الأربعاء، 2 أبريل 2025

بين ثقافة "النخبة" ونخبة الثقافة

 سألني أحد الاخوة قائلاً : أين دور النخبة او النخب على اختلافها في  تطوير وعي المجتمع  وزيادة إثراء المشهد الثقافي المتآكل عن ماكان سابقاً؟ أجبته:

لكي ندرك لماذا دور هذه النخب في المشهد الثقافي تأرجح من فترة إلى اخرى، علينا ان ندرك التغير الذي حصل لدور الدولة وطبيعة هذا الدور، خلال العقدين السابقين أو يزيد قليلاً.

انتقل وضع الدولة من المساوقة مع المجتمع إلى تجاوز المجتمع نحو تحقيق أهداف طموحة كبيرة، ما كان بالإمكان تحقيقها أو السعي في تحققها لولا دور" ثقافة النخبة،" احتاجت الدولة إلى ثقافة النخبة ورؤيتها اكثر من حاجتها إلى دور النخب الثقافة، لذلك كان يبدو واضحاً وجود هاتين الثقافتين جراء تغير دور الدولة وطبيعة هذا الدور الجديد، ثقافة النخبة الرائدة، ونخب المجتمع الثقافية، لذلك من يقول إنه في السابق كان الحراك الثقافي اشمل واكثر اتساعاً منه الآن محق، لكن عَلى ألا يغفل عن السبب في ذلك إلا وهو طبيعة الدور الجديد للدولة، عَلى امل انه في القريب العاجل تزداد المشاركة بحيث تتسع الدائرتان، دائرة ثقافة النخبة ودائرة النخبة في المجتمع   ليتماسا ويصبحا دائرة واحدة بعد تحقيق اهداف الدولة التي سعت لها، علينا الوعي بأن هدفاً خرافياً ككأس العالم يقام في قطر ما كان يمكن حتى الحلم به لولا دور "ثقافة النخبة." أو الصفوة التي تملك القرار

وضع المرأة في مجتمع الأكثر محافظة في المنطقة ما كان ليتعزز لولا ثقافة النخبة، البنية التحتية الجبارة ما كان يمكن ان تتم في وقت قياسي حداً لولا دور ثقافة النخبة.. أمور كثيراً نشهدها ما كانت لتتحقق لولا ثقافة النخبة واقتناعها، ولكن يبقى في الأخير التأكيد ان المستقبل للنخب الثقافية وتنوعها في المجتمع وقبولها للاختلاف وانصهار الثقافة في المجتمع بحيث تصبح النخبة جزءا من المجتمع تبدأ منه وتنتهي إليه.

الخميس، 27 مارس 2025

محمد بن خليفة العطية.... الشاعروالإنسان

 برحيل الاخ العزيز محمد بن خليفة بن عبدالله العطية , تفقد قطر إبناً باراً وأديباً وشاعراً من طراز فريد , فهو مجيد في الفصحى كإجادته في العامية هذا ما يتفق عليه الجميع , إلا أنني لمست فيه جانباً آخر  وهو الجانب الإنساني أو اللوحة الخلفية لهذة الصورة الابداعية الظاهرة للناس ,المتمثلة في ذلك الايمان المتمكن من النفس الى درجة الرضا والقبول بكل من تأتي به الحياة من أقدار كتبها الله  وقدر على الانسان أن يخوض غمارها , زرته قبل عامين تقريباً في مكان إقامته في لندن حيث كان يتعالج من المرض , وجدته جالساً برفقة بعض من أبناء عمومته الكرام  وبعض الاخوة , فأستقبلني إستقبالاً بإبتسامة لازلت أذكر ملامحها حتى هذه اللحظة  , وحين سألته عن حاله ,قال لي بالحرف الواحد : والله يابومحمد لاأعد ما أصابني  سوى زكام ؟ رغم فداحة المرض  يقول لاأعتبره سوى مجرد زكام أو نشلة برد ,هزني هذا التعبير , أيقظني من سبات الخوف والشك الذي يداهم الانسان بين حين وآخر حين يتقدم به العمر   وحين يعظم  الأمور وينسى "والله من وراءهم محيط"  , وبدأ يسرد علي  ذكرياته مع والده الكريم خليفة بن عبدالله العطية أثناء  رحلة علاج الوالد في الولايات المتحدة  وكم كان والده كذلك شديد الايمان بالله والثقة فيه رغم مرضه العضال,رغم كل المؤشرات الطبية السلبية, وكم كان مبتسماً  وراضياً بما قسمه الله له, ودعته على أمل اللقاء به , وعاد الى الدوحة بعد ذلك وأتصلت به مهنئاً بسلامة الوصول ومتنياً له الصحة والعافية, وفي حفل زواج إبنه قبل أقل من عام مضى , بعث لي بدعوة ثم  بمكالمة تلفونية يحرصني  على الحضور لمشاركته في فرحته بإبنه , وبالفعل كنت حريصاً على  تحقيق ذلك , كان مبتسماً كالعادة , فرحاً بالناس قبل فرحته بإبنه في زواجه , لطيفاً , يختار كلماته بعناية فائقة  ليشرح بها صدور المتلقين  والضيوف, خسارته كإنسان قبل كل شىء آخر تعادل بل تزيد خسارة الوطن له  كسلاح استراتيجي ناعم للدفاع عن قضايا الوطن وقيادتة الكريمة, عندما  يكون المرض العضال مجرد زكام تكون الروح قد سمت على آلام الجسد وأتصلت بما هو أعلى وأسمى من الوجود  المادي الى وجود سرمدى  لايفنى ولايتحول, الفقيد قصة إيمان قبل أن يكون أيقونة أدب وشعر وثقافة تفخر قطر بإنجابها , رحم الله أبا عبدالرحمن وأسكنه الجنة يتبؤا فيها حيث يشاء , والهمه أهله وذويه وعموم عائلة العطية الكرام الصبر والسلوان   وإنا الى ربنا لراجعون

