السبت، 19 أغسطس، 2017

وعي الأزمة أم أزمة الوعي




أوجدت اأزمة الخليج الراهنة وعيا جديدا لدى المواطن القطري  أو بالاحرى أعادت تركيب الوعي  بحيث يُصبح وعيا وطنيا بإمتياز يعمل على تأهيل الذات وإمتلاك حقائق العصر  ومتغيراته  ويبني أفقا جديدا للأسئلة  على جميع المستويات. جاءت الازمة لتخلق وعيا  جديدا  في العلاقة بين الوطن  والمواطنين , بين المجتمع والقيادة , بين أفراد المجتمع بعضهم البعض , جاءت الازمة  لتعيد تركيب الوعي الوطني بحيث يصبح الاعتماد على الذات مصدرا للوجود , جاءت لتزيح  عادة الاستهلاك وتحولها إلى إرادة الانتاج, جاءت  لتملأ مساحة الانتظار في  نفوسنا الى  خطوات عمل حثيثة, اعادت الأزمة إنصهار الوعي في بوتقة واحدة  بوتقة الوطن بعيدا عن أي مرجعية اخرى , طرحت الازمة تساؤلات ثقافية جديدة  على المجتمع  مثل "إلى أين " وكيف السبيل"؟ لأول مرة يشعر المجتمع أنه يُسير قطاره بإرادته  وبقوة دفعة متجاوزا كل العراقيل التي أوجدها الحصار في طريقه .الازمات عادة غير مرتبطة فقط  بمسؤولية من يحكم , لكنها مسؤولية جميع  المنظومات والشرائح في المجتمعات سواء  كانت سببا مباشرا أو كانت  مجرد موقفا سلبيا  وانسحابيا . لقد كان سمو الامير الشيخ  تميم حفظة الله صادقا تمام الصدق  عندما قال أن قطر" لن تعود الى مرحلة ماقبل الحصار" فعلا لايمكن أن يعود وعي ما قبل الازمة , لقد أحدث الحصار كما قلت وعيا جديدا  لايمكن تجاوزه  والعودة الى ما مضى. المجتمع القطري يتطلع للمستقبل  منفتحا على جميع الثقافات , متحررا من جميع القيود التي تقف أمام حريته وممارسته  لإرادته ,لأول مرة أشعر بأن المجال العام  في قطر ممتلىٌ  بالصحفيين والكتاب والاعلاميين  يتحدثون الى القنوات الدولية بكل حرية  يبثون بآراءهم ومقتراحاتهم  وأفكارهم دونكا خوف أو مراقبة أو وجل , وبعض هذه الافكار  لاتتفق مع الرؤية الرسمية , إلا أنه  لايضير الدولة  ولا الحكومة , هذا الوعي بالحرية أوجدته الأزمة, لكن الرهان هو على استمرارة  وعدم إنزلاقه الى أن يُصبح أزمة بحد ذاته وهو ماتسعى دول الحصار جاهدتة  الى تحقيقة  من خلال اختلاق الهشتاقات القبلية والطائفية  وبث سنابات التفرقة  وإثارة النعرات واللعب على وتر القبيلة الممتدة  والانزلاق الى قصائد  تمجيد القبيلة  وتفضيلها على غيرها  من القبائل داخل المجتمع الواحد وإرجاع المجد   الى فئة دون غيرها وتسجيل النقاط على أن ذلك إنجاز للقبيلة   أو للعائلة على حساب   الوطن . يتعرض الوعي الذي أوجدتة الازمة الى ضغط شديد ليتحول الى أزمة في الوعي  وإنشطارٌ في داخله , لذلك يجب الانتباه الى خطورة ذلك , هناك هجمة شرسة من طرف دول الحصار  لتجزئة وعي مجتمعنا الذي أنتجته الازمة والذي  كان بمثابة إنتصارا تاريخيا في قوة تماسكة وصلابته. وعملا دؤوبا  لايجاد أزمة وعي  تقوم على ماقبل الوطن من عشائرية وقبلية وطائفية , أستمع الى تسجيلات من هنا وهناك بعضها مدسوس وبعضها مغررٌ به  تعتمد على  الدفع بالقبيلة وبالعائلة وبالافراد  في محاولة كما قلت لتجزئة  الوعي الوطني المتحقق .... حذار أن يتحول  وعي الازمة الى أزمة وعي  لايمكنهم تحقيق أي نصر سوى أن يتحقق لهم ذلك  وإن تحقق لهم ذلك لاسمح الله فإن إنتصارهم عظيم حتى بعد رفع الحصار لأن أزمة الوهي ذاتها  هي أشد أنواع الحصار الذي يمارسه شعبا على نفسه.

