الأحد، 18 نوفمبر 2018

الوجود اللأخلاقي



من أعظم إنجازات أزمة الحصار الراهنة هي أنها شرعنت أخلاقياً لوجود العديد من الاجهزة الاعلامية والبحثية في قطر , حيث عملت على تجاوز حالة الوجود اللاأخلاقي الذي كان يستشعرها المواطن  لهذة الاجهزة  في المجتمع , حينما إنغمست في الشأن القطري  حيث القضية قضية وجود وإن كان هناك إنفصاماً بين الوجودين قبل الازمة , حيث كان الوجود القطري إستاتيكياً منكفأً على ذاته  بينما كان وجود هذه الاجهزة ديناميكياً  بإتجاه الخارج, على الرغم من أن قضايا العالم العربي وهمومه ومشاكله واحدة ,كما لاأعتقد أن هناك خارجاً على حساب الداخل,, الشعب القطري قضاياه هي قضايا الشعوب العربية الاخرى , في إعتقادي أن وجود هذه الاجهزة كان لاأخلاقياً قبل الازمة, كما أوجد هذا الانفصام لغة تبريريه لاأخلاقية  , مثل أنتم شعب صغير ومشاكله محدودة  ومجتمع رفاهية , نحن لانتدخل في شأنكم فلاتتدخلوا في شأننا,مثل هذه العبارات  تتكرر, نحن نحمل رسالة الحرية للشعوب الاخرى, أنتم لاتطالبون بالديمقراطية أو هي ليست مطلباً ملحاً حيث الريع  جعل منها طلباً مؤجلاً لذلك نحن نعمل على نشرها  للشعوب العربية الاخرى ,من هنا  كانت عبارة في قطر وليس من قطر,منطق هيمنه  لاأكثر وإن لم يفصح عن نفسه بشكل مباشر,   من خيراتكم  نبني لكم  ما يحفظ لكم إستبقاؤكم المادي .
 إذا لم تتبنى قضايا الشعب أو فصلتها حسب إهتمامك ومصلحتك,فأنت لست منه وبالتالي وجودك فيه فائض عليه. من المهم للفرد أوللجهاز أن يكون وجوده أخلاقياً  مهما بلغت درجة تأثيره , لذلك كانت فترة الحصار الراهنة فرصة لإعادة النزعة الاخلاقية اللازمة لوجود هذه الأجهزة ذات الرسالة, لاأتكلم عن الافراد بقدر ما أتكلم عن رسالة الافراد والاجهزة , الرسالة ذاتها يجب أن لاتستثني  فئة لتستهدف أخرى  بحكم الحاجة اليها وليس بحكم طبيعتها .قطر كعبة المضيوم كما قال سمو الامير الوالد , نعم بشرط أن يكون وجوده إنسانياً,يعزز مكانتها , قطر الرأي والرأي الآخر , نعم بشرط  أن لايكون حصرياً   , قطر صوت من لاصوت له , نعم بشرط أن لايكون للخارج على حساب الداخل على كل حال,ينهي الحصار كأزمة وقضية خاشقجي كجريمة  وجوداً معلقاً  لم يكن يشعر به المواطن القطري بل كان يضيق بلا أخلاقيته وأن وجدَ له من التبرير ما وجد,لقد  أوجدت هذة القضيتان , "الحصار وإغتيال خاشقجي " وجوداً أخلاقياً جديداً مكتملاً في الصوت والصورة رابطاً بين الزمان والمكان أرجو ان يستمر  حتى نؤسس لهذه المرحلة الاخلاقيه اللازمة  ونبني عليها, حيث لاشىءيأتي  قبلهافي حين يأتي بعدها كل شيء. 