الأحد، 23 مارس 2025

إسلامنا الجميل

 


 



فى فرجان"جمع فريج" قطر منذ عدة عقود, كان المسجد يمثل فرحة أهل الفريج وتحابهم, يجتمعون لأداء فروضهم إمامهم منهم أومن الاخوه أهل فارس أوغيرهم من سكان قطر فى ذلك الحين,المنبر كان للدعوه الى تقوى الله ونشر المحبه والتآلف, لم تكن هناك مايكروفونات تصدع بأصوات أكثرها نشاز, لم يكن هناك زى مميز للإمام أو الخطيب,الإمامه لكبير السن مما عُرف عنه التقوى اذا تأخر الامام الموكول, كانت هناك أحاديث بعد صلاة العصر عادة, جميله فى نبرتها , راقيه فى محتواها, خاصية التحاب والتآلف لأبناء الفريج الواحد, كان مصدرها المسجد .  قدسية الاسلام كانت كانت حركة متجسدة على الارض,     وثقافة أهل الفريج القائمه على فطرة التسامح , لاتسمع من يُكفر أحدا, لاتسمع من يشتم مخالفا له , تعلمنا محبة شيوخنا من أهل الدين وحكامنا, كانت ثنائيه المسجد والمجلس فى توافق لاتضاد, شيوخنا فى المسجد هم شيوخنا فى المجلس, الصبغه اسلاميه واحده , حين كانت تنقل الينا خطبة الجمعه للشيخ بن محمود رحمه الله عن طريق اذاعه خاصه ,احدث ذلك تطورا نوعيا واتيح لأول مره للمرأه القطريه أن تسمع خطبة الجمعه مباشره من المسجد.كان الدين يشكل وعي  المجتمع   ,كنا في نفس الوقت نحب ونتابع الافلام العربية  أذكر كم كانت شعبية   رشدى اباظه وفريد شوقى واحمد رمزى جارفة نجوم  السينما المصريه فى أوجها, لاتداخل ولا إزدواجية نعيش الحياة بسجية منفتحة  وبأولويات  ثابتة , ,لذلك كان اسلامنا جميلا هادئا لاتناقض فيه . كان وعياً خالصاً يمثل فيه الدين  الجوهر والقيم   فى كل نواحى الحياه. كيف يعود اسلامن الجميل؟أو كيف بالاحرى نعود الى اسلامنا الرائع, هل يمكن لنا ذلك بعد أن  ,غاب أهل الفريج أو إندثروا أو أصبحوا قله بعد أن غابت الفرجان بشكلها السابق , لكن بقي أهل قطر على فطرتهم رغم كل هذا التنوع والاختلاف في طريقة ونوعية الحياة عن السابق والدليل على ذلك مانشاهده في هذا الشهر الكريم بالذات  من اعمال الخير ولقاءات المحبة وبقي المسجد محور الحياة كما كان في السابق,  . يحتاج المسجد في إعتقادي الى مجتمع مدني يسنده ويشد من أزره, لكل منهما وظيفته , فلانحمل المسجد مسؤولية المجتمع المدني ولانلقي بوظيفة المسجد على كاهل المجتمع المدني.

السبت، 22 مارس 2025

قطر العروبة

 عندما كنت في الصف الأول والثاني في مدرسة الريان القديم كانت الجزائر وفلسطين هما قضيتا العرب الكبرى؛ نستعرضهما كل صباح في الطابور بعد تحية العلم، وكانت كلمة الصباح وصفاً لحال الأمة العربية، وإشارةً لإرادتها وتماسكها في أغلب الأحيان، وكان في مقابل الطابور في «ليوان» المدرسة رسم بارز بعض الشيء لـ»بن غوريون» رئيس وزراء إسرائيل في تلك الحقبة مخنوقاً بحبل مشنقة، ومن خلفه خريطة فلسطين الحبيبة.

