الاثنين، 24 سبتمبر 2018

بياع المخزي" السجائر"


 

عندم كنا صغاراً في الفريج , كنا نتطلع دائماً الى الشعور بأننا كبرنا أو أننا نكبر, لاشىء في الفريج يدل على اننا نكبر , الحياة هادئة الى درجة الرتابة  لانملك من وسائل الاتصال سوى تلفونات البيوت  , التلفزيون ليس الجميع يملكه  وفترة بثه محدودة جداً , نشعر بأن الزمن باق والوقت لايمر , نتكدس أمام الدكاكين , تلفت أنظارنا أنواع السجائر بألوانها المتعددة والمختلفه , شكلت لنا تحدياً واضحاً , لايدخنها سوى الكبار وعادة ليسوا من أهل الفريج , بعض الاساتذه  والمدرسين , نشعر أن هناك زهواً يخرج مع دخانها  وشعوراً  بالثقة , أذكر ان أحد أصدقائي  حدثني في الصف عن تجربته في التدخين  عصراً في زرع والده  وأنه يحتفظ بعلبة السجائر هناك  فذهبت معه ليخرجها من مكان دفنها  في طرف المزرعه , صغيرة جداً أسمها "نويكت" هكذا كنا ننطقها, أعطاني سيجاره  لم استطع تدخينها كما يجب  وانما اكتفيت في  اخراج الدخان من فمي , ومع الايام وجدت جميع أصدقائي يملكون علباً للسجائر منها "الكابتن "وبو" قطو"  وبوطماط "وطبعا نويكت وغيرهم , المهم ان مجتمع الفريج  من كبار السن لاحظ ذلك فتنادوا بوقف بيع "المخزي" هكذا كانوا يطلقون على الدخان "السجائر"وتنادوا بعدم ذهاب الاولاد الى الدكاكين حيث بياع  المخزي , والادهى من ذلك أن وسائل المراقبةكانت لصيقة جداً بحيث أصبح الشم  حاسة خطيرة تكشف من يدخن من غيره" شميت في ثياب ولدك ريحة"تتن" سمعتها من احدهم يكلم زميلاً  له من كبار السن في الفريج,  لاتمشى مع فلان تراه يدخن المخزي  تحمل تصير مثله" أيضاً ,هذه في حد ذاتها تهمة كبيرة قد لايبيت صاحبها في بيته تلك الليلة الا وقد وبخَ وربما ضُرب من قبل والده.ماذا كان يعني التدخين في ذلك الوقت كان يعني العزلة الاجتماعية  وليس من السموح للمدخن ان يدخل المسجد لو عرف عنه انه مدخن  كان محرماً في التقاليد, بل سمعت أن هناك من يرفض تزويج المدخن في تلك الايام , ما يهمني هنا التركيز على الوظيفة الاخلاقية التي كان يمثلها الشعور الجمعي  لدى أهل الفريج , اليوم نرى العالم كله  يضع التدخين ليس فقط في خانة المخزي الذي يشعرك بالمهانة بل في خانة الخطر الذي يهدد صحة ووجود الانسان ذاته  , دينياً ليس هناك اجماع على حرمته  ولكن اخلاقياً كان يكشف  عن بداية  للخروج من نطاق التفكير المسموح به في ذلك الوقت , كان اهل الفريج أيضاً يحتقرون من يستورده ناهيك عمن يبيعه كذلك ,بينما كان يمثل لنا نحن الصغار بداية الاعتماد على الذات وبناء الشخصية  والشعور بالمسؤولية , ثم جاءت "مخزيات " أخرى إضافة الى التدخين  بحكم  تطور المجتمع وانفتاحه على العالم ولو عاش أهل الفريج الى يومنا هذا  لقضوا جل وقتهم في البحث عن "الجليل"المستحب "الذي يدعو الى الاحترام " بعد تحول المخزي الى ثقافة عامة ولغة تخاطب  والفاظ  تأنف الاذن من سماعها  ويخجل القلب من الانصات إليها.