الأربعاء، 9 أغسطس، 2017

الأزمة ...أزمة نظام تعليم أيضا



هب ان مجموعة من الناس استقرت في صحراء قاحلة فإن أول ماسيفكرون فيه هو إنشاء مجتمعا وسيبدأون اولا بحاجاتهم الضرورية اللازمة لحياتهم , وبعد فترة وبعد أن يجتازوا صعوبات البداية وبعد ان يتكاثر عددهم بحيث يصبح بعضهم مزعجا للبعض الآخر وتبدأ المصلحة الفردية في السيطرة على الانفس  تنشأ الشرور , يبدأ المجتمع في التفكير في تشكيل حكومة او يجهاز يدير المجتمع فالحكومات أساسا تنشا لمنع الشرور من التفاقم كما ان الاتحادات الاقليمية تنشأ كذلك  خوفا من شرور العالم المحيط, فلو أن النوايا تظل صافية وموحدة وملتزمة  فليس هناك حاجة لقانون أودستور, ومن هنا جاءت فكرة العقد الاجتماعي.ولكن كيف تستطيع الحكومات ان تحافظ على الأمن ؟ لكي تحقق ذلك و تقوم بإنشاء مدارس حتى تضمن أن يكون الناس مطيعين وستدعو الى التعليم وستنيط بالمدرسة دعم البناء الاجتماعي ومحو الامية ستتمكن الاجيال من القراءة والكتابة وسترسل البعثات للدراسات التكميلية بشرط أن تظل الاجيال محكومة  وضمن نطاق السيطرة  سواء من ناحية المنهج أو من ناحية الثقافة المسيطرة التي تجعل من الهوية  تأتي  أولا قبل الحرية, سيتمكن الناس من المعرفة ولكن لن يتثقفوا ولن يصاحب ذلك نموا في شخصياتهم, وسيصبحون جزءا من المشكلة المتفاقمة  في المستقبل , كما نشهد اليوم في ازمة الخليج  حيث أن الدور المناط بالمجتمعات ليس هو الفهم وانما التكتل والدفاع. يذكر "لينين" أنه لاوجود للسيلسة بدون قراءة وكتابه بل بدونهما لايوجد سوى الكراهية والاحقاد والاشاعات.  أليس هذا مانشهده اليوم في ازمتنا الراهنة في الخليج , لان العلاقة الضرورية بين التعليم والحقوق السياسية مفقودة  في جميع دولنا الخليجية سوى الكويت حيث مناهج التعليم مكرسة  للحفاظ على الاوضاع الراهنة  وتخريج أجيال مطيعة  لضمان استمرار السيطرة, متى ما استخدمت المدرسة من اجل بناء المستقبل  يصبح المجتمع أكثر قوة ومناعة  واكثر تعددية , في مجال الرأي  وإيجاد البدائل , تحتضر الدول عندما تستنفد برامجها التعليمية دورها  واقتصارها  فقط في إنتاج الطاعة  والخضوع , مناهجنا التعليمية بل أنظمتنا التعليمية في الخليج  تحتضر ويحتضر معها مجتمعاتنا ودولنا كذلك, التعليم من أجل البقاء ليس التعليم من أجل التغيير , العلاقة بين نظام التعليم  والحقوق السياسية  علاقة متلازمة  لكي تمارس حقك السياسي لابد لك من التعليم ولكن تتعلم لابد لك من ممارسة حقك السياسي كذلك و في خليجنا جرى فصل واضح نظرا لقصور الدولة عن الاكتمال  مما جعل عملية التعليم مبتوره  ويجد المتعلم نفسه بعدها مضطرا للدخول في الانفاق الاجتماعية الاولية التي لم تصلها السياسة بعد., فرصة أن نعيد التفكير في نظامنا التعليمي وفرصة مؤاتية هذه الازمة لربط  بالبدء في العملية السياسية  الدستورية ولو على خطوات  حتى لايصبح التعليم هدرا  وتعيش الشعوب الازمة  تلو الازمة وهي لاتعلم  كيف بدأت وإلى أين ستنتهي.

الأحد، 6 أغسطس، 2017

علمانية "العتيبه" الفخ المنصوب



أعتقد أن سفير الامارات "العتيبة" في الولايات المتحدة الامريكية نصب فخا  لتحويل مجرى الازمة  من مسارها  الطبيعي الى مسار آخر مفتوح تماما أمام التأويل  والاستطراد  بحيث تتحول من كوَنها أزمة مادية "حصار وعدوان " إلى قضية فكرية قابل للنقاش ولكنها غير قابلة للحسم لأنها مستوردة من الاساس ونبته لم تُزرع بعد في أرضنا الخليجية ولاأعلم إذا كان العتيبة يقصد ذلك أم لا ,أم أنه استخدمها سياسيا لمخاطبة العقل الغربي الذي يفهمها  جيدا حيث هي إحدى سياقاته التاريخية وأعتقد أن هدفه كان سياسيا  وليس فكريا  ولي هنا بعض الملاحظات:

أولا: معظم المعلقين  والمتحدثين إجتزأ  لفظ "العلمانية" وبدأ في تحليله وتفسيره  وكأنه لفظ"خُلص" له مدلول  واضح , في حين أن كان نتيجة لسياقا مجتمعي طويل  مرتبط بمفاهيم اخرى كالديمقراطية  والانوار  والعقلانيه وكشف السحر عن العالم ... وغير ذلك من المصطلحات التي أخذت سياقات  عميقة من تاريخ الغرب.

ثانيا:هو فخ لأنه وجه الانظار  الى الوجهة الخطأ التي يجب أن تتوجه لها أنظار شعوب الخليج الآن بالذات وهي قضية الاصلاح السياسي, فبدلا من تناول هذه القضية التي تضع الدول والشعوب في هذه المنطقة أمام مسؤولياتها, أصبح الموضوع إتهام تاره ونفي تارة أخرى  ومحاولات خجولة للتبرير بين علمانية استبدادية وعلمانية عقلانية وكلاهما  غير ذي صلة بواقع مجتمعاتنا الخليجية.

