الثلاثاء، 6 مايو 2025

الطبقة الفنية المفقودة

 من أجمل المشاريع التي أنشئت في قطر، مع الأسف لم يستمر، مشروع كان هدفه إعداد جيل من الفنيين تحتاجه الدولة، رأيت كثيرا من الشباب ذوي المهارات الجديدة في الكهرباء والحدادة والنجارة، لو قدر له أن يستمر وأن يدعم لحقق نتائج باهرة، هناك اليوم مدرسة التقنية على ما أعتقد «الصناعة» سابقا، إلا أنها لا تأخذ نفس الزخم من الاهتمام، والسبب ليس قصورا في الدولة ولكن في نظرة الناس للعمل اليدوي بشكل خاص، وهناك سبب آخر هو التغير لدى نفوس الشباب بسبب نمط الاستهلاك المسيطر اليوم على جميع مناحي الحياه الاجتماعية، الاجيال السابقة، كان لديها استعداد وتقبل بعض الشيء للعمل اليدوي، حيث لم تنغمس في الاستهلاك، ولو كان هناك رعاية حقيقية من ناحية الاجور والدرجات الوظيفية لهذه الطبقة المهنية المتوسطة لامتلكنا كثيرا من الفنيين في جميع المجالات.

العجيب ان معظم الفنيين من الأجانب سواء الأوروبيون منهم أو الآسيويون كانوا بمستوى «البوليتكنيك» وهي معاهد متوسطة بمستوى مركز التدريب والتطوير السابق، لكن المجتمع كان يرى من خلال عقدة الاجنبي، فنعاملهم معاملة كبار المهندسين والمشرفين في السكن وفي الأجور، عندما كنت مسؤولا من إحدى المؤسسات التي كان يعمل بها عدد من الانجليز والذين كانوا يحتلون اعلى المناصب، حين سألت عن شهاداتهم تفاجأت أنهم لا يمتلكون في أحسن الاحوال شهادة «البوليتكنيك»، وتفاجأ بعضهم بالسؤال حيث كان يعتقد أن جنسيته تكفي؟ أعرف شبابا تخرجوا من مركز التدريب على درجة عالية من الفنية في العمل سواء الكهربائي أو الأعمال الفنية الاخرى، أذكر أنني في بداية عملي بعد الثانوية وقبل التحاقي بالجامعة، كنا في حاجة ماسة لكهربائي لإصلاح الإضاءة في مبنى الإدارة، وتم إحضار أحد الشباب الذي كان يلبس «البلوسوت» الأزرق ومعه معداته وأخذ في العمل مدة أعتقد أنها طالت بعض الشىء، فصحت به «رفيق متى فيه خلاص» لأتفاجأ برده قائلا «اشفيك أنا قطري مثلك» تمنيت ساعتها لو أن الارض تنشق وتبتلعني. لم أتوقع قط أن هذا الشاب قطري وكنت أعتقد أنه آسيوي بلا جدال، لم أكن متعودا على رؤية شاب قطري يلبس هذا وبيده «سكاريب ومسامير واسلاك» أدركت ساعتها اننا كمجتمع احيانا نكون جزءا من المشكلة التي نسعى لحلها، ونبحث بعيدا، بينما نحن نعيش الإعاقة في داخلنا قبل كل شيء.إن الطبقة الفنية الوسطى هي الطبقة المفقودة في مجتمعاتنا مما يشكل إعاقة كبيرة في سبيل تطورها  واعتمادها الذاتي  على شبابها 

الدين والاستهلاك

 يأمل بعض مفكري الغرب أن تستطيع الرأسمالية مع موجاتها المتعاقبة وفي صورة متقدمة من صورها الاستهلاكية أن تحتوي الدين بصوره أو بالأحرى لكي يمكن تقديمه حسب الطلب وحسب المواصفات التي يريدها المستهلك حين يتجول في السوبر ماركت ليختار ما يريد من بضاعة حسب ذوقه وشروطه وقدرته المادية. لك أن تتصور يا سيدي أن بإمكانك أن تختار من الدين ما يناسب ميولك ونظرتك للحياة طالما أن الدين اختياري والعقيدة ليست اجبارية. فأنت بالتالي أمام تنوع مدهش، هذه النظرة الاختزالية التي تستبعد الجانب الروحي كجانب اساسي له مدخلات التي قد لا يمكن حسابها أو يستحيل حسابها ماديا وانما هي هوى يستقر في النفس لتتحرك به الاعضاء، يعتقد البعض انه بالامكان تحويل الجانب الروحي إلى مجال اختيار مع الوقت.