الأربعاء، 19 سبتمبر 2018

الاستثمار في الوجع الشعبي


 

مدى  نجاح أي مشروع  وفاعلية أية خطة حكومية مهما كانت أولويتها أو اهميتها هو في خلوها لاي مصدر من مصادر الوجع الشعبي أو لأقل قدر منه داخل المجتمع,لذلك تبدو الفاعلية والجاهزية وحسن التنظيم وموافقة التوقيت من العوامل الهامة جداً في تحقيق ذلك الهدف , قد نتفق على الاهداف بشريطة أن لاتكون الاهداف مصدراً للوجع الشعبي , كثيرة هي القرارات التي كانت مصدراً  لوجع شعبي داخل المجتمع , والتي مع مرور الزمن ثبت أن هذا الوجع الشعبي كان  مبرراً حيث لم تكن النتائج المترتبة على هذه القرارات  ايجابية  الى درجة ان تراجعت الحكومة عن الاستمرار فيها بعد  أن شعرت أن الوجع قد أرتد اليها بعد أن أصاب المجتمع واستشرى فيه , في قطاعات كثيرة منها التعليم والصحة , واليوم  شكل قرار تجنيد طلبة الثانوية مصدراً لوجع شعبي كبير  من عدة نواح  أولا لفجائيته ثانياً لعدم دراسته الدراسة الكافية وتأثير ذلك على نفسية الطلاب  وثالثاً  لتوقيته  رابعاً  لعدم وجود رؤية واضحة حتى عند القائمين عليه  كثير من الاسئلة وجهت للقائمين على المشروع  لم تجد اجابات شافية  لدى الاهالى سوى  أن هناك أوامر  وكشف لي البعض عن  حالة غياب تامه  حول كيفية التصرف مع الحالات الفردية  والصحية والنفسية لكل مجند صغير  هو على أعتاب بناء إمكانية ذاتية  ليجد نفسه داخل صندوق معلب من الاوامر , يحبط كل إمكانية ذاتية في مهدها, حتى أولئك الذين لديهم إعفاءات طبية من أكثر من مصدر طبي داخلي وخارجي جرى التعامل معهم من منطلق "الشك" وهذا في حد ذاته مصدراً عميقاً للوجع الشعبي , حينما يصبح الشك هو نمط العلاقة بين المواطن  والحكومة,  لاأنكر أهمية المرحلة التي نمر بها, لاأنكر أهمية التجنيد الاجباري والخدمة الوطنية , لا أنكر اخلاص المسؤولين , لاأتنكر لواجب المواطن أمام وطنه ,  لاأرفض الفكرة , لكني أرفض الاستثمار في الوجع الشعبي حتى لوكان التراجع عنه بعد ذلك  حلاً ,بل أدعو الى ضرورة دراسة التجربة أولاً  بشكل تشاركي قدر الامكان  وتداولي داخل الاوساط الاجتماعية  وان لم نصل بعد الى مرحلة الاستفتاءات الا أن هناك مجالاً للتدوال , وعدم  الاعتماد على اسلوب احداث الوجع الشعبي لادراك نجاح  التجربة أو فشلها.

نحن أمام بناء ثقة  ولسنا بصدد إختبار مواطنة, كل أبناء قطر على قيد الاستعداد لتلبية الواجب بشرط الشعور بالذات أولاً, عندما يُحمل الانسان على أنه مجرد شىء يصبح وجعه عميقاً والاستثمار في  هذا الوجع خطيئة  قد تنسى ولكن لاتغتفر في حق وجودة كإنسان, إسألوا كثيراً ممن ذهب ضحية للاستثمار في الوجع الشعبي   في قطاعات كثيرة كالتعليم والتقاعد المبكر  والصحة  وغير ذلك

إستثمروا في الانسان كقيمة في حد ذاته , ولاتستثمروا في الانسان  كموضوع للتجربة والتقييم لأن في ذلك انتقاصاً في كرامته كمخلوق فضله الله على كثيراً ممن خلق وكرمه على من سواه من الكائنات.