ثالثا: كشفت هذه الواقعة  أزمة الثقافة في مجتمعاتنا بشكل واضح حيث لافضاء حر  ولا مجال عام لها بعيدا عن سلطة الدولة ورغبة الانظمة, هذا موضوع فكري فلسفي تناولته وسائل الاعلام  والمحللين  بشكل دفاعي لأن "العلمانية " في نظرنا "تُهمة" وليست سياق تاريخي , واتينا بالتفسيرات الجاهزة من المعاجم  من علمانية شاملة واخرى جزئية "المسيري"وهي دراسات  قامت لتفسير نمط الراسمالية وتطورها واثرها على النظام الاجتماعي في مجتمعات الغرب.

رابعا:كان من الاجدر بدلا من الرد على السفير"العتيبة"  ومحاولة اسقاط ما تلفظ به على مجتمعاتنا بالذات  وعلى السعودية بالاخص واستنكار ذلك , أن ينبري أحد مسؤولينا أو وزرائنا  لتصحيح ذلك بالاشارة الى إستبدال لفظ "العلمانية" التي  تلفظ بها او المجتمع العلماني بصوره أدق الى لفظ "الاصلاح السياسي" حتى يمكن حصره في زاوية محددة متفق عليها بدلا من أن يبدو وكأنه  يمتلك   زمام الاثارة التي لاتزال تتفاعل. فتحولت أزمة الثقافة التي أبرزها مثل هذه التصريح الذي قفز الى النتيجة قبل أن يوضح الاسئلة والاجوبة التي أوصلت إليها إلى أزمة "لقافه"  من جانب الردود عليها  والتفاعل معها بشكل سطحي  ومبتور.

خامسا:مجتمعاتنا ليست عقلانية بمايكفي  وليست ديمقراطية بعد  وليست تعددية  ومع ذلك  يأخذ منا مفهوم "العلمانية" كل مأخذ  وهو اشبه بالنسيج الضام لكل هذه المفاهيم  مع بعض  في سياق تاريخي  يزداد كثافة هنا وتقل كثافته هناك .فليس هناك علمانية  تقف لوحدها حتى يمكن رجمها أو شتمها أو في المقابل إحتضانها, هذا الانكشاف الثقافي دليل على غياب المجال العام الثقافي  البعيد عن  السلطة  أو ليس له سوى مساحة  هامشية لاتذكر.

سادسا: العلمانية كما اشرت سابقا هي سياق  تاريخي داخل المجتمع  يكون مساوقا لسياق التدين فيه , فهناك علمانية بعدد  سياقات التدين في المجتمعات, أما في مجتمعاتنا فسياق التدين فيها  "فقهي " وليس لاهوتي لذلك تنتج سياقات فقهية مقابلة لها  يعظم من شأنها الاستبداد السياسي الذي يستخدمها لتطويل  مدة بقاؤة في السلطة, فالسياق الحقيقي في مجتمعاتنا إذن هو الاستبداد  ويستعين  بالتدين الفقهي, لذلك السياق الذي يجب أن نُركز عليه كمقابل  لهذا السياق"الاستبداد" ,هوسياق الاصلاح السياسي للخروج من الاستبداد وليس العلمانية التي نشأت كسياق مقابل للسياق الديني اللاهوتي في الغرب.

سابعا: كما أشرت الازمة ثقافية بالدرجة الاولى وأول  خطوات إجتيازها  هي  في تحرير الثقافة والفكر من قبضة الدولة  والسلطة في جميع دول المنطقة, حتى  لانطرح الاسئلة الخطأ في المكان والزمان الخطأ  ومن ثم تأتينا الاجابات خارج  الزمان والمكان,فاثبتت الازمة أم ن مثقفي السلطة اشد خطر  على المجتمعات من أزماتها السياسية أو هم من أعراضها وسبب في ديمومتها.

الجمعة، 4 أغسطس، 2017

الأزمة الخليجية.... "الحكم" على التاريخ أم محاولة تفسيره.






