علاقتنا بالمكان ليست علاقة جغرافيا أو مجرد حدث تاريخي بل علاقة وجودية تجعل منه كائناً آخر أو ذاكرة أخرى تحمل في طياتها تاريخنا الشخصي والجمعي, يرى هايدغر أن المكان هو أفق كيوننتنا , نحن " نُلقى في العالم وهذا الإلقاء يتم في مكان محدد يسبق وعينا به, فحين نغادره لانتركه بنياناً و جدراناً بل نترك جزءاً من ذواتنا متجذراً فيه, تجد كثيراً من كبار السن يرفضون ترك بيوتهم القديمه حيث نشئوا أو عاشوا طفولتهم أو شبابهم فيها, لأنها أصبحت جزءاً من كيانهم الشخصي فالمكان يحفظ الاحلام اكثر من حفظه للأشياء, فالفلسطيني الذي يحمل مفتاح بيته المهدوم او المشرد من وطنه الذي يحمل اسماء الاماكن التي طمست بفعل الاحتلال أو السكان الاصليين في الشرق والغرب الذين يحفظوا اسماء قراهم التي مسحها السكان الجدد ليس هذا سوى اسلوب مقاومة للمحتل الجديد عبر الذاكرة المكانية فالذاكرة والمكان ليسا فقط نشاط عقلي ولاجغرافيا على خريطة وانما هم أسلوب مقاومة فعال, نحن لانمتلك اماكننا بل هي من يمتلكنا , المكان لايموت نحن من يموت, المكان هو الغرف الي سكناها , والبيوت التي عشنا فيها, والشوارع التي مشينا على ارصفتها, والجدران التي كتبنا عليها خربشات حبنا الاول , هو مجموع ضحكاتنا في فضاء الفريج , هو شجر المنتزهات والحدائق الي زرناها, المكان لايموت بل هو من يحملنا لندفن مثل نخلة تحمل اسماء عشاقها الذين نقشوا على جذعها تواقيع مرورهم عليها قبل أن يغادروها الى الابد.
الأحد، 23 نوفمبر 2025
الجمعة، 21 نوفمبر 2025
مجتمع بين القدوة والنخبة
في كل مجتمع هناك قدوة وهناك نخبة أو " صفوة" المجتمع الذي يخلو منهما أو من أحدهما يعيش في فوضى وعدم توازن , ولكن ما لمقصود بالقدوة تقليديا على سبيل المثال لا الحصر,الأب قدوة للعائلة والمعلم للتلاميذ قدوة في مرحلة ما, أما النخبة فهي من يملك الاقتصاد والنفوذ والمكانة الاجتماعية العليا , مع اعترافي بهشاشة المفهومين , ستجد أباً غير قدوة لعائلته ومدرسا لايصلح ان يكون قدوة لطلابه , وصاحب نفوذ ليس جديراً بأن يكون من الصفوة أو من النخبة, دعونا نوضخ الفرق بين هذين المفهومين وأثرهما في المجتمع ؟ القدوة يغير الناس من الداخل بالالهام والوجدان , بينما الصفوة أو النخبة تغير المجتمع من الخارج بالسلطة والنفوذ, ستجد القدوة محبوباً وليس بالضرورة تجد النخبة محبوبة بل في اكثر الأحيان العكس صحيح, القدوة هو الانسان الذي مثالاً يرى الناس فيه أفضل نسخة ممكنه , وكثيراً مايكون ليس في اعلى المراتب من مراتب النفوذ,, القدوة لاتكون بقرار رسمي ولا تورث بل تصنع بالإختيار وبالمحبه ودورها اخلاقي تربوي فهي المناعة الذاتية للمجتمع أما النخبة فهي عقل المجتمع لانها تملك التأثير والنفوذ وهي ليست شراً بذاتها إلا إذا خلت من الشعور بالقدوة والمسؤولية وهنا يبدو التلازم مثالياً ونادراً وحالة مثالية بل وأعظم لحظات التاريخ كما حصل في تاريخنا الاسلامي أن يصبح الخليفة سلطة وقدوة , وفي ماضينا القريب هناك كثير من القدوات في جميع مفاصل الحياة في المجتمع , في الاسرة وفي المدرسة, وفي العمل بل هناك الكثير ممن جمع القدوة والصفوة في المجتمع , لكن نحن في عصرنا هذا نعيش ازمة حقيقية بسبب سيطرة الاعلام التجاري والسطحي الذي أظهر نماذج من القدوة للشباب لاتساعد على علو المجتمع أخلاقياً قطفوا الشهرة قطفاً بلا عناء أو أرضية تحمل المعنى, كذلك نعيش اشكالية مع النخبة التي انفصلت ولم تعد تشعر بنبض المجتمع., فالقدوة دون نخبة تصبح عاجزة كما أن النخبة دون قدوة تصبح جامحة , من الضرورة بمكان التوازن بينهما وترك القدوة تنبت طبيعياً وتذكير النخبة أنها وليدة المجتمع ومسؤولة تمام المسؤولية عن رخاءه وإزدهاره.