الأربعاء، 12 سبتمبر 2018

كيف كنا نعيش الهوية كسرد




 


في ستينيات القرن الماضي وحتى أوائل الثمانينيات منه, كانت الفرجان في قطر مكاناً رائعاً لممارسة الهوية كسرد, في الريان حيث كنت اعيش  كانت جميع عوائل قطر وقبائلها تقريباً اجزاء منها تقطن هذه المنطقة التاريخية  من قطر , بمجرد أن تخرج من بيتك  أنت في علاقة أفقية مع الآخر المختلف عائلياً وقبلياً في جوف الفريج ننشىء علاقة مع الاخر الاجنبي , صاحب الدكان الايراني , وراعي القهوة الهندي  والزراع العماني , نتقهوى في مجلس أحد الشيبان ونتعشى على "دجة" آخر من عائلة أخرى هكذا بكل تلقائية وفي المجلس  المجتمع كله يلتقي  نظراً لهذا التنوع الموجود في الفريج, لانعرف القبلية , ناهيك عن الطائفية, العلاقة قائمة على الالتقاء  لاتكاد تحس بالعمق بقدر ما تستطيع أن تلمس وتحس باللقاء وحرارته, الذي جعل الفريج خالياً من الغموض الذي يربي الخوف وينشأ الستار بين الافراد , هذا الاختلاف الجميل جعل من الحياة هوية  لم نكن في تشابه من حيث  الانتساب لقبيلة واحدة او لعائلة واحدة , لم نكن ننتسب الى قطر من حيث تاريخ التواجد فيها , لم نكن جميعاً على مستوى  واحد ومسافة واحدة من السلطة , السلطة كانت مبثوثة في كل مكان كرموز من العائلة الحاكمة أو الوجهاء ,الالتقاء شبه اليومي بهم والتشاور والتناصح  والتدوال المستمر لمشاكل الفريج هذا التمازج اوجد هوية سردية تعيش وجودها بقدر تواجد الاخر , هذا الاغتناء أوجد قطرياً يعي ذاته  بقدر وجود الاخر الغير قطري ,كنا  ذواتاً قبل أن نكون هوية.


كيف بدأت الهوية الميتافيزيقية" في التشكل ؟ حينما بدأنا بإنشاء مايسمى فرجان العوائل  كل على حدة وأزلنا الاحياء القديمة التي كانت تمثل نموذجاً رائعاً للهوية السردية كالبدع والرميلة والريان  والجسرة.الهوية الميتافيزيقية كما أرى هي الهوية  التي تمتلك ذاتها في داخلها ولايمثل لها الخارج اي بعد تمايزي وتعتقد بقدرتها على الاستغناء عن الاخر" كل هذا  في اعماقها" يعني أصبحت "جوهر".