أعتقد أن مشكلتنا التاريخية هي مع التاريخ ذاته, وتمثل أزمة الخليج الراهنة  إحدى صور هذة الأزمة  بشكل سافر . التاريخ كعلم في عالمنا العربي وإسلامي  لم يتطور بشكل يجعل منه  علما مستقبليا , كما هو الحال عند الغرب حيث ظهرت مدارس تاريخية كبيرة كان لها أبلغ الاثر في  دفع تلك المجتمعات نحو المستقبل  من خلال "تفسير: التاريخ وليس من خلال "الحكم عليه . من أشهرها مدرسة الحوليات وفروعها المتعددة,وغيرها من المدارس  مثل مدرسة توينبي المؤرخ الانجليزي المشهور ونظرية التحدي والاستجابة الى غير ذلك. ظلت مدرستنا التاريخية تنطلق  من  خلال "الحكم على التاريخ " وليس من خلال تفسيره" حتى يمكن حلحلته وتحريكة وبالتالي تجاوزه. أنظر مثلا كيف نحكم على مراحل الدولة العربية  عبر التاريخ  وفي العصر القريب أنظر كيف جرى الحكم على الحقبة القومية  مثلا وكيف تم إصدار حكم بالاعدام عليها. لايمكن تجاوز التاريخ إذا حكمت عليه  قبل أن تفسره  حتى تستخلص العبرة  وتميز الغث من السمين فية , لاتخلو حقبة  من السلبيات ولكن أيضا لاتخلو من الايجابيات أو بعض الايجابيات , هذة العقلية  ليست عقلية تاريخية إيجابية وهي مانتوارثها  جيلا بعد جيل مع الاسف , وجدت  شبابا  لم يعاصر أحداث ومع ذلك متزمتٌ أقسى التزمت على الحكم علىها دونما إمعان النظر  في محاولة تفسيرها  ودراسة لماذا حصل ماحصل .نحن نعيش اليوم في الخليج أزمة  متفاقمة لم يكن أحدا يتصور أن تحدث بين أشقاء يجمعهم مجلس واحد وتربطهم علاقات قُرى وأواصر محبة  وتواصل ودين واحد  ومصير مشترك واحد, ومع ذلك نجد صعوبة بالغة في إيجاد حل لهذه الازمة  فنحتار ويحتار العالم معنا حتى بدا العالم يتسائل كيف يحدث ذلك بينكم في "رمضان" وأنتم جميعا مسلمون صائمون ؟.أعتقدُ أن هذه الازمة وجميع أزماتنا السابقة  تنطلق من نفس العقلية , وهي عقلية الحكم على التاريخ , لا من عقليةتفسير التاريخ وتفكيك خيوطة ومحاولة الدفع به الى الايمان ,أنظر مثلا إلى مايحاول معسكر  المحاصرين التشبث به كسبب رئيسي لحصارهم  وهي المكالمة أو التسجيل  الذي تم للمكالمة بين سمو الامير الوالد والشيخ حمد بن جاسم مع العقيد القذافي, ومادار فيها , إذا إنطلقنا من الحكم عليها  فليس هناك مجال لتجاوزها , أما إذا ما إنطلقنا من محاولة تفسيرها فبالإمكان تجاوزها ومعرفة لماذا تمت وتحت أي ظروف, وبالتالي يتم تحييدها تاريخيا في وقتها  وعدم  سحبها على التاريخ الحالي  خصوصا وإنها تمت منذ عقد مضى تقريبا , أيضا محاول "الغزو" الذي كان مخططا لدولة قطر من قبل الامارات والسعودية  بُعيد إستلام الشيخ الوالد حمد  الحكم في قطر , إذا حكمنا عليها حكما تاريخيا فهى محاولة إعتداء آثم لايمكن أن يُغتفر أما إذا حاولنا تفسيرها وتفكيك خيوطها أمكننا وضعها في  مكانها وزمانها التاريخيان بحيث لاتتعدى  هما. بهذه العقلية تجاوزت فرنسا وألمانيا جراحهما , وبنفس العقلية تجاوزت الصين واليابن حروبهما. عقلية تفسير التاريخ تنقصنا . لذلك كل تاريخنا كأحكام محمول على ظهورنا , ومن خلال هذا الحكم  تنبعث الصراعات  بين من يمجد ومن ينتهك , بين من يُعظم ومن  يستهزىء, إذا إجتمعت عقلية المقارنة وعقلية الحكم على التاريخ  دون تفسيره , بلغت الامور أقصى درجات المواجهة  حول التاريخ كماض وليس  كمستقبل آت.أعتقد أن ذلك ناتج من  إعتبار التاريخ عقيدة وليس أحداث , كما نحكم على العقيدة بأنها صحيحة أو  غير صحيحة , وهو معيار متعسف وذاتي  ويتعارض وحرية الاعتقاد , كذلك نحكم على التاريخ  من منظور ذاتي وضيق , بدلا من تفسيره ومعرفة لماذا حصل بالطريقة التي حصل بها , ننحي الظروف جانبا  ونطلق حكم مؤبدا  لايمكن الفكاك منه لأنه متجاوز للظروف  الموضوعية التي إستدعت ذلك. الأزمة الخليجية اليوم فرصة سانحة لنا  للإنطلاق من تفسير التاريخ وليس من الحكم علية حتى  يمكننا الافلات من مصيرنا المحتوم بالخروج من التاريخ  لأنه هو من سيصدر الحكم علينا هذه المرة لأننا عجزنا عن تفسيره ومعرفة مغزاة.  

الأربعاء، 2 أغسطس، 2017

الخلط بين الموقف والمنطق في الأزمة



 أصبح من الواضح والجلي أن هناك خلطا واضحا في المجتمع بين الموقف من الازمة وبين منطق تشخيصها  ومحاولة بيان اسبابها وبالتالي علاجها. يمكن ملاحظة ذلك بجلاء من خلال متابعة تعليقات المحللين والضيوف من المواطنين الذين تستظيفهم القنوات للتحليل او التعليق على الحدث.