الخميس، 15 نوفمبر 2018

الوافد وفجوة الشر "الاخلاقي"


 
أنقل اليكم تجربة طبيب عربي اكدتها المشاهدة جاء للعمل بكل جد وتفان  ثم إكتشف بعد الفترة ومن خلال أقرانه الذين سبقوه أن هناك فجوة   بين المواطن وبين تأثيره كوجود متحقق يدخل  من خلالها الشر الاخلاقي. لاأُعمم هنا بقدر ما أحاول رصد ظاهرة  ينبغي تلافيها  لضررها على الحيز العام كمجال للتعايش  في مجتمع يمر بمرحلة انتقالية سريعة الخطى طموحة الابعاد.
"أعترف أنني أضعت كثيرا من سنواتي في هذا البلد، لم أتقدم فيه علميا، ولم أستفد من خيراته اجتماعيا، كنت أزاول عملي الروتيني اليومي، أعالج المرضى واصرف لهم الدواء، وفي إجازاتي آخذ مستحقاتي في إجازة سنوية أعود بعدها لمزاولة عملي الروتيني كطبيب، كنت مرتاح البال، مستريح الضمير، حتى لفت نظري بعض اقراني إلى ملاحظة هامة شغلتني كثيرا وهي كما أشاروا «بدك تعرف الناس في هالبلد وتقدم خدماتك طبقا لمعرفتك لمكانتهم، إذا بدك تتطور»، لم ادرك المقصد من هذا، ظهرت على اقراني مظاهر السمنة، ولم يعودوا يهتمون بتطوير أنفسهم طبيا، بقدر ما كانوا يمارسون حياتهم اجتماعيا، ومع ذلك تقدموا وظيفيا، واصبحوا استشاريين وأنا لا أزال «ممارس عام»، حاولت أستفسر اكثر، فهمت أنه لا بد لي من تقديم الجانب الاجتماعي على الجانب المهني في ممارستي من خلال إدراكي للتراتيبية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، وإعطائها الأولوية ليس بين مواطن وغير مواطن وإنما بين فئة المواطنين انفسهم، وذكروا لي أمثلة سابقة لنجاح هذا التوجه الاجتماعي الذي قالوا ان المجتمع يفرضه عليهم، فهناك من اصبح طبيبا خاصا لفئة دون غيرها في المستشفى الحكومي العام ومواعيده فقط لعدد خاص جدا من المرضى، وآخر يطلب اسم المريض أولا لكي يسمح له بمقابلته، أو يحوله إلى طبيب آخر، وثالث حصل على الجنسية وافتتح عياداته الخاصة بعد هذا الاختراق الاجتماعي، على حساب التفريط العلمي" إنتهى كلام الطبيب هنا ، بالنسبة لي أنا هناك العديد    من المرضى حدثوني، عن نماذج طبيه رائعة، اخلصوا لمهنتهم، الإنسانية بعيدا عن أي مطمع اجتماعي آخر،    ومع ذلك تبقى الفرصة متاحة للقادم الجديد من المهنيين أو الاطباء أو غيرهم، في القدوم إلى هذا البلد بعقلية الفرصة الاجتماعية طالما ظلت هذة الفجوة بين المواطن كوجود وتأثير موجودة ويكتشفها المقيم بعد فترة من استقراره وملاحظتة لحركة الوسط الاجتماعي.إن  فكرة التمييز بين المواطنين انفسهم التي استولت على ذهنية كثير من الاطباء، وهم رسل الرحمة تدل بوضوح على بشاعة  الواقع المادي الذي تكرسه الفرصة بعيدا عن الاخلاق كإتيقيا وأساس ,ومجالاً خصباً  للشر الاخلاقي الذي لاينتج عن طبيعة الانسان بقدر ما يكون نتيجة لظروفه وضعف وازع الضمير لديه  , خطيئة كبرى أن يُكرس مثل هذا التوجه لما فيه  من سوء ليس فقط بحق المواطن الضعيف ولكن بحق الوافد أيضاً عندما يجد نفسه في مجتمع  يدفعه  الى الصراع بين ضميره وفرصته.