مع فرجان العوائل وبعض الامتيازات الاخرى كذلك التي يغلب عليها المسمى العائلي والقبلي داخل المجتمع  مجال الهوية الميتافيزيقية , فأصبح الفريج كله لقبيلة واحدة وداخل الفريج ذاته احياء لعائلة واحدة دون غيرها منها, واصبح الفرد لايرى الا من يشابهه تماما الا بالمسمى الثالث او الرابع ربما بمعنى أتقهوى مع نفسي , وأتغدى مع نفسي وأتعشى مع نفسي  مع جزئي الاخر  من نفسي عائلتي وقبيلتي  , ما أد الاشارة إليه هو أن الدولة اليوم غيرها بالأمس  وأصبح سؤال الهوية القطرية  بما هى جوهر  مطروحاً في كل مكان  وهو سؤال زائف , الهوية هي الهوية السردية التي كنا نعيشها في السابق ويمكنها الاستمرار  والتطور بشكل تلقائي  اذا لم تتدخل الحكومة بإجهاضها كما اشرت حينما شرعت في  في انشاء ما يكرس الهوية الميتافيزيقية الاولية, مثل بعض الاحتفالات  وبعض المناسبات الفارزة بشكل واضح ,ايضاً التجنيس العشوائي والسريع يعتبر مقتلاً لتطور الهوية السردية الفاعلة التي تمارس وجودها بتلقائية,الخوف على الهوية هو ناتج ممارسات خاطئة  في حين أن اسبقية الحرية على الهوية   سيجعل من المجتمع صاحب رأي  في كل ما سيتعرض له من تغيرات  وبالتالي يتحمل  مسؤولياته وتبعات ذلك, الهوية اولوية حينما لاتمتلك الارادة والحرية  وبالتالي هي في موقع  التأثر  وردود الافعال. هذا مثال بسيط أردت إيضاحه لأهمية الهوية السردية التي كنا نمارسها تلقائياً  لولا خطوات  اخرى  لم تكن مدروسة بشكل كاف قضتها عليها أو أزاحتها عن المشهد نتيجة الاعتقاد بأولوية الهوية على الحرية  ورأي المجال العام والاوساط الاجتماعيىة,  مما جعل من الهوية القطرية "جوهراً" متعال بعد أن كانت "سرداً" منفتحاً, واليوم يبدو الخوف عليها  خوفاً مبالغاً فيه لغياب الحرية التي تنشأ من خلالها الهوية  السردية التي تشارك في صنع ذاتها  وتقرير مصيرها.  بين الابتعاد عن الجذر  وبين الانتشار الصحي على السطح والعلاقة الافقية التي تكرس اللقاء  يبدو خيار الدولة صعباً مالم نضع اولوية للحرية على الهوية ويصبح التدوال  الواقعي بديلاً عن الاسقاط الفوقي  الذي قد يهمش الجذر لصالح السطح او يعمق الجذر بحيث يجعل منه رافضاً  للتعايش مع السطح


الأحد، 2 سبتمبر 2018

كتب الانساب ....الدولة أم تجاوزها؟


 

 هناك ظاهرة بدأت تنشط يوما بعد آخر  في تناغم غريب مع اتجاه الدوله نحو التحديث كما تقول مصادرها و يشيع إعلامها, وهي ظاهرة التسارع في كتابة وطباعة كتب الانساب , ليس الغريب في الفكرة لكن المستغرب هو الوقت  والوتيره  والعدد, التزاحم حول إعادة كتابة الانساب بما يتلائم مع االوضع الراهن سياسيا وإجتماعيا ,  يدل على موقف سلبي من وجود الدولة الحاضنة لجميع مواطنيها وعودة الى ماقبل قيام الدول, سيقول قائل: لكن معرفة الانساب ضرورية للارحام وللتواصل ؟  واقول نعم  ولكن لقد تعارف الناس على ذلك دون عناء كتابة التاريخ تكلفا. عندما قامت الدولة في قطر كان الجميع على علم بإصولهم  وأنسابهم  ولم يستشعر المجتمع الحاجة الى  إعادة التأصيل ومن ثم إعادة اللبس , أنا أعتقد أن هذه الحمى  تدل على الخوف  وليس على الثقة , وتدل على هشاشة الدولة أو إتجاهها الى الهشاشة أكثر من ذي قبل, وتضخم مرضي للقبيلة على حساب مؤسسات الدولة , ونزعه استهلاكيه إحتكاريه  للبنية المجتمع الاجتماعيه. ألا تكفي الدولة أن تكون نسبا مع الاحتفاظ بنسب الانسان كما تعارف على المجتمع؟ , ألا تكفى المواطنه أن تكون سندا تاريخيا بدل الابحاث في الاصول  والتخلص من  الضعيف واللجوء الى الأقوى.؟ مجتمعنا يتجة الى القبليه دون فرملة واضحة ففي حين  تتكاثر المؤسسات إسميا , تتعاظم الولاءات الأوليه  يوما بعد آخر , أنا هنا من باب المسؤولية أقترح أن  لاتكون الدولة مصدرا في إضفاء المشروعية لأي كتاب ينشر عن تاريج قبيلة أو تجمع من القبائل أوالبشر حتى لاتعطي مصداقية  تناقض مصداقيتها ولاتضفي مشروعية تنافس مشروعيتها. قطر هي مرجعيتنا كمواطنين وأنسابنا معروفة  ,   قضية الأنساب وبحثها من جديد يقلل من مصداقيتها , لأن النسب ماتعارف عليه الناس فيماسبق وماتضفية الدولة على مواطنيها من امتيازات  حقوقيه, إذا فتح الباب للبحث في الانساب , الجميع سيكون عرضة  للإختلاق , ليس هناك في الانساب  ثبات تاريخي متجذر بشكل يجعل القطع معه  لايقبل التداخل , إعادة إنتشار المجتمع من هذا الجانب يدل بلا شك على هشاشة الدولة كما أشرت وعلى خوفه وعدم ثقته في حاضرة ومحاولة التحاق من البعض خوفا  من الوصمة الاجتماعية التي تتميز بها مجتمعات ماقبل الدولة الوطنيه.