الموقف من الأزمة لاغبار عليه وواضح فنحن دولة  تم الاعتداء عليها وحصارها فموقف الشعب هو موقف الأمير وموقف الحكومة ضد هذا العداء المباشر فنحن كقطريين جميعا نقف خلف سمو الاميروحكومته  ضد هذا الفعل العدائي الاثم. لكن منطق الازمة  لم يظهر بوضوح  كما ظهر الموقف من الازمة في تحليلات الاخوة وتعليقاتهم  سواء في تلفزيون قطر اوحتى القنوات الاخرى. المنطق من الأزمة  يتطلب عرض الموقف منها  اضافة الى التحول للمنطق في تفسيرها , انطلاقا من رؤية  المجتمع وتأثيرها علية ومدى مساهمته في  إحداثها, الطرف الاخر, كذلك وقع تأثير هذا الخلط بشكل فج كذلك, الامر الذي صعد من حدة الأزمة  وشدتها , كان الرهان ليس على المسؤولين الرسميين حيث تتطلب الوظيفة منهم أن يتماثل موقفهم مع منطقهم من الأزمة , الرهان كان  على وعي  الطبقة المؤثرة الثقافية في المجتمع لتبين الفرق بين موقفها  وتشخيصها  ومنطقها من الأزمة , الأمر الذي لم يحصل تماما  وهو كما قلت أدى الى  تصاعدها وتكتلها في العقل الجمعي لكل فريق.

سأعطي أمثله ولو محدودة مما لاحظتة في وسائل إعلامنا القطرية من خلط واضح بين الموقف من الأزمة كما فلت وبين المنطق الذي كان من الممكن  أن يفتح مجالا أوسع للرؤية , وكما ذكرت فأن الجانب الاخر من الازمة لديه نفس الاعراض إن لم تكن اشرس وأقوى.

أولا:لاحظت أن معظم المحللين والمعلقين من الاخوة القطريين الذين حقيقة أبدعوا  في وقوفهم  صفا واحدا مع قيادتهم ككل افراد الشعب القطري , لاحظت أنهم يعلنون عن موعد خروجهم على القناة الفلانية والقناة الفلانيه  بشكل ملفت للنظر  وبكثافة واضحة وبتسابق كبير شىء جميل , لكن  هذا الاندفاع الكبيريدل بوضوح على أنهم يمتلكون الاجوبة حتى قبل أن تطُرح الاسئلة انطلاقا من الموقف من الازمة,وليس لمحاولة تفسير الاحداث لذلك أصبح التكرار هو السائد  وماقيل بالامس يقال اليوم  وسيكرر في الغد.

ثانيا:حلقات" شللي يصير" كنت قد قلت انها تمثل حالة المواطن الخليجي حيث لايعلم مالذي يحصل حولة ولعل ذلك سببا جوهريا واضحا  لعملية الخلط بين الموقف والمنطق في هذة الازمة  لأنه لايعلم مالذي حصل فهو متضامن  مع  قيادته ومجتمعه تضامنا عضويا  كالجسد الواحد لكنه لايستطيع تفسير الازمة ولا  تفكيك خيوطها ولا من أين بدأت ولا إلى أين ستنتهي.

ثالثا: حلقات "شللي يصير " للسليطي في بدايتها كانت قوية  لأنها خاطبت  عاطفة المواطن  ولكن لايمكن ان تستمر بنفس القوة اذا لم تخاطب عقله ومنطقة , وقع الظلم على المجتمع القطري  وجرى تصويره  ببلاغة جيدة , إذا لم تتطور هذه الحلقات نحو المنطق  بالتركيز على دور المجتمع  وضرورة التأكيد على دوره  خاصة وإن عنوانها يدل دلالة واضحة على غيابه ,وكشف بعض الاشكاليات الاجتماعية  في داخله وماكان ينقصه  ومالذي يجب  استشرافه من عمل بعد انتهاء الأزمة, فستظل في دورالعاطفة في الدفاع عن الموقف ولاتتجاوز ذلك الى دور المنطق في بحث ما كشفته الازمة من فراغات واضحة في دور الثقافة والاعلام والفن.

رابعا: الأزمة كشفت عن عقلية التماثل بشكل كبير والغنيمة الى حد ما. وفي المجتمع التقليدي يصبح التماثل ملجأ يُشعر بالامان وبالاطمئنان حتى دون اقتناع, في الحقيقة أن الجميع  يريد أن يشارك في الدفاع عن ألامير وعن الوطن هذا حق مشروع ولكن بشرط أن يُقدم جديدا   أو يقول شيئا آخر , شاهدت أعمالا لاتضيف جديدا وانما تكرار  وأي كلام يمكن أن يقوله أي فرد ,مثل" منعونا من الحج, قطعوا الارحام , لم يحترموا الشهر الفضيل ... وما الى ذلك مما قاله السليطي , فلم إذن تكراره .الصمت أحيانا منطق عظيم عندما لايوجد ما يستحقُ أن يُقال.

قضية الجدارية أيضا بدأت عظيمة ولكن  جرى استسهالها بشكل لايليق  فالشيخ تميم مكانه في القلوب عند أهل قطر بل وأصبحت مصدر تنافس  وكادت أن تكون قبلية أو كانت وهي في الاساس جدارية وطنية بإمتياز.

