الأربعاء، 9 أغسطس، 2017

الأزمة ...أزمة نظام تعليم أيضا



هب ان مجموعة من الناس استقرت في صحراء قاحلة فإن أول ماسيفكرون فيه هو إنشاء مجتمعا وسيبدأون اولا بحاجاتهم الضرورية اللازمة لحياتهم , وبعد فترة وبعد أن يجتازوا صعوبات البداية وبعد ان يتكاثر عددهم بحيث يصبح بعضهم مزعجا للبعض الآخر وتبدأ المصلحة الفردية في السيطرة على الانفس  تنشأ الشرور , يبدأ المجتمع في التفكير في تشكيل حكومة او يجهاز يدير المجتمع فالحكومات أساسا تنشا لمنع الشرور من التفاقم كما ان الاتحادات الاقليمية تنشأ كذلك  خوفا من شرور العالم المحيط, فلو أن النوايا تظل صافية وموحدة وملتزمة  فليس هناك حاجة لقانون أودستور, ومن هنا جاءت فكرة العقد الاجتماعي.ولكن كيف تستطيع الحكومات ان تحافظ على الأمن ؟ لكي تحقق ذلك و تقوم بإنشاء مدارس حتى تضمن أن يكون الناس مطيعين وستدعو الى التعليم وستنيط بالمدرسة دعم البناء الاجتماعي ومحو الامية ستتمكن الاجيال من القراءة والكتابة وسترسل البعثات للدراسات التكميلية بشرط أن تظل الاجيال محكومة  وضمن نطاق السيطرة  سواء من ناحية المنهج أو من ناحية الثقافة المسيطرة التي تجعل من الهوية  تأتي  أولا قبل الحرية, سيتمكن الناس من المعرفة ولكن لن يتثقفوا ولن يصاحب ذلك نموا في شخصياتهم, وسيصبحون جزءا من المشكلة المتفاقمة  في المستقبل , كما نشهد اليوم في ازمة الخليج  حيث أن الدور المناط بالمجتمعات ليس هو الفهم وانما التكتل والدفاع. يذكر "لينين" أنه لاوجود للسيلسة بدون قراءة وكتابه بل بدونهما لايوجد سوى الكراهية والاحقاد والاشاعات.  أليس هذا مانشهده اليوم في ازمتنا الراهنة في الخليج , لان العلاقة الضرورية بين التعليم والحقوق السياسية مفقودة  في جميع دولنا الخليجية سوى الكويت حيث مناهج التعليم مكرسة  للحفاظ على الاوضاع الراهنة  وتخريج أجيال مطيعة  لضمان استمرار السيطرة, متى ما استخدمت المدرسة من اجل بناء المستقبل  يصبح المجتمع أكثر قوة ومناعة  واكثر تعددية , في مجال الرأي  وإيجاد البدائل , تحتضر الدول عندما تستنفد برامجها التعليمية دورها  واقتصارها  فقط في إنتاج الطاعة  والخضوع , مناهجنا التعليمية بل أنظمتنا التعليمية في الخليج  تحتضر ويحتضر معها مجتمعاتنا ودولنا كذلك, التعليم من أجل البقاء ليس التعليم من أجل التغيير , العلاقة بين نظام التعليم  والحقوق السياسية  علاقة متلازمة  لكي تمارس حقك السياسي لابد لك من التعليم ولكن تتعلم لابد لك من ممارسة حقك السياسي كذلك و في خليجنا جرى فصل واضح نظرا لقصور الدولة عن الاكتمال  مما جعل عملية التعليم مبتوره  ويجد المتعلم نفسه بعدها مضطرا للدخول في الانفاق الاجتماعية الاولية التي لم تصلها السياسة بعد., فرصة أن نعيد التفكير في نظامنا التعليمي وفرصة مؤاتية هذه الازمة لربط  بالبدء في العملية السياسية  الدستورية ولو على خطوات  حتى لايصبح التعليم هدرا  وتعيش الشعوب الازمة  تلو الازمة وهي لاتعلم  كيف بدأت وإلى أين ستنتهي.

الأحد، 6 أغسطس، 2017

علمانية "العتيبه" الفخ المنصوب



أعتقد أن سفير الامارات "العتيبة" في الولايات المتحدة الامريكية نصب فخا  لتحويل مجرى الازمة  من مسارها  الطبيعي الى مسار آخر مفتوح تماما أمام التأويل  والاستطراد  بحيث تتحول من كوَنها أزمة مادية "حصار وعدوان " إلى قضية فكرية قابل للنقاش ولكنها غير قابلة للحسم لأنها مستوردة من الاساس ونبته لم تُزرع بعد في أرضنا الخليجية ولاأعلم إذا كان العتيبة يقصد ذلك أم لا ,أم أنه استخدمها سياسيا لمخاطبة العقل الغربي الذي يفهمها  جيدا حيث هي إحدى سياقاته التاريخية وأعتقد أن هدفه كان سياسيا  وليس فكريا  ولي هنا بعض الملاحظات:

أولا: معظم المعلقين  والمتحدثين إجتزأ  لفظ "العلمانية" وبدأ في تحليله وتفسيره  وكأنه لفظ"خُلص" له مدلول  واضح , في حين أن كان نتيجة لسياقا مجتمعي طويل  مرتبط بمفاهيم اخرى كالديمقراطية  والانوار  والعقلانيه وكشف السحر عن العالم ... وغير ذلك من المصطلحات التي أخذت سياقات  عميقة من تاريخ الغرب.