الثلاثاء، 28 أغسطس 2018

خيانة الطبقة الوسطى


 

هناك جدل كبير حول تعريف الطبقة الوسطى  بل أن هناك جدلاً مستمراً وضبابية كثيفة  وواضحة حول تحديد سماتها وخصائصها في المجتمع العربي عموماً والمجتمع الخليجي بشكل أخص,  لكن مايمكن الاتفاق عليه هي أنها من يتحمل العبء الأكبر  في مجريات التحولات  الاجتماعية والسياسية التي تمر بها هذة المجتمعات , للطبقة الفقيرة  مع  ضبابية هذا المفهوم ايضاً في مجتمعاتنا  بالاخص  دور ووزن ولكنها محكومة بالطاعة نظراً لظروفها وحاجتها  وحتى في حالة غضبها فإن التعامل معها سهل من خلال القاء  بعض الفتات المادي والاعلامي من وعود  وامنيات , أما الاغنياء  رغم ثرائهم الا انهم لايملكون الروح البرجوازية اللازمة  والوعي الملازم  لها كما كان الحال في البرجوازية الرأسمالية في الغرب  فهم في احسن الحالات وسيط او سمسار  تتوسع معه دائرة الفساد ويزداد محيطها. بين هؤلاء وهؤلاء تصطف طبقة وشرائح متعدده تتفاوت في قدراتها المالية وتتميز بمستوى من التعليم  هي من يتحمل عب المرحلة في اي مجتمع , لاحظنا حتى في أزمة الحصار الراهنة اليوم , أن هذه الشرائح هي من يتحمل ويتصدى لمقاومة هذا الحصار  وعبء هذه المرحلة من التحولات الدراماتيكية التي تجتاح المنطقة, والجدير بالذكر أن الشريحة الوسطى في المجتمع القطري  هي مجموع   رأس المال الإجتماعي "الجاه الاجتماعي"  للعوائل والقبائل القطرية الذي شكل أبناؤهم  فيما بعد طليعة المتعلمين وأوائل الموظفين الحكوميين  بعد قيام الدولة بإتباع سياسة تعليم وارسال بعثات بشكل واسع في اواخر الستينيات والسبعينيات  قبل تفاقم الظاهرة الريعية بشكل  أثر على طبيعة التعليم والثقافة , ولكن يبدو عدم التقدم  في توسيع خيارات هذة الشرائح يجعلها في مأزق ويحولها  الى حالة من الغضب والاحتجاج السالب  وتفقد بالتالي امكانيتها الخاصة  في الحراك الايجابي الوطني الفعال , أدعوا الدولة الى عدم خيانة الطبقة الوسطى, كما أدعو الشرائح الاجتماعية الوسطى الى عدم خيانة الدولة, خيانة الدولة لها بعدم توسيع خياراتها السياسية والاجتماعية  بحيث تصبح الشريحة الاوسع والاشمل ضرورة لإتزان المجتمع  وحفاظاً على وسطيته, وخيانة الطبقة الوسطى للدولة تتمثل في استسلامها للإغراءات  والمزايا الريعية حتى تتخلى عن دورها الحقيقي والطليعي في أمن واستقرار المجتمع,    