الأحد، 16 نوفمبر 2025
الصورة, وإغتيال الحقيقة
لم تعد الصورة تنقل الواقع بل اصبحت تصنعه , أصبحت نظام معرفي يعيش الفرد داخله , أذكر أننا أول مانصل الدوحة نذهب الى شارع الكهرباء ومشيرب وشارع الشيخ عبدالله بن ثاني, حيث استديوهات التصوير , ونحرص حرصاً شديداً على التقاط صورة فوتوغرافيه في احداها واذكر منها ستديو الجمهورية العربية المتحدة وستديو البديع وغيرهما, لحظة لاتنسى الوقوف أمام الكاميرا وكثيراً ما يطلب منا أن نلبس الجاكيت او " الكوت" المعلق وهناك ايضاً باروكة لمن ليس له شعر ويريد التصوير بدون الغترة والعقال , إستعداد كامل , ونقف وقفة الرجل القديم حيث الثبات وعدم الحركة واحيانا يطلب منا الابتسامة لشدة اللحظة التي نعيشها , ثم نظفر بهدية صورة مجاناً , تلك الصورة تعكس واقعاً ثابتاً ومجتمعاً متماسكاً لو قارنتها اليوم بما يسمى " السلفي" ستجد فارقاً كبيراً في النظام المعرفي السائد في المرحلتين إنسياب بعد وقوف , حركة بعد ثبات., لو تصورنا أن الصورة القديمة في الاستديو هل الأصل , فصورة " السلفي وغيرها من الصور الثابته او المتحركة كسناب شات وغيره هي مجرد نسخ عبر تراكمها الزمني الذي أخفى حقيقتها وحل مكانها , أصبحنا نرى انفسنا من خلال الصور وليس من خلال الواقع , هناك من يقول ان الكاميرا ليست محايدة بل تخفي مع استخدامها ايديولوجية, فهي مع استخدامها المستمر تشوه الواقع ولاتعكس حقيقته, أنظر الى مشاهير الصورة في ادوات الاتصال الاجتماعي وكيف اكتسحوا المجتمع والشهرة , لو وضعت صورة توفيق الحكيم او يوسف أدريس أو المنفلوطي وعبدالله الفضالة وغيرهم , ربما كثير من شباب وشابات الجيل الحالي لن يتعرف عليهم بقدر ما يتعرفون على نجوم ومشاهير الصورة والتصوير, الصورة النصية التي كانت في المجلات والكتب إختفت أمام الصور الرقمية المتحركة اليوم , فالصورة اليوم تؤجل الحقيقة باستمرار بدل أن تظهرها, فالصورة بعد التقاطها اليوم تسجنك في إطارها فترى نفسك من خلالها, أصبحت موضوعاً للإستهلاك من جانب الغير, افلتت من صاحبها خاصة بعد استخدام ودخول عصر الذكاء الاجتماعي , يجري التلاعب بها فقد تجاوزت الواقع الذي اصبح مجرد إحتمال, ودفنت الحقيقة تحت ركام من التقدم التقني الزائف وقريباً ستدفن الانسان ذاته ويصبح العصر عصر الصورة بإمتياز ونصبح نسخ قديمة من التاريخ.