خامسا: تشخصنت الازمة في أشخاص  وغابت الاسباب أمام التفاصيل وزاغ الرأي العام نحو التفاصيل مما جر ثقافة السباب والشتم بدلا عن الواقعية والاتزان , أصبح "دليم" القحطاني  من السعودية , وعبدالله العذبة من قطر, والمزروعي من الامارات وخلافهم محور القضية وتابع الرأي العام تغريداتهم  وتعليقاتهم بشكل  يجعلهم يبدون وكأنهم    مصدر للأزمة لانتاج لها أو بعض من أدواتها, ايضا مثل هذا الوضع يدل على غياب ظاهر للرأي العام المستنير في هذه الدول  ويحعل من الازمة أزمة مركبة تبدو خارجية ولكنها في الحقيقة أزمة داخلية تتمثل في غياب المجتمع المدني  وصوته المتزن  الذي يراعي حقيقة وجوده  ويحرص على مكتسباته.حيث في غيابه تصبح الشخصنة موضوعا


هذه بعض النقاط التي تدل على الخلط الذي يمارسه المجتمع سواء على مستوى النخبه او مستوى العامة بين  الموقف من الازمة ومنطق الازمة المستحكم الذي يجب  أن  ننطلق منه عند التحليل , ولكن هناك نقطة لابد من إضافتها وهي  أن الشعوب لاتدرك من الازمة سوى جلدها الظاهر على السطح لذلك   قد يبدو أن الموقف منها هو السبيل في مواجهتها فقط  وليس المنطق في استجلاءها  ومحاولة سبر أغوارها  وهنا يصبح الوضع برمته تكريسا  للوضع القائم قبلها لاأكثر.

إذا كان ماركس قد قال أن الفلاسفة قضوا اعمارهم في تفسير العالم  بينما كان من المفترض أن يعملوا على تغييره.

فإننا مع هذه الازمة نقول أننا قضينا جل الوقت في إستهلاك الأزمة  لافي العمل على تفسير حقيقة أسبابها.