الاثنين، 12 نوفمبر 2018

مواطن مؤجل يعني مقيماً غير مستقر



بين الحين والاخر تطرح قضية المواطن والمقيم  من خلال وسائل الاتصال الاجتماعي ويحدث نوعاً من الانقسام الحاد بين وجهات النظر تصل احياناً  اتهام البعض بالعنصرية أو إتهام المقيم بالانتهازية , ويستعان بالتاريخ  وبالاسقاطات السابقة  لحوادث جرت هنا او هناك تثبت  الولاء او عدم الولاء ويصبح الامر  مشاعاً ومبتذلاً  له بداية وليس له نهاية , في إعتقادي العلاقة بين المواطن والمقيم في قطر  علاقة تاريخية قديمة فقطر منذ الازل كانت مقاماً للكثير من الاخوة العرب من المشرق اولا ثم اصبحت من المشرق والمغرب لاحقاً, والقطري بطبيعته ليس عنصرياً فمالذي إذن حدث  ليبدو الامر وكأنه ظاهرة تشغل بال الطرفين المواطن والمقيم , في اعتقادي هناك عاملان  يبدوان على قدر من الوضوح لتفسير ذلك .

العامل الاول :شعور المواطن بالتأجيل  حيث,يشعر القطري أنه مواطن مؤجل  لكثرة الوعود  وانتظاره للوفاء الذي طال.

ثانياً:    هناك شعوراً عاماً لدى المواطنين بأولوية المقيم  في فكر الدولة  تركز بشكل خاص  خلال هذة الازمة المستمرة.

هاذان العاملان هما  سبب التوتر في العلاقة  لدى المواطن والمقيم والذي ينعكس صداها خلال وسائل الاتصال الاجتماعي,

 شعور المواطن أنه غير "مُفَعَل" بالشكل الكافي جعل منه نزقاً تجاه الآخر , ليتهم بالعنصرية  من قبل المقيم وهوغير ذلك.في إعتقادي أن على الدولة دور كبير , في ضبط العلاقة بين المواطن والمقيم خاصة في ظل هذا التواجد الفخم  لكل هذة المؤسسات التعليمية والاعلامية  والبحثية التي  يستوطنها عدد كبير من الاخوة المقيمين الاكفاء,كلما  جرى تأجيل  المواطن كلما  كان أكثر حساسية تجاه المقيم , كلما إنعكس ذلك سلباً على إستقرار المقيم ,ماذا أعني بالمواطن المؤجل ,؟أالمواطن المؤجل هو المواطن الذي ترعاه الدولة  من مولده حتى وفاته  لكنه يفتقد الرؤية الواضحة للمستقبل حيث أنه ضمن واجبات الدولة ولايشعر بكيانه الذاتي حق الشعور, هو مكتمل البناء المادي , مؤجل الاكتمال المعنوي بينما يجمع لاينطبق ذلك على المقيم القادم للعمل  ضمن شروط تقاعد تستفيد الدولة من اكتماله المعنوي وتضمن له كذلك اكتماله المادي او بعضه.

في السابق كانت علاقة المواطن بالمقيم أكثر سهولة  واقل تعقيد  نظراً لأن طموحات الدولة في السابق أقل بكثير من طموحاتها اليوم ,لذلك من الاهمية بمكان  وضع معادلة المواطن والمقيم في صيغتها السليمة بحيث يبدو تفعيل المواطن هو إستقرار للمقيم و نحن بحاجة الى إخوتنا المقيمين , كذلك نحن في حاجة الى مواطن يمتلك صحة نفسية  جيدة , المواطن المؤجل مصدر إزعاج لأن التأجيل إنتظار والانتظار  نار كما يقال , كلنا نتعرض أحياناً كثيرة لضغوط الانتظار  ونتصرف بعصبية المنتظر الذي طال إنتظاره, بين إحساس المواطن بالتأجيل, وشعوره بتفضيل المقيم فجوة يدخل معها "الشر" الأخلاقي أرجو أن تحظى بالاهمية والاهتمام الكافيين لردمها , بحيث يصبح المواطن فاعلاً بشكل يشعر معه بكينونته ,و حتى يستقر المقيم بشكل يشعر معه بإنسانيته.

