديدة ضمن ثقافة الاحتكاك مع الآخر والاستفادة منه .
نحن في حاجة اليوم الى إبراز هوية المجتمع بشكل يعبر عن توجهات أفراده الأيديولوجية أكثر من أي وقت مضى حيث الهجمة على الإسلام تزداد شراسة ، ومن بين ظهرانينا من يمثل الإسلام خير تمثيل ، والقومية أصبحت داء ليس له دواء في حين أن الخالق جعل منا أقواما وشعوباً مختلفة ومن بيننا كذلك من له القدرة على إبراز ذلك بصورة حضارية وقابلة للحوار والتعامل مع الآخر. والليبرالية ليست كلها عيباً ؛ فالحرية شرط التكليف وما الى ذلك من توجهات أخرى وتحت أي مسميات. اعتقد أن مسؤولية الدولة في خليجنا اليوم تتمثل في الأساس في قدرتها على إدارة الحوار الداخلي قبل الحوار مع الآخر الخارجي . ان الضعف يأتي من شمولية الطرح الداخلي الذي لا يأخذ في الحسبان اختلاف الرؤى وتعدد التوجهات فبالتالي يعتقد المواطن العادي وتحت شعار معين أن الآخر الذي لا يمثل وجهة نظره مارق أو خارج أو حتى عدو يجب محاربته . لقد قامت في البحرين والكويت حوارات بين تلك القنوات المعبرة عن توجهات الأفراد وثمة تراكم ديمقراطي يزداد يوماً بعد آخر بالرغم من بعض المثالب التي لا تخلو منها أية تجربة فتشجيع الدولة وحياديتها أمر ضروري لإيجاد المناخ المناسب لذلك ، حيث الهدف كل الهدف أن تكون الانتخابات مبصرة أو على هدى وأن يرى أصحابها فيها مخرجاً من نفق قد طالت مسافته وحلك سواده .
كما أن على أصحاب تلك التوجهات الأيديولوجية بأنواعها المختلفة الاتفاق على فواصل مشتركة لا تجعل من الاختلاف الأيديولوجي عائقاً أمام تطور العملية السياسية في المجتمع ، فليس هناك ثمة اختلاف على تبني قضية التنمية مثلاً والحفاظ على سيادة الوطن ومناخ الحرية اللازم لذلك ، فالمشكلة ليست دائما في الدولة أو النظام بقدر ما هي بين النخب في نفيها للآخر مما يقوى سلطة الأنظمة ويدعم موقفها ويجعلها تستشري في جنوحها واستلابها للمجتمع .