الأحد، 23 يوليو، 2017

الأزمة .....مشروع إرهاب أم شرعية إلحاد؟



أخطر مايمكن أن تتكشف عن الأزمة هو أن تصبح ازمة في الاعتقاد."الدين"أو  الحلقة الاخيرة من أزمة الاعتقاد  التي دخلتها المنطقة منذ ربط السياسة بالدين بحيث   تصبح أي أزمة سياسية  هي بالضرورة ازمة دينية. وهو مسلك النظام السعودي منذ قيام الدولة السعودية .وهو مسلك واسع  وله أطياف كثيره بدءاَ بالشخص الى العائلة الى الدولة , ويمتد من , عدم صلاة الفجر أو خروج المرأة بلا نقاب مرورا بحلق اللحية والشارب وإنتهاء  بالدعاء على دولة عربية جارة اسلامية حتى النخاع  كقطر, كما هو حاصل اليوم , المتتبع لوسائل الاتصال  والفضاء السبراني السعودي , يجد مواقع وهشتاقات عديدة تدل على تغييرات تحدث داخل العقلية السعودية بإتجاه الحرية الفكرية وحرية  إبداء الراي  بشكل يأخذ منحنىً  حادا ,فبعد موقع الليبراليين السعوديين الذي اُقفل وزج بصاحبه في السجن , اليوم هناك موقعا في الفيس بوك باسم "جمعية الملحدين السعوديين" وغيره من المواقع والهشتاقات التي  تتبنى ظاهرة الالحاد علنا ,على الرغم  من أن  السعودية تجرم الالحاد إلا أنها من خلال سياساتها  تساعد على انتشاره واتساعه, وفي حين أنها تعتبره إرهابا إلا أنها تدفع اليه من خلال قمع الحريات, كما شاهدنا في قوانين منع التعاطف مع قطر, لااريد الدخول في التفاصيل في معنى الالحاد سواء الالحاد الفلسفي أو الالحاد الشعبي , حيث يعتبره البعض ليس إلحادا وإنما خروجا عن صورة الدين كما تراه الدولة. وفي دراسة لمعهد غالوب الدولي في زيورخ  تبين ان نسبة الالحاد في السعودية  تتراوح بين 5و9% من مجموع عدد السكان  متجاوزة  دولا عربية كانت توصف بأنها علمانية كتونس ولبنان حيث النسبة فيهما لاتتجاوز5%. تعتبر السعودية أن التشكيك في مبادىء الديانة الاسلامية إلحادا وإرهابا ومع ذلك تبيح لنفسها بممارسة  ما يتضاد تماما مع مبادىء هذه الشريعة الانسانية السمحة , فماذا تقول هذه الشريعة عن شهر رمضان العظيم , وماذا فعلت السعودية وتوابعها  فيه هذا العام ضد قطر  لو كان هناك ثمة تقديرا لمبادىء هذة الشريعة كما يقولون  لما إختاروا هذا الشهر الذي صيامة  يُعد ركنا من أركان الاسلام. ماذا فعلت الامارات وتابعتها السعودية في حق الجار وعدم التجسس عليه , والدعاء علية في المنابر , ثم يتساءلون عن اسباب انتشار الالحاد في مجتمعاتهم  , يشير عددا كبيرا من المراقبين ان اسباب ذلك يعود الى ان هناك فجوة كبيرة بين الشباب وحالة التدين  أوجدتها تصرفات وتناقضات السياسة الحكومية  السعودية  بالتعاون مع مشايخ المحفل الديني  وإن انتشار ظاهرة التكفير يقف وراءها هذا الفكر السياسي –الديني.كذلك التناقضات الواضحة بين الارشادات والتصرفات ففي حين ملاحقة الشباب بسبب بنطال او تسريحة شعر تُنفق ملايين  على قنوات تروج للفجور,كذلك هناك  
, ايضا التضييق على الحريات الشخصية , أنت متهم حتى تثبت أنك برىء,وقد  افادت تقارير ان هناك عددا من السعوديين الشباب قد ذهبوا للعيش في اسرائيل  وقد اثار هشتاق  تحت عنوان  سعوديون هاجروا الى تل ابيب انتشر بسرعة فائقة ردود فعل متباينه .الآن هذه الازمة المفتعلة بالضرورة هي أزمة تظهر مدى أهمية  البعد بالدين عن الاستغلال السياسي  إذا أردنا خيرا لشعوب هذه المنطقة لكن الاشكالية الكبرى التي تواجه السعودية بالذات أن قيامها كدولة أرتبط باستخدام الدين كوسيلة ,  كانت تستخدمه لمصالحها كحكم واداة للمشروع الغربي فقد وقفت به ضد القوميين  والعلمانيين والملحدين  كمشروع غربي للوقوف ضد قيام هذه الامه وتهديدها لإسرائيل وليس إيمانا  وإعتقادا راسخا كما تثبت الايام , لذلك جاءتها الاختراقات من داخلها, إزدياد المطالبين بالدولة الدستورية العلمانية, ازدياد نسب الالحاد , المناداة بالقومية والمناطقية يزداد يوما بعد آخر, انا اعتقد ا، الازمة ستعزز في ضرورة الفصل بين الدين والدولة, وإنها بالنسبة للسعودية بداية مشروع إلحاد  ستعاني كثيرا ولن تستطيع لجمه من الداخل  خاصة وإننا شاهدنا استخدامه حتى  في محاولة الاستيلاء على السلطة وابعاد بن نايف, لأن ماحصل له لايمكن تبريره دينيا  ويُظهر غدرا مبيتا لايتفق  مع العقيدة والدين الذي  اشبعتنا وسائل الاعلام السعودية  عزفا عليه.وهو قبل اقل من عامين كان يستقبل كبار العلماء لمبايعته وليا للعهد فإذا به  لايصلحُ للحكم.كل مايحدث يعتبر تآكل في مرجعية الدولة واستفرادا بالدين وتشويها له ودفعا  بالمزيد من الشباب لاعلان الحادهم   وكفرهم بممارسات النظام ومشايخ الدين ,يشير بعض من التقيت بهم من الاخوة السعوديين الى أن  مايمنعهم من الكفر والالحاد , هو قراءة القران فقط لما فيه من عظمة   والا تصرفات المسلمين وبالذات النظام السعودي  يجعل من الحادهم طريقا  للشعور بإنسايتهم  وبوجودهم كبشر  لهم حق ابداء الرأي والتفكير ,  أما دولة الامارات فإسلامها "الرسمي "ابوظبي"مختلف  وهي ملاذ للصوفية والتصوف منذ زمن وتختلف تماما عن نمط التدين السعودي ويبدو ان المنطقه متجهة الى صراع  إسلامي  بيني  بين أنماط التدين   ,الوهابي والصوفي من ناحية أضيق بين السعودية والامارات مستقبلا والسني - الشيعي من جهة أوسع, كما يتضح أيضا في البحرين وفي السعودية كذلك, لذلك إذا تعذر العبور للعلمانية كمشروع سياسي سيصبح الطريق أكثر  تعبيدا ورصفا للإلحاد  كحالة خروج إنسانية.
 


الثلاثاء، 18 يوليو، 2017

ماذا يقول إبن خلدون عن أسباب الأزمة؟




أعتقد أنه من الضروري لفهم مايجري العودة الى إبن خلدون كمنظر للدولة العربية بالذات  تاريخيا وإجتماعيا, خاصة وإن أسباب  قيامها في منطقتنا  تتشابه الى حدَ كبير  مع كل ماجاء في مقدمتة عن نشوء الدول وإنهيارها, رغم المسافة التاريخية الكبيرة التي  تفصلنا عنه  إلا العوامل التاريخية  لقيام الدول  في عصرة هي تقريبا نفسها التي قامت عليها الدولة العربية الحديثة  في منطقتنا العربية حيث لاتزال العصبية والشوكة"القوة"  هما المحدد الاول لقيام الدولة  سواء كانت قبيلة أو جند وعسكر, كما أن المال وهو مايُعرف اليوم بوزارة المالية أو المال العام أو خزينة الدولةهو العامل الثاني والهام  لاستمرار الحكم وبقاؤه. فالدولة في منطقتنا في إعتقادي لاتزال خلدونية المنشأ  ولم يتغير سوى الاطار الخارجي للتكيف مع العصر إلا أن هذين العاملين هم المحددان الرئيسان لبقاء الحكم فيها والحيلولة دون إنهيارهما , ويبدو الربيع العربي شاهدا على ذلك حينما  ذهبت عصبية وقوة الحاكم سقطت الدولة  وأرتمت في أحضان الفوضى.

