الثلاثاء، 18 يونيو 2019

مواطن بين مشروعين



أحدث برنامج عصير الكتب زوبعة كبيرة حينما إستضاف الدكتور احمد صبحي منصور وهو معروف بإنكاره للسُنة , أثناءها تطاول على الصحابة حينما وصفهم بجواسيس لقريش , وكنت أعتقد أن البرنامج كان يُبثُ على الهوى مباشرة إلا أن أحدهم قال لي أنه مُسجل ومُراجع قبل البث,طبعاً هناك فرق بين أن يكون تلقائياً او مسجلاً طبعاً مثل هذا العمل مُدان  جملةً وتفصيلاً. بعدها قامت إدارة تلفزيون العربي بالاعتذار رسمياً والغاء الحلقة وأعتذر كذلك مدير المحطة إلا ان الزوبعة كانت كبيرة ولم تهدأ وكانت وسائل الاتصال الجماهيري مسرحاً لها  وشارك فيها اساتذه من الجامعة  وكان التداعي كبيراً ومن جانبه كرئيس لقناة التلفزيون العربي إستنكر هذه الضجة  الدكتور عزمي بشارة   في عدة تغريدات له وأستنكر أن تكون نهج وليست غلطة يمكن تجاوزها ووصف ان وراءها حقد ورغبة في هيمنة الرأي الواحد , وكان الدكتور نائف بن نهار رئيس مركز إبن خلدون في جامعة قطر وفي عدة تغريدات ذكر أن ماقام به التلفزيون  جزء من برنامج أوسع يقصد الإساءة للصحابة وبالتالي للإسلام كهوية للمجتمع وجاء ذلك تراكماً على تُهم  كثيرة قد ساقها الدكتور بشاره ضد الاسلام في كتبه سابقاً مما جعلها تبدو أو هي عمل ممنهج ضد دين وهوية المجتمع الإسلامية  وطلب منه حواراً علمياً"مناظرة" على الهواء لدحض هذه الاتهامات ضد الاسلام وكشف حقيقة موقف الدكتور بشاره منها ,وفي تلفزيون العربي الذي تحت إدارة الدكتور بشاره ,خاصة أن الدكتور نايف سبق وانتقد في مقال له على موقعه كتاب "السلفية الذي ألفه بشارة وأعتبره مجرد  تجميع  وخلط كبير للمفاهيم ,  خوفي هنا في إختزال هوية المجتمع في بعد واحد دون باقي الابعاد , ولي هنا بعض الملاحظات أود لو أوجزها في التالي:

أولاً: علينا أن نعي أننا أوطاننا اليوم ليست كما كانت قبل عشرين سنة , فقد وصل التفتت والانقسام مراحلة الاخيرة , وقد أصبحت اوطاننا اليوم ضحية التقنية  من يفتت ويمزق اوطاننا اليوم هي التكنولوجيا التي نتعامل معها كمنتج  دون وجود ارضية تحكم وتسيطر عليه كمكتسب .

ثانياً:سرعة تطور التكنولوجيا لم يواكبها فهماً للتراث من قبلنا  يجعل منه  حالة متجاوزة وليس كيان ثابت , من هنا تبدو برامج تناول التراث  وإعادة طرح قضاياة التي قد طرحت منذ سنوات بل ربما قرون دونما تجاوز  أكثر إلتهاباً عنها من ذي قبل, هناك حالة من التراكم قائمُ الاحتقان  لوجود هذة القضايا مختبئة في العاقل الباطن أو في الذهن النائم , ما أن يُعاد طرحها حتى تقفز الى الوعي دونما هوادة أو تبصر نتيجةً لاحتقانها الشديد.

ثالثاً: أنا لست مع المناظرات في مجتمعاتنا  أو حتى الحوارات حول القضايا الحساسة قبل إقامة المواطنة الدستورية  التي تجعل من المتحاورين أو المُتناظرين مواطنين أولاً قبل أن يكونا يحملان فكراً مختلفاً.ولنا في برنامج الحوار المعاكس  وغيره من برامج الحوارات التي تنتهي بالضرب والشتم والاخراج من المَلة والدين  لانها برامج تقوم الايديولوجيا اساساً  وليس على مفهوم المواطنة.يحدث في الغرب  في البرلمانات وغيرها خلاف وقد يمتد الى الأيدي لكن لايعود بها الى المرجعيات الأولى لأنها تجاوزتها ولديها مرجعيات وسطى مدنية بديله كالاحزاب او النقابات او الجمعيات هذا هو الفرق بين  رأينا المعاكس ورأيهم المعاكس.

رابعاً:   الدكتور نايف والدكتور عزمي كلاهما مواطن قطري, لكن المشكلة أن مفهوم المواطنة لم يتشربه المجتمع بعد, ففي ذهن المجتمع أن الحوار سيكون بين إسلامي وعلماني , ويمكن تلمس ذلك من ردود تويتر  وتعليقاته وحماس البعض وتلفظه بألفاظ سليطة وقبيحة , وهوما جعل الموضوع حالة من حالات المرجعية الأولى وهنا الخطورة على المجتمع والردة التي نخشاها

خامساً: في مجتمع المواطنة  ماحصل من تعدي في هذا البرنامج  هو عمل فردي ولكن في مجتمع المرجعيات الاولية هو خطة ممنهجة ضد المجتمع هذا طبيعي لأن الايديولوجيا  بدون مجتمع مدني حالة من التطاير والثورة. وهذا واضح   من خروج مخزون تاريخي  كان مكتوماً  ومغلقاً في النفوس مما جعل من الكلمة بناء ومن اللفظ نية مبيته, دون إيضاح دليل حقيقي يكشف  بأن هناك مؤامرة على هوية المجتمع الاسلامية.

سادساً : أنا ضد ماتم في البرنامج من تلفظ معيب بحق الصحابة بلا شك ,ولكن ما يهمني فعلاً هو مجتمعنا القطري  الذي يفتقر الى مكونات المجتمع المدني والذي جعل منه ضحية بين طرفين أو مشروعين في داخلة  وليسا نابعين من خصوصيتة  ولم يتحولا بعد الى طلب فعال لديه , لذلك من الأهمية بمكان ملء المجال العام بالمواطن الدستوري الان نعيش فراغاً من المجال العام فيبدو الجسم خالياً من المناعة ضد ما يأتيه من الخارج من أفكار وايديولوجيات ,هذا مايشغلني ,لذلك ادعو للمرة الألف لاحياء المجتمع المدني الذي بذور موجودة  ولكنها تلتهم من قبل الدولة  في مشاريع كليانية واسقاطية,  لايمكن لمجتمعنا التأقلم والمشي قدماً إذا لم نحقق تقدماً على طريق المواطنة أيضاً , هناك وجود مكثف في البلد من شتى الايديولوجيات وهذا طبيعي طالما إعتمدنا سياسة"كعبة المضيوم" ولن يستطيع المجتمع مواكبة ما يعتمل في أحشاءه  من هذة الايديولوجيات مالم يكون الحوار بينها على أساس المواطنة وليس ماتحمله من فكروأعتقاد لكي لايتحول الاختلاف الى خلاف ومن ثم صراع ليدفع المجتمع الثمن الباهظ والمكلف.علينا أن نصبح مواطنين انطلاقاً من دساتير مواطنة حتى يمكننا أن نتحاور أو أن نتناظر حيث الأرض صلبة تحت أقدامنا ونجوم السماء الصافية فوق رؤوسنا.