الخميس، 13 نوفمبر 2025
الوجاهة معنى أم مبنى؟
الاثنين، 10 نوفمبر 2025
في الفريج كانت الذات أولاً
في ستينيات القرن الماضي وحتى أوائل الثمانينيات منه, كانت الفرجان في قطر مكاناً رائعاً لممارسة الهوية كسرد,أو رواية, في الريان حيث كنت اعيش كانت جميع عوائل قطر وقبائلها تقريباً اجزاء منها تقطن هذه المنطقة التاريخية من قطر , بمجرد أن تخرج من بيتك أنت في علاقة أفقية مع الآخر المختلف عائلياً وقبلياً في جوف الفريج ننشىء علاقة مع الاخر الاجنبي , صاحب الدكان الايراني , وراعي القهوة الهندي وصاحب الكراج الباكستاني ناهيك عن كثير من الاخوة العرب من مدرسين واطباء ومهندسين , اصغر أبناء الفريج يحكي قصة الفريج تماماً كما يحكيها الكبار , اتصال أفقي جميل ومريح ,كنا نتقهوى في مجلس أحد الشيبان ونتعشى على "دجة" آخر من عائلة أخرى هكذا بكل تلقائية وفي المجلس المجتمع كله يلتقي نظراً لهذا التنوع الموجود في الفريج, لانعرف القبلية , ناهيك عن الطائفية, العلاقة قائمة على الالتقاء لاتكاد تحس بالعمق بقدر ما تستطيع أن تلمس وتحس باللقاء وحرارته, الذي جعل الفريج خالياً من الغموض الذي يُربي الخوف وينشأ الستار بين الافراد , هذا الاختلاف الجميل جعل من الحياة هوية لم نكن في تشابه من حيث الانتساب لقبيلة واحدة او لعائلة واحدة , لم نكن ننتسب الا الى قطر من حيث تاريخ التواجد فيها أولاً كان ذلك أو لاحقاً, لم نكن جميعاً على مستوى واحد من حيث مستوى المعيشة أو ومسافة واحدة من السلطة , إلا اننا جميعاً لانحس بالفروقات الدولة وحب الوطن والقيام بالواجب كان مبثوثاً في كل مكان نلتقي بالمسؤولين واعضاء العائلة الحاكمة الكريمة أو الوجهاء من أهل قطر ,الالتقاء شبه اليومي والتشاور والتناصح والتدوال المستمر لمشاكل الفريج بين مكونات الفريج كان ملموساً في جميع فرجان وأحياء قطر,هذا التمازج اوجد هوية سردية تعيش وجودها بقدر تواجد الاخر , هذا الاغتناء أوجد قطرياً يعي ذاته بقدرالوعي بوجود الاخر الغير قطري ,كنا ذواتاً قبل أن نكون هوية.