السبت، 10 نوفمبر 2018

"الصورة" والمجتمع المُعلق

 
 
تشكل الوعي المجتمعي بعيدا المصلحة العامة يدخله فى اطار مجتمع المناسبة بامتياز, بمعنى انه يخفي مايمليه عليه وعيه فى عقله الباطن أو فى اللاوعي بقدر ما ينساق الى شكلانية ما يفرضه عليه واقعه من مسايرة . تشكل المناسبة الاجتماعية مظهراً اجتماعياً كبيراً فى مجتمعاتنا لأهميتها بل انها تعتبر معلماً تنفرد به هذه المجتمعات دون غيرها فهى رمز للتآلف والتآخي والترابط بين أفراد المجتمع , وهى من لبنات المصلحة العامة بلا شك ولكن عليها ألا تكون هى كل ما يمثل المصلحة العامة. لأن مفهوم المصلحة العامة أكثر شمولية من مظاهر المناسبات أيا كان نوعها , فى المناسبة تشيع ثقافة غير ناقدة" النقد هنا بمعنى "الفهم" أن يفهم المجتمع مايجري" بحكم طبيعةالمناسبة التي تحتمل التماثل والمجاملة والتسامح الى حد الانصهار أو الانسحاب , فى حين أن المصلحة العامة قد تقتضي المصارحة والنقد والاختلاف والفهم فلذلك من الضروري تواجد مجتمع المصلحة العامة ومناسباته الى جانب مجتمع المناسبة الاجتماعية وثقافته . انفراد ثقافة المناسبة يحوّله الى قشور غير معبرة عن واقعه الحقيقي وبالتالي يفتقد المجتمع نقد الذات والتطور , فتشيع بالتالي ثقافة الصورة الجامدة لشخوصه كالتي نشاهدها فى الأعراس وتتشابك الأيدى وكأنها فى الصلاة دلالة على الالتزام بالمناسبة وعدم الخروج عن المألوف بعيدا عن ثقافة الرأي والحركة.
  حتى المنهج القرآني لا يعول على الثبات الذى يقوم ويرتكز عليه مثل هذا المجتمع . هذا المجتمع سيظل معلقاً ما لم تتزواج المناسبة الاجتماعية وثقافتها بثقافة المصلحة العليا الناقدة التي تتجاوز الأفراد الى مصلحة المجتمع ككل وتتحول بالتالي هذه الثقافة الى مناسبة اجتماعية وتبدو صورها مختلفة تظهر فيها الحركة والمناظرة والحوار. تشيع اليوم فى جرائدنا نقلاً للمناسبات الاجتماعية وبالأخص مناسبة الزواج والصورة وحدها قد تحكي ثقافة المجتمع وتحكي حراكه وحيويته.الدوحةاليوم   عاصمة ثقافية بإمتياز  ولا تزال المناسبة الاجتماعية وثقافتها التشابهية هى المسيطرة وهي الريتم الذي  يحاكيه المجتمع بشكل وجودي واضح كما لو يبدو وكأنه إمكانية المجتمع القصوى التي يستطيع تحقيقها  ,أي انتصار لثقافة الجمود   أكبر من ذلك.
مفهوم المصلحة العامة مفهوم جلل بل هو ثقافة بحد ذاته وهو فسيفساء لا يعرف الاحتكار لفئة دون غيرها ولا يعرف الثبات بحكم تغير الظروف والأحوال ولا يغني عنه ولايمثله شكلاً أو مظهرا ًواحداً تحتدم فيه الآراء والتوجهات لتنصهر أخيرا فى هدف أسمى هو مصلحة الوطن أي أنه مفهوم ديناميكي صورته متحركة غير ثابتة تقبل الرأي والرأي الآخر. والى أن يشيع مثل هذا المفهوم ويصبح ثقافة معاشة لا مستهلكاً اعلامياً سنبقى مع مجتمع المناسبة الاجتماعية وقدسية الصوره الجامدة, لدرجة أنك تعتقد أن الجميع في صلاة من شدة الانضباط ونمطية الحركةالواحدة وليس الأمر سوى صورة تذكارية في مناسبة إجتماعية, لكنهاداخل عقل المجتمع الباطن تحكي قصة إثبات وجود حتى وإن  كان  معلقاً أو على الهامش.  