الأحد، 26 أغسطس 2018

حينما كان الورع والاخلاص وزيراً


 

الشكوى المستمره من الفساد الاداري والمالي جعلني  اضع " المنصب بين قوسين بمعنى أنه السبب  الموضوعي لذلك  وليس الشخص  كسبب ذاتي , بمعنى أن كل من سيتولى "المنصب" وأعني هنا المناصب التنفيذية العليا كالوزارة  أو رئاسة مجالس الادارة وغير ذلك من المناصب التنفيذية العليا , سيكون عرضة وموضوعاً لشبكة الفساد, وبالتالي ليس السبب ذاتي بقدر ماهو موضوعي, بمعنى آخر أن الشخص يفقد حصانته الذاتية  وينساق لمتطلبات المنصب وضغوطه, ولكن في نفس الوقت , ارجع بذاكرتي الى الماضي القريب  لاجد أمثلة  مغايرة تماماً لهذا التصور,  حينما يفقد المنصب إغراءاته  أمام  حصانة من يتبوأه  خلقاً وديناً وورعاً. حينما كان الورع  والاخلاص وزيراً  , كنا نرى حرص الوزراء  على القيام بأعمالهم على خير وجه , عندما كان الاخلاص وزيراً ر أينا دواماً  صبحاً ومساءً في استكمال حاجات المواطنين  الضرورية , عندما كان الورع وزيراً  سمعنا ورأينا  تفانياً في خدمة المواطن, عندما كان الاخلاص والورع وزيراً خرج الوزير من الوزارة ليس بجيب ممتلىء وبأسم ملوث يتوارى من الانظارخجلاً مما عُرف عنه وانما  بقلب ممتلىء بحب الناس وبسمعة تفوح برائحة الشكر والعرفان, عندما كان الورع والاخلاص وزيراً فتح الوزير مكتبه وقلبه  للمواطن,  عندما كان الورع والاخلاص وزيراً كان الحرص على الطلاب  وعلى فلذات الاكباد  تتطلب منى الوزير حتى أن يلاحق باصات المدارس ليعاقب من يسرع ويعرض حياة الطلبة للخطر, عندما كان الورع والاخلاص وزيراً , كان توظيف القطريين أولوية قصوى , حينما كان الورع والاخلاص وزيراً  جاءت المساعدات من جميع الوزارات لكل مواطن  دونما تمييز ولا واسطة  ولامحاولات للتكسب على حساب المجتمع ,عندما كان الورع والاخلاص وزيراً كان الوضوح والمكاشفة والصراحة والثقة  ديدن العلاقة بين الوزير والمواطن , حينما كان الورع والاخلاص وزيراً  كان المنصب صغيراً أمام شخصية المسؤؤل  لايسأل عن مدة إقامته فيه بقدر ما يسأل عن ما يقدمه للناس ,  بدأت أتيقن أن الشخص هو المشكلة وليس المنصب , الورع والاخلاص قل منسوبهما بشكل كبير , والافظع من ذلك  حينما  يصبح الامر متسلسلاً بحيث تمسك طرف الخيط ولكن لايمكن ان تصل الى نهايته  دونما ينبىء بما  يزلزل المجتمع اخلاقياً ومعنوياً.  الاشكالية الكبرى حينما يصبح الامر عادياً  ويصبح التحقيق جزء من المسلسل والنتيجة جزء من  نهاية الافلام العربية حيث يلتم البطل على البطله ويتزوجوا ويخلفوا صبيان وبنات  ويعيشوا في سلام ونبات, والى فيلم آخر أو بالأحرى  الى وزارة أخرى.