ثانيا:هو فخ لأنه وجه الانظار  الى الوجهة الخطأ التي يجب أن تتوجه لها أنظار شعوب الخليج الآن بالذات وهي قضية الاصلاح السياسي, فبدلا من تناول هذه القضية التي تضع الدول والشعوب في هذه المنطقة أمام مسؤولياتها, أصبح الموضوع إتهام تاره ونفي تارة أخرى  ومحاولات خجولة للتبرير بين علمانية استبدادية وعلمانية عقلانية وكلاهما  غير ذي صلة بواقع مجتمعاتنا الخليجية.

ثالثا: كشفت هذه الواقعة  أزمة الثقافة في مجتمعاتنا بشكل واضح حيث لافضاء حر  ولا مجال عام لها بعيدا عن سلطة الدولة ورغبة الانظمة, هذا موضوع فكري فلسفي تناولته وسائل الاعلام  والمحللين  بشكل دفاعي لأن "العلمانية " في نظرنا "تُهمة" وليست سياق تاريخي , واتينا بالتفسيرات الجاهزة من المعاجم  من علمانية شاملة واخرى جزئية "المسيري"وهي دراسات  قامت لتفسير نمط الراسمالية وتطورها واثرها على النظام الاجتماعي في مجتمعات الغرب.

رابعا:كان من الاجدر بدلا من الرد على السفير"العتيبة"  ومحاولة اسقاط ما تلفظ به على مجتمعاتنا بالذات  وعلى السعودية بالاخص واستنكار ذلك , أن ينبري أحد مسؤولينا أو وزرائنا  لتصحيح ذلك بالاشارة الى إستبدال لفظ "العلمانية" التي  تلفظ بها او المجتمع العلماني بصوره أدق الى لفظ "الاصلاح السياسي" حتى يمكن حصره في زاوية محددة متفق عليها بدلا من أن يبدو وكأنه  يمتلك   زمام الاثارة التي لاتزال تتفاعل. فتحولت أزمة الثقافة التي أبرزها مثل هذه التصريح الذي قفز الى النتيجة قبل أن يوضح الاسئلة والاجوبة التي أوصلت إليها إلى أزمة "لقافه"  من جانب الردود عليها  والتفاعل معها بشكل سطحي  ومبتور.

خامسا:مجتمعاتنا ليست عقلانية بمايكفي  وليست ديمقراطية بعد  وليست تعددية  ومع ذلك  يأخذ منا مفهوم "العلمانية" كل مأخذ  وهو اشبه بالنسيج الضام لكل هذه المفاهيم  مع بعض  في سياق تاريخي  يزداد كثافة هنا وتقل كثافته هناك .فليس هناك علمانية  تقف لوحدها حتى يمكن رجمها أو شتمها أو في المقابل إحتضانها, هذا الانكشاف الثقافي دليل على غياب المجال العام الثقافي  البعيد عن  السلطة  أو ليس له سوى مساحة  هامشية لاتذكر.

سادسا: العلمانية كما اشرت سابقا هي سياق  تاريخي داخل المجتمع  يكون مساوقا لسياق التدين فيه , فهناك علمانية بعدد  سياقات التدين في المجتمعات, أما في مجتمعاتنا فسياق التدين فيها  "فقهي " وليس لاهوتي لذلك تنتج سياقات فقهية مقابلة لها  يعظم من شأنها الاستبداد السياسي الذي يستخدمها لتطويل  مدة بقاؤة في السلطة, فالسياق الحقيقي في مجتمعاتنا إذن هو الاستبداد  ويستعين  بالتدين الفقهي, لذلك السياق الذي يجب أن نُركز عليه كمقابل  لهذا السياق"الاستبداد" ,هوسياق الاصلاح السياسي للخروج من الاستبداد وليس العلمانية التي نشأت كسياق مقابل للسياق الديني اللاهوتي في الغرب.

سابعا: كما أشرت الازمة ثقافية بالدرجة الاولى وأول  خطوات إجتيازها  هي  في تحرير الثقافة والفكر من قبضة الدولة  والسلطة في جميع دول المنطقة, حتى  لانطرح الاسئلة الخطأ في المكان والزمان الخطأ  ومن ثم تأتينا الاجابات خارج  الزمان والمكان,فاثبتت الازمة أم ن مثقفي السلطة اشد خطر  على المجتمعات من أزماتها السياسية أو هم من أعراضها وسبب في ديمومتها.