الاثنين، 5 نوفمبر 2018

خطاب الأمير و"أخلاق الواجب"


 

خطاب سمو الامير في افتتاح الدور السابع والاربعين لمجلس الشورى, كان خطاباً شاملاً ومطمئناً في نفس الوقت  لوضع الدولة واستكمالها لمسيرتها التنموية رغم  مرور سنة ونصف على الحصار الآثم, هنا أريد فقط أن أسلط الضوء على فقرة هامة جاءت في خطاب سموه حفظه الله  وهي الفقرة المتعلقة بالانسان  ومحوريته في عملية التنمية رابطاً ذلك  بضرورة تطور القيم والاخلاق , يطرح سمو الامير فكرة عظيمة حول فلسفة الاخلاق ,بعد سقوط مريع  للاخلاق وللقيم  منذ ماقبل  بدء الحصار حتى اليوم , لم تشهد المدونة الاخلاقية للثقافة في الخليج كالذي نعايشه اليوم مع الاسف, كان المعوَل  في السابق على الدين  وبأن الاخلاق مبنية على الدين , لكن كيف نفسر  سقوط من يدعي التدين ويحمل لواء الدين؟كيف نفسر من يحور الاستبداد الى عدل  والاخلاق الى  رمي المحصنات, كيف نفسر كل هذا القبح ونحن  ندعي التدين , إذن  لابد من مقاربة  الاخلاق من منظور آخر وهو مادعا اليه صاحب السمو وهو الالتزام بأخلاق العمل, أخلاق الواجب , الاخلاق التي تُطلب لذاتها, الاخلاق التي هي جوهر كينونة الانسان,  فقيمة الانسان مرتبطة بتصرفه اخلاقياً وفقاً للواجب كما يقول "كانط",وكأن سمو الامير يطلب  من أفراد مجتمعه أن يتصرفوا وفق ما يطلب منهم واجبهم الاخلاقي , لاكردود أفعال لما يفرضه عليهم الغير , وحتى إن كان هذا الغير يزج بالدين ليبرر ما يفعله أو يقوم به.قيمة الفرد  في أن يكون سلوكه موافقاً  لما يريد أن يكون سلوك الاخرين معه عليه.هذه في إعتقادي نقطة مهمة جداً في خطاب سموه , الدولة بحمد الله تجاوزت الحصار فعلى المجتمع  اليوم تجاوز ثقافته,  الخطورة في أن ينتهي الحصار وتبقى ثقافته , لذلك  موضوع الاخلاق والقيم  الذي اشار اليه سموه في منتهى الاهمية,ثم أن هناك  نقطة أخرى أيضاً هامة يحب الاشارة بعد ماعصف بنا أخلاقياً ماعصف  وهو أولوية الاخلاق على الدين "جئت لأتمم مكارم الاخلاق", فلانعتبر بتدين الشخص قبل أن نعتبر بخلقه, أخلاق الواجب  كما جاء بها "كانط" تضمنها خطاب سمو الامير , أيضاً الذات الاخلاقية التي تكلم عنها "كيركغارد" التي تسبق الذات الدينية  كشف عنها خطاب سموه حينما بنى الاخلاق على العمل  فالتدين  إيمان ينعكس على شكل أفعال وأعمال.

كذلك كانت إشارة سعادة رئيس مجلس الشورى الى أن المجلس يبحث في إيجاد وسيلة للتواصل مع المجتمع بحيث يستطيع أن يكون همزة وصل فاعلة بين المجتمع والحكومة , تندرج هذه أيضاً  ضمن مايسمى بأخلاق الواجب  التي تُطلب لذاتها لتكتمل معها كينونة الانسان  ويشعر معها بإكتمال تدينه كونه أخلاقياً.