الجمعة، 24 أغسطس 2018

مقاربة"فلسفية" لحل الأزمة



مضى أكثر من عام  على الازمة الخليجية الراهنة"حصار قطر" إختلط فيها الزمن الكوسمولوجي بالزمن النفسي , الزمن الكوسمولوجي  بماهو الزمن المعروف ايام وشهور وسنين والزمن النفسي  بماهو الانسان وشعوره واحاسيسه داخل هذا الزمن الكوسمولوجي. هوةٌ كبيرة بين هاذين الزمنين , لم ننتبه  ولم ندرك  بأن هذة الهوة وهذه الفجوه بين هاذين الزمنين لايمكن ملؤها  الا من خلال الاعتراف والسرد , الحصار كزمن كوسمولوجي له اكثر من عام  ولكنه كزمن نفسي  ليس كذلك خاصة ان الشعوب  غير مسؤؤلة البته  لا عن اسبابه ولا عن نتائجه  فهو زمن نفسي  للسلطة  وليس للشعوب . وذلك يبدو واضحاً  من إصرار سلطات دول الحصار على الحل النيتشوي له عن طريق القوة  والاخضاع  وهو ماثبت بطلانه  وعدم قدرتها على فرضه بالرغم من جميع محاولاتها  لانها لاتدرك كما ذكرت المسافة بين الزمن الكوسمولوجي والزمن النفسي  التي لايمكن ملؤها الا عن طريق السرد والاعتراف والحوار. خاصةً  ان الاصرار  على الحل النيتشوي  وسياسة القوة يضعها هي ايضاً  ضمن  جدول  الانسان السوبرمان  وتصبح بالتالي وسيلة له لتحقيق رغباته  واملاء شروطه   وهو مايمثله ترامب خير تمثيل , اعتقد الآن أنه بات واضحاً للعيان أنه للخروج من حالة  الابتزاز لجميع الاطراف  ليس في الاستمرار في طريق امحاولة الاخضاع بالقوة  والسياسة النيتشوية الذي يمثلانها دونما ادراك بالعواقب كل من المحمدين , بل الحل عن طريق  اعتماد  فلسفة التواصل الاجتماعي الذي يمثلها  هابرماس  وتلميذه  هونيث  وفلسفة الاعتراف كذلك التي يمثلها بول ريكور , فالحوار  شكل من اشكال النضال  وليس كما يظنه البعض مجرد  مناقشة بعض النقاط وتلافي  العداء واسس الخلاف ,  فالحوار اذا  ما اشتمل على الاعتراف المتبادل وتحديد الاخطء والخطايا  ومن ثم الغفران والتسامح من جميع الاعضاء , لأنه ليس هناك  خطأ ولاخطيئة  مجردان دون   شروطهما الموضوعيه أو الذاتية ,خاصة كما قلت ان الشعوب  ليسوا  اطراف حقيقية  في هذا الخلاف, في هذه الازمة  لايجب استحضار فقط المصلحة والمنفعه وهو ما يجعل من  الحل النيتشوي مدخلاً ولكن  يجب استحضار النموذج الاخلاقي  الذي يجعل من الاعتراف المتبادل والحوار القائم على النضال كمطلب للتعايش الإنساني حتى يصبح منهجاً تواصلياً  وليس مجرد وعود تطلق , من هنا فقط يمكن ان نملأ الفجوه بين الزمن الكوسمولجي الذي يتطاول يوماً بعد آخر والزمن النفسي الذي يزيد إحتقاناً يوماً بعد آخر كذلك والذي كل ماأستمرأكثر كلما  استحوذ اكثر وأكثر على فكر الشعوب وجعل منهم موضوعاً له  وإن لم يشاركوا أصلاً  في أسبابه ولكنهم مع استمرار الوضع كما هو سيتحملون نتائجه  بلا شك.

مقاربة فلسفية لحل "الأزمة"