بعد الانتهاء من كلمة الصباح التي كانت تُعد بأهمية حضور الدروس وربما أكثر حيث يستمر الطابور ويأخذ وقتاً كافياً تكون   كل حيثياته وتفاصيله  قد وصلت الى  المنطقة المحيطة بالمدرسة.من خلال استخدام المايكروفون
يأتي دور التفتيش على اليدين ونظافتهما والأظافر وتقليمها، فيبدأ مربي كل فصل بالمرور على طلبته كاستعراض حرس الشرف يراقب وقوفهم، وانتظامهم ونظافة أيديهم، ويتوقف عند المقصر أو المتكاسل منبهاً ومحذراً بعدم قبوله في الصف إذا تكرر منه ذلك مستقبلا.
ثم يبدأ بعد انصراف الطلبة إلى صفوفهم اليوم الدراسي بالحصة الأولى، وكانت ست حصص يوميا ما عدا يوم الخميس حيث كانت خمس حصص فقط.
كان معظم مدرسي تلك الحقبة في قطر من الإخوة المصريين والإخوة الفلسطينيين، أما الطلبة فجلهم قطريون ومع الوقت التحق بمدرستنا بعض الإخوة من البحرين الذين نزحوا إلى قطر وسكنوا الريان أو غزة القريبة منه والتي هي اليوم مدينة خليفة الغربية في الغالب.
على كل حال، كانت المدرسة تقدم لنا غذاءً تربوياً متكاملاً وليس فقط دروساً في المنهج المدرسي، فهناك مسرحيات وهناك تفاعل مع الوضع العربي بشكل أشعرنا كطلبة بأننا نعيش العالم العربي كله بين جنباتنا ونحمل الهم الكبير من المحيط إلى الخليج ضمن حقائبنا التي نحملها على ظهورنا متجهين إلى مدارسنا.
 
وفي أحد الأيام وكنت في الصف الثالث الابتدائي وقبل طابور الصباح فوجئت بتظاهرة تخرج من المدرسة يقودها الطلبة الأكبر سناً منا في الصفوف الخامس والسادس تتقدمهم صور الزعيم الراحل جمال عبد الناصر متجهين نحو شارع الريان القديم العام   بعد أن أشاروا لمن هم في سني بالذهاب إلى البيت.
 
كانت المدرسة في حينه جزءا من النظام العربي ومن وعي الإنسان العربي بذاته وبحقوقه، كما كانت تقوم بدور اجتماعي واقتصادي مهم وخطير، فعن طريقها كان الطلبة يتلقون المساعدات من كسوة سنوية كاملة صيفا وشتاء بالإضافة إلى رواتب شهرية بالإضافة كذلك إلى تغذية يومية متمثلة في توفير الألبان للطلبة بعد الحصة الثالثة وقبل الفسحة الرسمية بين الحصص.
نجحت الدولة في ترسيخ مفهوم العلم كقيمة في حد ذاته في ذلك الوقت،  
كانت المدرسة «عربية» في منهجها في هويتها في أدق تفاصيلها   كان البحث عن نوعية تعليم تتفق وثقافة المجتمع فلما تيقنوا من ذلك أسقط المجتمع  جميع العوائق الذهنية التي كانت تعيش في أذهان افراده.
وانخرط الجميع في عملية تعليمية شمولية رائدة في وقتها.

مجتمعنا الجميل

 