لماذا سقط الوكيل؟


 

ذكرت في مقال سابق أنه  التجربة الادارية الحكوميه خلال العقود السابقة, أظهرت أن هناك في الاغلب صراع بين منصبي الوزير والوكيل في الجهاز الحكومي, وبالتالي خلال العقد الماض حتى الآن كان هناك تركزاً واضحاً لمنصب الوزير  وإنسحاباً تدريجياً واضحاً لمنصب الوكيل, بحيث إختزل منصب الوزير الذاكرة الادارية والسياسية للمجتمع, في حين أصبح منصب الوكيل  يحمل أثراً سلبياً في النفس  حتى أن بعضهم يلجأ الى التبرير أن عُين أو قَبل أن يكون وكيلاً, وأصبح بالتالي منصب الوكيل لغز يحتاج الى فك, هذه ظاهرة خطيرة في إعتقادي, حينما يسعى ويصبح هَم الوكيل الاول هو  الحصول على درجة وزير كدرجة, مبرراً ذلك بأن الجميع حصل على درجة وزير , هذه "الريعية" لدرجة الوزير , جعلت من منصب الوزير نفسه"ريع" وبالتالي حولت منصب الوكيل الفني الى مجرد زيادة , وجوده وعدم وجوده سواء.غياب منصب الوكيل يخل  بالهيكل التنظيمي للوزارة ويجعل العلاقات الادارية فيها  في فوضى كبيرة  ويدخل الوزير في متاهة  يتحول معها من راسم سياسة الى مأمور ضبط, غياب منصب الوكيل من الذهنيه الادارية أكثر خطراً من غيابه الفعلي في الواقع , أُشبه الوكيل في الوزارة بضابط الايقاع  الذي يجعل من الوزير يبدع  لأن الايقاع متناغم  والاوكسترا  في إنسجام ,والاخطر من ذلك أن المجتمع بجميع مستوياته أصبح يتهافت على درجة "وزير" فقط إبحث عن  من يُسلك لك الطريق , هذه الريعية أطلقت عقلية استهلاكية  داخل الجهاز الحكومي ذاته  وأصبح حتى التقاعد قبل نيل ذلك يُعدُ إنتحاراً أو أنك لم تحقق شيئاً يذكر في حياتك , داخل كل وزارة هناك منظومة  تعمل ضمن الهيكل الاداري  الذي يوزع الصلاحيات  ويلعب منصب الوكيل دوراً حاسماً لاغنى عنه في توصيل القرار الاستراتيجي الذي يجب على الوزير إتخاذه, هناك من يدعو الى أن  لقب  "معالي" يجب أن تُعطى  للوكيل ليصبح معالي الوكيل  لأنه الاكثر  ثباتاً من الوزير السياسي  والاكثر  استمراراً للحفاظ على  تراكم الخبرات في الوزارة , بينما عندنا يختفى من الذاكرة الادارية للمجتمع ويبقى منصبه شاغراً تتلقفه الايدي  من كل ناحية وصوب ويجتاز الادنى والمقرب ذو الحظوة ويقوم بدوره مدير المكتب او رئيس العلاقات العامة. في التشكيل الوزاري الاول  وحينما رأت الحكومة في وقتها رفد الوزراء كبار السن من الوجهاء  بعدد من الوكلاء المتعلمين, حدثت طفيره كبير لمنصب الوكيل , وكان هَم المتعلمين والخريجين حينذاك  الترشح او الاختيار لمنصب الوكيل لديناميكيته  واهميته , في السابق كان دور الوكيل طاغياً على دور الوزير, والآن تلاشى تماماً أمام  منصب الوزير , في الحالة الاولى يمكن التبرير أن المجتمع كان لايزال يُعطي الوجاهة الاجتماعية أهمية كبرى  حيث المجتمع يحتاجها  وظيفياً لملامسة همومه واحتياجاته, وأحتاج الى ديناميكيه  لتحقيق ذلك  من خلال منصب الوكيل الذي  يدير العمل  داخلياً , ولكن الآن لايمكن تبرير غياب منصب  الوكيل بهذه الصورة إلا  أنه تمظهر لظاهرة "الريع"  في شكل إجتماعي وشمولي واضح وأخشى أن تستمر  بحيث  يصبح لقب الوزير ليس "معالي"  وإنما معالي العلامة الوزير الذي يختزل الوزارة  في لقبه وفي منصبه.