اعترف أن هناك تقدما مع الوقت في هذا المجال حققته القفزة الاعلامية المتطورة يوما بعد آخر مع القنوات الفضائية ووسائل الاتصال الاخرى المتكاثرة بجميع الاشكال، اصبح بامكانك أن تختار داعيتك المفضل حسب الطلب بالشكل والصورة والاسلوب الذي تحب والوقت الذي تريد كذلك. ويمثل شهر رمضان السوبر ماركت الكبير لمثل هذا الاختيار فدعايات البرامج واسماء المشايخ تحتل الصحف والمجلات قبل الشاشات، أليس هذا يعد تقدما في سبيل تسليع الدين وادراجه في السوبر ماركت مع البضائع الاخرى. هذا على الاقل فيما يتعلق بمجتمعاتنا الإسلامية، اما المجتمعات الاخرى فالأمر اكثر تقدما منذ زمن فحين استعصى على احد ملوك بريطانيا الزواج انتقل إلى عقيدة داخل الدين المسيحي أو بالأحرى انشأ عقيدة اخرى واسماها الكنيسة الانجليكانية.
عندما يعتقد البعض اننا نعيش للدين وليس بالدين يصبح في الامر معضلة. الدين جاء لتخفيف معاناة الإنسان ولإرشاده لما يسعده في هذه الدنيا. الدين جاء لنحيا به لا من اجله إلى أن تحين النهاية. النظرة لتسويقه جاءت لاعتقاد الغرب وليس كله بالطبع انه في مواجهة مع الإسلامي، هكذا خيل له أو جعله البعض يتصور ذلك نتيجة سوء العرض لهذا الدين الإنساني الخاتم.
أنا اعتقد ما لم تكن لدينا القدرة لإظهار الإسلام كما أراده الله رحمة للعالمين فعلينا وزر، أما اذا عرضنا بما يخالف ذلك فعلينا وزران.
أعتقد أن من أول بدايات دخولنا عصر التسليع الديني لاشعوريا هو التركيز على رمضان والقنوات الفضائية والتسابق على عصرنة الإسلام بحجة أو بأخرى  في حين أن في شبابنا وبدايات النهضة في دولنا في الستينيات وأوائل السبعينيات كان الدين كالهواء النقي نتنفسه ونسعى اليه ونعيش به ونحن لانملك قناة واحدة ولا سوبرماركت من حولنا وكان شيوخنا هم آباؤنا واجدادنا   ومدرسينا الاوائل.

الاثنين، 5 مايو 2025

قطر ومرتبة الإحسان

 ليس المستوى الرسمي هو وحده الفاعل في العلاقة بين دولة قطر وشقيقاتها من الدول العربية، بل كان هناك مستوى شعبي على قدر كبير من الرسوخ والصلابة من خلال النهضة التعليمية التي شهدتها الدولة منذ الستينيات وصاعداً، لم يكن الاخوة العرب من المصريين والفلسطينيين وغيرهم فقط مدرسين بل كانوا أيضاً طلاباً ودارسين في النظام التعليمي القطري الذي بدأ بقوة وبتوجه عروبي قومي جعل من الطالب يشعر بعروبته قبل أقليميته الضيقة وبإنسانيته قبل دينه الذي يعتنقه، لازلت أذكر إخواناً من العرب الفلسطينيين ذوي الديانة المسيحية يدرسون معنا امتازت العلاقة معهم بود شديد وبألفة ومحبة،   وغيرهم كثيرون، غير الاخوة من الاشقاء المصريين واليمنيين والأردنيين الذين درسوا معنا كذلك. وبعض الاخوة من السودان لا أذكر طلبة من المغرب العربي في ذلك الوقت. علاقتنا بإخواننا العرب علاقة وثيقة، لايزال هناك الكثير من هؤلاء الاخوة يذكرون الجميل لقطر والفضل أيضاً في تعليمهم، كثير منهم عادوا أطباء ومهندسين للعمل في قطر، أنا اعتقد أن إشكالية التعايش مصطنعة ولا دخل للطرفين شعبياً بها، البُعد العربي أضفى على العلاقة الشعبية بين أبناء الامة نوعا من الثبات والمشترك العام أكثر من ضيق الاجندات الايديولوجية التي عملت على التفريق بين مكونات هذه العلاقة بشكل يمكن تلمسه من ردود الافعال على تطور هذه العلاقة الايديولوجية الضيقة، كان الاخوة من الديانة المسيحية لا يحضرون دروس العلوم الشرعية ويكتفون بعلامة النجاح الموضوعة لهم لاختلاف ديانتهم عن المنهج، لم يكن ذلك يمثل لنا أي مثلبة أو نقصاً يمكن التكتل حوله بل يلتئم جمعنا بعد تلك الحصة في ما تبقى من الحصص بكل ودَ وتآلف، تلك الروح السائدة جعلتنا نتكدس خلف المقاومة الفلسطينية ونتزاحم ونحن صغار في الابتدائية لنحضر خطاب أحمد الشقيري في استاد الدوحة، كانت قطر عضواً فاعلاً، نعم لقد ساهم الاخوة الفلسطينيون في نهضة قطر التعليمية بالذات مع إخوان لهم من مصر العربية كذلك، وكذلك قطر ساهمت أيضاً في تعليمهم وفي توظيفهم بعد ذلك، إ علينا أن نوظف العلاقة بشكل أفضل لايرى فيها المواطن سلباً ولا يشعر بها الآخر مغنماً. ولا نعتبر الشذوذ قاعدة كما لا تُعتبر القاعدة شذوذاً. أبناء أوائل المعلمين من إخوتنا العرب وأحفادهم كذلك علمتهم قطر ودرسوا في مدارسها وجامعتها ولا زلت أذكر أسماء العديد منهم   نحتاج جميع إخواننا العرب ليسوا كبديل وإنما كشركاء بعيداً عن الايديولوجية الضيقة والطهورية الدينية والثورية الانتهازية.