الخميس، 6 نوفمبر 2025
كم عمرك؟
أذكر أني منذ عقود مضت سألت فتاة أنجليزية قائلاً : كم عمرك؟ فإذا هي تفاجئني برد صاعق قائلةً: أنت وقح . فإذا بصاحبي ينبهني قائلاً لا تسأل المرأة عن عمرها لأن في ذلك وقاحة من وجهة نظرهن. ومنذ ذلك الحين لم اكرر مثل هذه الغلطة, لكن مع مرور الوقت وجدت ان الرجال كذلك ليس فقط لديهم حساسية من سؤال العمر بل أن علاقتك تتبدل وربما تنقطع لو تجرأت وسألت بعضهم عن عمره وفي أفضل الحالات يكرهك ويبدأ في تجنب اللقاء بك.مالسبب الذي جعل من سؤال العمر إحراجاً؟ لماذا يخشى الرجل من ذكر عمره الحقيقيى ويتحاشى ذلك؟, كثيرون استبدلوا اعمارهم الحقيقية بتواريخ جديدة اصغر , هذا ليس فقط تزييف بل لعب في أوراق رسمية, ثمه فجوة بين الانسان وعمره في الاذهان هل للمجتمع شأن فيها؟ هل يمارس المجتمع ضغطاً على الانسان لكي يخفي عمره؟ تعدى الثلاثين ولم يتزوج؟ بلغ الاربعين ولم ينجب؟ جاوز الخمسين ولم يترك له من يرثه؟,في الشباب نعيش وهم الزمن الانهائي, نهمل الصحة, نؤجل كثيراً من القرارات فيداهمنا العمر الحقيقي بعد ذلك ليقض مضاجعنا, لعل الانسان هو الكائن الوحيد الذي يدرك أنه سيموت, لذلك السؤال الملح دائماً ليس كم عشت ولكن كم بقي لي من العمر , فوجودنا هو وجوداً نحو الموت لذلك يبدو سؤال العمر سؤلاً مخيفاً كذلك الخوف من الشيخوخة وفقدان الصورة التي رسمناها ايام الشباب , افضل من تناول الخوف من العمر هم الرواقيون حيث اعادوا تعريف النجاح ووضعوه ليس بمجرد مرور السن وانما بالمعنى الذي نضيفه في حياتنا كما أن ممارسة الامتنان تذكرنا بما حققنا لا ما فاتنا وكذلك التأمل في الموت نفسه لنجعل كل يوم هو اليوم الاخير في حياتنا بمثل هذه الخطوات نتخلص من الخوف من تقدم العمر والانحدار نحو النهاية. من يخاف من ذكر عمره يفقد جزءاً هاماً من معنى حياته ويخفي حقيقة كانت نستلزم الامتنان لله عز وجل وفقد الألفة مع تلك السنين او الاعوام التي عاشها والتي اسقطها خوفاً نظرة المجتمع او خوفاً من قادم آت لامفر منه
الاثنين، 3 نوفمبر 2025
الحرية " أفق" قبل الممارسة
عندما ذكرت في مقالات سابقة أن الحرية تأتي قبل الهوية . رفض الكثير ذلك وقال بأن الهوية تأتي قبل الحرية وإنه من خلال هويتي أمارس حريتي , هنا يبدأ الخلط لديهم بين الحرية كأفق ,الحرية كممارسة, كنت أتحدث عن الحرية كأفق وليس كممارسة, فالحرية كأفق هي مايجعل الانسان مسؤولاً عن ذاته قبل أن يكون مسؤولاً عن الاخرين, بهذا المعنى الحرية لاتقاس بمدى ماتفعله بل بمدى تنفتح عليه كإنسان قادر على الاختيار والفهم والتجاوز, بمعنى ان الافق يتيح الامكان بينما الممارسة تُجسد الامكان فالحرية هنا مسألة وجود قبل ان تكون حقاً بل شرط ان يكون الانسان "أنا" حقيقية فالمجتمعات التي لم تنتج ذاتها كأفق حر تكون ممارسة الحرية فيها مجرد تقليد بدون روح حقيقية , كالديمقراطية في مجتمعاتنا العربية, فنحن نمارس شروط الديمقراطية بإفق غير حر قادم من الهوية الدينية أو القبلية أو الطائفية, لكن أفق الحرية أن تجد نفسك منفتحاً أمام جميع الامكانات ثم تشرع في ممارسة حريتك انطلاقاً من هذا الافق وما تختاره من إمكان وتعدم غيره من إمكانات, لايمكن لمجتمع ان يمارس حريته قبل ان يؤمن بها كأفق داخلي للذات , الحرية كأفق أن يحضر الوجود أمامك قبل أي ممارسة , فالحرية إذأً هي أن نكف من أن نطلب الإذن في أن نكون وهي بالتالي تحرير الذات من الوصاية بأي شكل من الأشكال , من هنا ندرك لماذا هي تأتي قبل الهوية على الرغم من صعوبة تصور ذلك لدى الكثيرين