   

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2018

"مواطن "فوق الشجرة

 
  
 
وحده المجتمع المدني الكفيل بإنزال المواطن من فوق الشجرة, وبعثه روحاً تسري في أوصال المجتمع . لو استقرئنا التاريخ لوجدنا أن التغيير الراديكالي وما قد يصاحبه من سلبيات هى نتيجة عدم الاكتراث بوضع الانسان الذى قد يأخذ شكلاً آخر عندما تصطدم آماله وطموحاته بما لا يطيقه أو يستطيع التعبير عنه, فيسقط على الارض ويرتطم بالواقع إرتطاما   .المواطن العربي  بشكل عام أما مريض بالهذيان والاكتئاب يخلط الماضي بالحاضر والدين بالدنيا يهذى بأمجاد الأمس ولا يملك حاضره وليست لديه القدرة على استشراف مستقبله,وإما مواطن فوق الشجرة  يتكلم عن الحرية وهو أول من يحرمها على غيره, يتحدث عن النظافة ليلقي بأوساخه فى الشارع وأمام البيت, يتأسف على ضياع الأمانة ليمارس النفاق سراً , يدعو الى النظام ليفتخر بتجاوزه بعد ذلك, يبكى على الديمقراطية الغائبة لينحاز الى العرق والطائفة والقبيلة حتى الرمق الأخير, يطلب الانتخابات ليكون أول المتنصلين من نتائجها, يقول شيئا فى العلن ليضمر شيئا آخر فى السر, يمارس التقية ويدعي صفاء النية. المواطن  هنا ضحية أكثر منه مرتكبٌ لكل تلك المثالب ، هي تمظهر حقيقي لغياب المجتمع المدني الحقيقي الذي يرفع الشخص الى مستوى الايمان بالفكر الذى يميز الانسان عن غيره من الكائنات والذى يعطيه الحق فى الدفاع عما آمن به والقوة فى قول ما اقتنع به كذلك.المجتمع المدني وحده القادر على انتشال المواطن من بؤرة التكور حول الذات لحمايتها الى مجال الحوار الانساني البناء والثقة بالنفس والانتماء المهني والفكري اللازم لبناء الوطن والأمة. لن تكون الدولة أية دولة على هدى وبصيرة وهى لا تحمل فى ثناياها بذور مجتمع مدني حقيقي, هو بوصلتها الحقيقية نحو بر الأمان هو الحد الفاصل بين رشدها وغيها. لقد ظلم المواطن العربي غير مرة , ظلم عندما صدق وعود الديمقراطية الآتية لا محالة ولم ير سوى شعارات ترفع وعبارات تردد, وظلم عندما دعي الى الانتخابات وكتبنا على الصندوق إسم القبيلة والعشيرة , وظلم ثالثة عندما فرغت الدولة بذور المجتمع المدني من مضامينها والحقته بها .الدولة اليوم تقوم بكل شىء من أجل المواطن حتى  في مجال الترفية, إنها تعيد الماضي إليه مُعلباً,وتضع له المستقبل في كبسولة ليتناولها صباحاً , جميل كل هذا ولكن الى متى سيبقى فوق الشجرة أما آن له أن ينزل الى ساقها ليضمه وأن يشارك في رفدها بماء الحياة إنطلاقاً من محليته وخصوصية؟
إنزلوا المواطن ياسادة من فوق الشجرة , لن تكتمل انسانيته حتى يعيشها ممارسة ولن يشعر بكسنونته حي يعيشها قيمة ومعنى