الحياة مابعد السُلطة

  

أشفق   على كثير من  الزعماء والقادة العرب لسبب بسيط وهو عدم وجود حياة حقيقية لهم بعد غياب السلطة عنهم وحتى وإن وجدت فهي حياة أقرب إلى الجمود منها إلى الحياة، فالإفراز التاريخي لأمتنا في هذا الخصوص لا يخرج عن موت القائد أو الزعيم أو إبعاده قسراً وغيابه في المنفى وفي بعض الحالات التخلص منه ومن مرحلته بأي طريقة كانت، باستثناءات محدودة، فهذه المخرجات هي ما استوطنت عليه أمتنا ولو استعرضنا الوطن العربي نجد أن هذه هي شروط انتقال السلطة وإن تلاشت بعضها مثل الاغتيالات وبقي المراهنة على الموت لتداول السلطة. ما يدعوني إلى التذكير بهذه النقطة النماذج الغربية للحياة بعد السلطة فالرئيس الأميركي الاسبق كلينتون مثلا  بعد خروجه مباشرة من السلطة أصبح محاضراً في العديد من الجامعات وتعاقد مع جامعة أكسفورد للتدريس فيها بعد خروجه من السلطة في البيت الأبيض بوقت قصير وقبله انتقل بوش الأب إلى إدارة أعماله في تكساس بعد سنوات حامية في البيت الأبيض وغيرهما كثيرون في أوروبا ممن يمارسون حياتهم باستمتاع كبير بعد سنوات السلطة والزعامة.
فالسلطة هناك فترة مرحلية تتبعها فترات من النضج والتأمل ولكنها عندنا نهاية المطاف وغاية المنى وغالباً ما يخيب الظن في النهاية فإذا بها كارثية. مثل هذه الحالة النكوصية التي يعاني منها وطننا العربي الكبير ولا تشاركه فيها سوى بعض دول إفريقيا وآسيا، هذه الحالة التي يندفع فيها الشعب والجيش في أغلب الأحيان ليمارس صلاحياته تحت مسمى استشراء الفساد دونما خطة أو برنامج لا تمثل حلاً ناجعاً للاشكال، حيث لا آلية واضحة لممارسة العمل السياسي، فإذا بالفساد يعود من جديد وبثوب آخر. ولو استعرضنا وطننا الكبير بلداً بلداً وتساءلنا عن السلف فهو بلا شك يقع بين تلك الإفرازات التي أشرت إليها سابقاً، " دول الخليج استثاء " نظراً لطبيعة السلطة وطبيعة انتقالها "ولو تساءلنا أكثر عن المستقبل، أي ما بعد الزعيم أو القائد الحالي، فليس هناك جواب وانما الأمر متروك للقدر، فهو بالتالي لا يخرج عن تلك الإفرازات أيضاً:  ان مأساة الأمة ومكمن أمراضها يتمثل في الاستبداد فلا مخرج لها من دون التعامل مع هذا الداء حيث لا إصلاح للتربية ولا إصلاح للثقافة ولا وجود حقيقيا للتنمية دونما البدء بمعالجة الاستبداد الذي يجعل من السلطة نهاية المطاف وليست مرحلة يبنى عليها وترتكز عليها خطوات أخرى، لقد هُزمت الأمة من جراء هذا الاستبداد ونزفت أموالها إلى العدو واقتصاداته الموالية بسببه ولسبب حب السلطة أو جعلها نهاية المطاف، فلا يحتمل عربي أن ينزل من السلطة ليعامل بعد ذلك كإنسان أو مواطن عادي، وهذه في حد ذاتها إشكالية ثقافية لايقبلها العقل العربي بسهولة. لأنه يرى السلطة في تقابل مع الحياة أو بالاحرى هي الحياة فلاحياة له بعدها. 