اليوم تمثل أزمة الخليج القائمة تحديا خطيرا  للدولة في المنطقة نظرا لتعرض العاملين الاساسين لاستمرار الحكم فيها   لتآكل شديد من داخله قبل أن يكون تأثيرا يأتيه من الخارج , وكشفت هذة الازمة عن أمثلة واضحة  على ذلك قد بدأت  ملامحها تبين وتظهر منذ فترة ليست بالقصيرة . ماذا يقول إبن خلدون عن  عوامل تفكك دولته واسباب إنهيارها ولنقارن ذلك مع  ما نعيشه اليوم في ظل هذة الدولة الخلدونية العربية القائمه  التي بدأ الانهيار فيها منذ بداية الربيع العربي  ويقترب من منطقتنا اليوم بشكل  يبدو وكأنه إستحقاقا تاريخيا طال أمد الوفاء به:

أولا يشير إلى أن العصبية والشوكة التي يقوم عليها الحكم في الدولة تحتاج الى مساع جماعية مشتركة وليست  مساع فردية لأنها لاتكفي ولكنها تختزل بعد ذلك   في شخصية الكبير  في العائلة او القبيلة  أو حتى في الجند, وبعد فترة  يبدأ يصبح "الاستفراد" بالسلطة واضحا   في التخلص من منافسيه  الذين هم من عصبته  وإحلالهم بآخرين لاتتوق أنفسهم الى المُلك, فهم اصحاب مصالح لاأصحاب مبادىْ. فيصبحون هم العصبة الجديدة التي تتوغل لحصد الفائدة  والثراء والغنى.

ثانيا: بالنسبة  الى المال يشير إبن خلدون الى فيقول "إعلم بإن الدولة في أولها تكون  متعففه  فيكون خُلقها الرفق بالرعايا والقصد في النفقات  والتعفف في جباية الاموال من الناس ثم رويدا رويدا يحصل الاستيلاء  ويعظم ويستفحل المُلك ويكثر الانفاق  ويكثر الانفاق والاسراف  يحتاج السلطان الى ضرب "المكوس"لاحتياجاته وتوسع انفاقه  ويستطيل في ذلك  حتى يصبح القهر  منتشرا بين الناس"

ثالثا:التفرد  بالمجد وعدم مقاسمته يقول إبن خلدون"أن العصبية تتألف من عُصابات كثيرة تكون واحدة منها أقوى من الاخرى فتغلبها وتستولي عليها حتى تصيرها جميعا في ضمنها" ويتبع ذلك تغييرا في التاريخ وربما في الانساب ويجري التدخل في كل الخصوصيات  حتى ينفرد الحاكم بالمجد وحده لاشريك له.

رابعا: "الانغماس في الترف وذلك بسبب توفر اسبابه ووسائله  ومن باب المفاخرة  والمباهاة  فيصبح هدر الثروات في والمبالغة في التفاهات ديدن  ومصدر تفاخر  وعلى قدر القُرب يكون الحظ"

خامسا: الدعة والسكون والاطمئنان بتحقيق المأمول  فتختفي الطموحات  والفضائل السامية و تتلاشى العقائد الراسخة, خاصة بعد ذهاب عصبية الجيل الاول وتمسك الجيل الثاني الى حد ما على مكتسبات هذه العصبية بالاستبداد إلا أن الجيل الثالث  تبدو الدعة والسكون  مسلكا واضحا له .

سادسا:إقصاء أهل العلم والصلاح يذكر إبن خلدون يجرى تكريم أهل الجاه والمال والثراء  أما ماعداهم من أهل العلم والصلاح  فلاتكون لكلمتهم وزنا  وذلك بسبب قلة جاههم  وعدم الحاجة إليه  فليسوا معتبرين  في الكلام في السياسة أو في الحلول الشرعية لما قد يصيب الدولة من  من اوضاع وأحوالز

سابعا: تقريب الوضيع والسفله  ورفع منزلتة:يشير إبن خلدون إلى أن السلطان او الحاكم  يرضى غروره المتملق والمنافق  والمتصنع  فيصطنعه  حتى يكايد به الغير من ذوي الكرامة والعزة  وامتلاك النفس .

تبدو الازمة الراهنه  كراسا واضحا لقراءة  ما وضعة إبن خلدون في مقدمته  عن الحكم وقيامه واسباب إنهياره  لك أن تبصر ما يحدث اليوم من تراشق إعلامي وضيع يتجة مباشرة الى  أسس دولة إبن خلدون   من عصبية  ومن إنغماس في الترف  ومن تقريب السفيه والوضيع حتى بتنا نسمع عن اسماء تتحكم في ادارة الازمة لم تكن المجتمعات قد سمعت بها  ولابتاريخها ,  من إختفاء أهل الرأي والمشورة ومن الانغماس في الترف وتبذير الاموال كذلك على الدعاية الخارجية ,والتسلية و  في تأليه الافراد , في إختزال الشعوب . كل هذه دلائل على أن دولنا لاتزال  هي الدولة الخلدونية  التي تكلم عنها إبن خلدون في القرن الحادي عشر  لاتزال قائمة وأن اسباب إنهيارها  أو استبدالها تلوح  في الأفق اليوم بشكل اكثر إلحاحا من ذي قبل.