على الرغم من عملية التحديث النشطه في مجتمعنا القطري وتبعاتها الاجتماعيه , لاتزال الشخصيه القطريه الاصيله محافظه على جمال الروح الذي جُبلت عليه , نعم أصبح المجتمع يدفع تكلفة إجتماعيه أكبر من ذي قبل نتيجة طبيعية للتغير والتطور في طبيعة المجتمع وفي دور الدولة كذلك عما كان في السابق. هناك بقايا طيبة من الآباء تدرك الابناء وتصلهم بتراثهم الاجتماعي التوافقي, كثير من الشباب الذين نتعامل معهم يوميا , لانعرفهم شخصيا ولكن نعرف آباؤهم أو أقراباؤهم الاكبر سنا الراحلون منهم أوالذين لايزالون على قيد الحياة, فتشعر بحرارة العلاقة القديمه وقد تجددت مع هذا النشء الصغير, وكأنك تعيش عصر والده الذي عاصرته.تميز المجتمع القطري عن غيره من المجتمعات الخليجيه بوجود المجالس ذات الطابع الاجتماعي بالذات بعيدا عن السياسيه أو الايديولوجيا, مجالس تقوم على تنقية السلوك الاجتماعي للأبناء بشكل يجعل من التوافق سبيلا وخيارا متاحا لجميع أفراد المجتمع, أنا أعتقد أننا أمام تحد كبير للإحتفاظ بجمالية مجتمعنا القطري المتمثله في علاقاته مع بعض البعض , حيث لم يعد ظاهرا منها اليوم سوى الالتقاء في مناسبات الزواج ومناسبات العزاء , حيث تجد حضورا كبيرا وشوقا متلهف للقاء وكأننا نعيش في مجتمع تفصله مساحات هائله عن بعضه البعض. المهم أن لايشعر المجتمع بالغربة عن ذاته, ميكانزمات التواصل الاجتماعي لم تعد متوفره بالشكل السابق الذي يخلق روحا حميمية نتيجة التواصل اليومي , لذلك قيمة جيلنا الحالي في نقل ذلك ولو شفاهة الى النشء الجديد الذي ابصر النور مع بداية التحولات التي أتت على طبيعة المجتمع الماديه التي تشكل ذاكرة هامه للبعد المعنوي لأفراد المجتمع, لايزال المجتمع القطري جميلا بأفراده , لايزال جميلا بمجالسه , لايزال جميلا بطيبة أهله , لايزال جميلا بعلاقاته التي يمكن أن يقيمها ببساطة بمجرد استذكار الماضي المشترك. روح المجتمع الساريه حتى الآن يجب المحافظة عليها , كنت في زيارة أخ عزيز بمناسبة زواج أحد أبناءه , وجدت المجتمع عنده, مباركا وفرحا, وفي مناسبة حزينة لصديق آخر , عزيته , وجدت المجتمع عنده معزيا وحزينا. هذا هو المجتمع القطري الجميل , وهذه هي روحه الساريه عبر الزمن, اللهم أحفظ حاضرنا كما حفظت ماضينا ويسر لنا مستقبلنا بدعاء الضعيف منا.

  

  

الجمعة، 21 مارس 2025

قطر مجتمع " الإنسان"

 التطورات السريعة التي تمر بها البلاد خاصة على الصعيد المادي ودخول المادة كعامل أساسي في رسم العلاقات وأهميتها تنقل هذا المجتمع الصغير من مرحلة نفسية متميزة كانت صفة من صفاته وعنواناً لتفرده وتميزه عن غيره من المجتمعات التي رسمت فيها المادة قيماً جديدة، وبدلت الحال إلى أحوال جديدة، بحيث لم تعد مركزية العامل الإنساني هي المحرك للعلاقات، وبالتالي شكت ولا تزال تشكو تلك المجتمعات من ذلك عندما كانت المادة تشكل هامشاً حياتياً فقط للإنسان ولم تنل بعد من ذاته لتستقر بديلاً عنها. مجتمعنا الصغير يدخل إلى مرحلة جديدة بؤرتها المادة ونقطة الامتصاص فيها المال، فبالتالي يجب التنبه إلى أن قوة مجتمعنا القطري هي في تلاحمه مع بعضه البعض بعيداً عن أي عوامل أخرى غير إنسانية. كانت ثمة مادة لدى الكثير في الماضي ولكنها لم تستقر لتشكل العلاقات والدرجات والتراتيب الاجتماعية لوعي أصحابها (أي المادة) في ذلك الوقت بأن البعد الإنساني هو الأغلى وهي ما يعول عليه، لقد تنبه علماء مدرسة فرانكفورت النقدية لهذه المخاطر في مجتمعاتهم الأوروبية ودافعوا كثيراً عن مركزية الإنسان في الكون، بعيداً عن حمى الرأسماليـة الزاحفة حتى خشي «ماركوز» من تحول الإنسان إلى إنسان ذي بُعد واحد تحركه المادة وينجذب إليها، على كل حال لا يزال هناك كثير من الخير والأمل في مجتمعاتنا الخليجية ولا يزال هناك من يعي بأهمية الإنسان ومركزيته كإنسان بعيداً عن شوائب المادة، ولكنه لا يجب إغفال حقيقة هامة وهي أننا ندخل عملية تطور سريعة لم يسبق أن خبرناها في سرعتها وفي حجمها، ولابد أن تحدث تغيرات في شكل العلاقات وبنائها مما قد يكون له تداعيات سلبية. نحن بحاجة إلى التمسك بأنسنة العلاقات الاجتماعية ولا نجعل شيئاً آخر يطغى على هذه الأنسنة لتبقى قطر وهي في طريقها النهضوي ورغم اتجاهها السريع في طريق التحديث «قطر الرجال الأولين بحق».

اذا كانت عملية «الانسنة» للعلاقات تتم في السابق بشكل عفوي فإنها اليوم على ما أعتقد في حاجة إلى عملية استحضار دائم لكيلا تغشى غمامة المادة على إنسانية الروح ومحوريتها في هذه الدنيا الذاهبة.