وطني الأكبر

 كان معظم مدرسي تلك الحقبة في قطر من الإخوة المصريين والإخوة الفلسطينيين، أما الطلبة فجلهم قطريون ومع الوقت التحق بمدرستنا بعض الإخوة من البحرين الذين نزحوا إلى قطر وسكنوا الريان أو غزة القريبة منه والتي هي اليوم مدينة خليفة الغربية في الغالب.

كان الوعي السياسي واضحاً لديهم، خاصة الوعي القومي بالذات، كانت بعض أسمائهم جديدة نوعاً ما على مجتمعنا التقليدي، على كل حال، كانت المدرسة تقدم لنا غذاءً تربوياً متكاملاً وليس فقط دروساً في المنهج المدرسي، فهناك مسرحيات وهناك تفاعل مع الوضع العربي بشكل أشعرنا كطلبة بأننا نعيش العالم العربي كله بين جنباتنا ونحمل الهم الكبير من المحيط إلى الخليج ضمن حقائبنا التي نحملها على ظهورنا متجهين إلى مدارسنا، من أشهر المسرحيات التي مازلت أذكرها وربما كنت في حينه في الصف الثاني أو الثالث، مسرحية «السيف والقلم»، وهي مأخوذة من قصيدة المتنبي المشهورة وبيته الأشهر: الخيل والليل والبيداء تعرفني.. والسيف والرمح والقرطاس والقلمُ.
وفي أحد الأيام وكنت في الصف الثالث الابتدائي وقبل طابور الصباح فوجئت بتظاهرة تخرج من المدرسة يقودها الطلبة الأكبر سناً منا في الصفين الخامس والسادس تتقدمهم صور الزعيم الراحل جمال عبدالناصر متجهين نحو شارع الريان القديم العام بين قصر الشيخ خالد بن حمد أطال الله في عمره، وبيت خالد بن عبدالله العطية رحمه الله، بعد أن أشاروا لمن هم في سني بالذهاب إلى البيت.
ولازلت أذكر صورة الرئيس عبدالناصر في المقدمة.
كانت المدرسة في حينه جزءاً من النظام العربي ومن وعي الإنسان العربي بذاته وبحقوقه، كما كانت تقوم بدور اجتماعي واقتصادي مهم وخطير، فعن طريقها كان الطلبة يتلقون المساعدات من كسوة سنوية كاملة صيفاً وشتاءً، بالإضافة إلى رواتب شهرية، بالإضافة كذلك إلى تغذية يومية متمثلة في توفير الألبان للطلبة بعد الحصة الثالثة وقبل الفسحة الرسمية بين الحصص. كان طابور الصباح مهرجاناً عربياً بامتياز يفتح آفاق الطلبة على عالمهم العربي الكبير يتم فيه استعراض قضايا الأمة العربية، قصيدة هنا عن فلسطين، وكلمة هناك عن الجزائر، كانت المدرسة نموذجاً مصغراً في وعي الطلبة عن «وطنهم الأكبر».

الخميس، 1 مايو 2025

شباب الأمس وشباب اليوم

 قام البعض بإقامة أكشاك  ونسميها «صنادق»   ووضعوا أمامها طاولات وكراسي للعب الكيرم والدامة والورقة«الزنجفة» وتناول الشاي أو المرطبات وسماع الاغاني عن طريق مايكروفونات مثبتة فلجأنا إليها كشباب صغار خاصة في عطله الصيف الطويلة المملة، مما أغاظ حفيظه «الشيبان» واعتبروا ذلك خطرا على مستقبل ابنائهم فتنادوا محذرين ومتوعدين الابناء بأن لا يذهبوا ولا يجلسوا في هذه الاماكن، وأتذكر أنه في تلك الاثناء لأول مرة أستمع إلى كوكب الشرق السيدة أم كلثوم وهي تشدو بأغنية «أمل حياتي» أما التهديد الخطير الثاني فكان افتتاح النادي، وكلمة نادي لها مدلول سيئ لدى «شيبان الريان وقطر عموما وعانى المؤسسون للنادي من صعوبات وترحيل وشكوى بين الحين والآخر من الجيران وإعدام أي كرة تتعدى حدود النادي داخل بيوت الجيران ناهيك عن تحدي سابق كانوا يواجهونه بحزم وهو وجود القهاوي وتكاثرها حتى أصبحت «الكيمة» والسبجي» وهي أكلات هندية هي للاطباق المفضلة لدينا وكان خوف الشيبان على اولادهم من سوء الخلق عند الجلوس فيها وصحبة السفهاء و«السرابيت» من الناس،حيث كان النمط السائد تناول الاكل داخل البيت أو عند صديق أو قريب وليس في الشارع مما يعرض شخصية الانسان للاهتزاز في نظر الآخرين، في مثل هذه الجغرافيا المغلقة نشأنا، وقد كان المد القومي على أشده ولربما شكل هو كذلك لفتيان في اعمارنا تاريخا مغلقا إلا انه استطاع ان يمس قلوب الكبار قبل الصغار فتحولت الحياة إلى موقف حتى وإن كانت صعبة أو قاسية طالما عصب الكرامة والعزة والأنفة لم يُمس.

الثلاثاء، 29 أبريل 2025

مثقفي " المول" وكيفية الاستفادة منهم

 مع ازدياد عدد المولات والمتاجر التجارية في البلاد ومع ازدياد عدد المتقاعدين القطريين القادرين على البذل والعطاء، كرست المقاهي ثقافة جديدة في المجتمع، هي ثقافة الهوامش، شباب ورجال على قدر من الثقافة ويحملون درجات علمية من جامعات عريقة، تسمعهم يحللون ويناقشون مشكلات المجتمع والمحيط العربي والعالمي بكثير من الرؤية الصائبة والعقلانية، إلا أنهم يعيشون على الهامش    دون التبصر بالاستفادة من خبراتهم   خارج  الإطار الرسمي  مما أفقد المجتمع قدرة تداولية واتصالية هامة جدا، ثقافة المقهى، تختلف عن ثقافة المجلس، ثقافة المجالس تقوم على التشابه فأن تذهب للمجلس الذي يوافق ميول افراده، بينما ثقافة المقهى أكثر انفتاحا على الآخر وتنشأ بالتالي علاقة جديدة مع الآخر، هؤلاء الشباب والكبار الذين هم خارج إطار الفاعلية وخارج تيارالمشاركة الفعلية في وضع تصورات نظرا لخبرتهم المكتسبة وتجربتهم العملية، أنا لست مع استيعابهم حكوميا مرة أخرى، لكنني مع تشجيعهم وتطمينهم في إنشاء ثقافة موازية للثقافة الرسمية، مع الوقت وتزايد عدد السكان سيفتقد المجلس دوره أو سينعزل المواطنون بين جوانبه، بينما ستنشأ  ثقافة موازية  على جنبات المقاهي، ويمكنك ملاحظة ذلك اليوم وبسهولة في مقاهي المولات كل فئة لها مقهى أو عدد من المقاهي تجتمع فيها، بل ولاحظت كذلك أنه حتى بحسب تخصصاتهم فالرياضيون منهم في مقهى والبقية في مقهى آخر أو طاولة أخرى، مجتمعنا قادم إلى ثقافة المقهى بلا شك، ويجب تعزيز الدور القطري فيه لأنه مشاركة أكثر منه عزلة كما تمثل ثقافة المجلس، بعد فترة قادمة سيصبح لثقافة الهامش المتمثلة في المقاهي المنتشرة في الدوحة بتكاثر واضح دور في تشكيل الرأي العام، وستعاني ثقافة المركز من ضغط كبير،   مع تزايد عدد السكان وجنسياتهم وثقافاتهم، قد يصبح المجلس مثل «الكوجيتو» بعد أن كان هو الثقافة العامة المشتركة. نشاطات تشجيع المحافظة على الهوية الذي نشهده شتويا كل عام لا يكفي لأنها مقتصر عن ملاحقة التطورات وقائمة فقط على إعادة ما سبق من عادات وتقاليد للمجتمع، المقهى شكل من أشكال التعبير الحر، وقطر بلد مضياف  يكفي فقط زيارة سوق واقف لترى بروز أماكن ومجال واسع لثقافة جديدة هي ثقافة المقهى، وهذه لا يمكن أن يتعامل معها سوى آليات المجتمع المدني والقادرة وحدها على تهذيبها وإعلائها، وستمكن المجتمع  من التعامل مع ندرته السكانية بشكل أكثر كفاءة وستبسط سيطرته على الرأي العام، حتما سيتشكل رأي عام في المستقبل، فإن ترك المجتمع   دون آليات واضحة فسيكون خارجه مستقبلا،  .