الجمعة، 21 نوفمبر 2025

مجتمع بين القدوة والنخبة

 في كل مجتمع هناك قدوة وهناك نخبة أو " صفوة" المجتمع الذي يخلو منهما أو من  أحدهما يعيش في فوضى وعدم توازن ,  ولكن ما لمقصود بالقدوة تقليديا  على سبيل المثال لا الحصر,الأب قدوة للعائلة والمعلم للتلاميذ  قدوة في مرحلة ما,  أما النخبة  فهي من يملك الاقتصاد والنفوذ  والمكانة الاجتماعية العليا  , مع اعترافي بهشاشة المفهومين , ستجد أباً غير قدوة لعائلته ومدرسا لايصلح ان يكون قدوة لطلابه ,  وصاحب نفوذ  ليس  جديراً بأن يكون من الصفوة أو من النخبة,  دعونا نوضخ   الفرق بين هذين المفهومين وأثرهما في المجتمع ؟ القدوة  يغير الناس من الداخل  بالالهام والوجدان , بينما الصفوة أو النخبة تغير المجتمع من الخارج بالسلطة والنفوذ, ستجد القدوة محبوباً وليس بالضرورة تجد النخبة محبوبة بل في اكثر الأحيان العكس صحيح, القدوة هو الانسان الذي  مثالاً يرى الناس فيه  أفضل نسخة ممكنه , وكثيراً مايكون ليس في اعلى المراتب من مراتب النفوذ,, القدوة لاتكون بقرار رسمي ولا تورث  بل تصنع بالإختيار  وبالمحبه  ودورها اخلاقي تربوي  فهي المناعة الذاتية للمجتمع أما النخبة فهي عقل المجتمع لانها تملك التأثير والنفوذ وهي ليست شراً بذاتها إلا إذا خلت من الشعور بالقدوة  والمسؤولية وهنا يبدو التلازم مثالياً  ونادراً  وحالة مثالية بل وأعظم  لحظات التاريخ  كما حصل في تاريخنا الاسلامي أن يصبح الخليفة سلطة وقدوة , وفي ماضينا القريب هناك كثير من القدوات في جميع مفاصل الحياة في المجتمع , في الاسرة وفي المدرسة, وفي العمل بل هناك الكثير ممن جمع القدوة والصفوة في المجتمع , لكن نحن في عصرنا هذا نعيش ازمة حقيقية بسبب سيطرة الاعلام التجاري والسطحي الذي أظهر نماذج من القدوة للشباب لاتساعد على علو المجتمع أخلاقياً قطفوا الشهرة قطفاً بلا عناء  أو أرضية تحمل المعنى, كذلك نعيش اشكالية مع النخبة التي انفصلت ولم تعد تشعر بنبض المجتمع., فالقدوة دون نخبة تصبح عاجزة كما أن النخبة دون قدوة تصبح جامحة , من الضرورة بمكان التوازن  بينهما وترك القدوة تنبت طبيعياً وتذكير النخبة أنها وليدة المجتمع ومسؤولة تمام المسؤولية عن رخاءه وإزدهاره.

الأحد، 16 نوفمبر 2025

الصورة, وإغتيال الحقيقة

 لم تعد الصورة تنقل الواقع بل اصبحت تصنعه , أصبحت نظام معرفي  يعيش الفرد داخله , أذكر أننا أول مانصل الدوحة نذهب الى شارع الكهرباء ومشيرب وشارع الشيخ عبدالله بن ثاني, حيث استديوهات التصوير , ونحرص حرصاً شديداً على التقاط صورة فوتوغرافيه  في احداها واذكر منها ستديو الجمهورية العربية المتحدة وستديو البديع  وغيرهما, لحظة  لاتنسى  الوقوف أمام الكاميرا  وكثيراً ما يطلب منا أن نلبس الجاكيت او " الكوت"  المعلق  وهناك ايضاً باروكة لمن ليس له شعر ويريد التصوير بدون الغترة والعقال , إستعداد كامل , ونقف وقفة الرجل القديم حيث الثبات  وعدم الحركة واحيانا يطلب منا الابتسامة  لشدة اللحظة التي نعيشها , ثم نظفر بهدية صورة مجاناً , تلك الصورة تعكس واقعاً ثابتاً  ومجتمعاً متماسكاً لو قارنتها اليوم بما يسمى " السلفي" ستجد فارقاً كبيراً في النظام المعرفي السائد في المرحلتين   إنسياب بعد وقوف , حركة بعد ثبات., لو تصورنا أن الصورة القديمة في الاستديو هل الأصل , فصورة " السلفي وغيرها من الصور  الثابته او المتحركة  كسناب شات  وغيره هي   مجرد نسخ عبر تراكمها الزمني الذي أخفى حقيقتها وحل مكانها  , أصبحنا نرى انفسنا من خلال الصور وليس من خلال الواقع , هناك من يقول ان الكاميرا ليست محايدة بل تخفي مع استخدامها ايديولوجية, فهي مع استخدامها المستمر تشوه الواقع ولاتعكس حقيقته, أنظر الى مشاهير الصورة في  ادوات الاتصال الاجتماعي  وكيف اكتسحوا  المجتمع والشهرة , لو وضعت صورة توفيق الحكيم او يوسف أدريس  أو المنفلوطي  وعبدالله الفضالة وغيرهم , ربما كثير من شباب وشابات الجيل الحالي لن يتعرف  عليهم بقدر ما يتعرفون على نجوم ومشاهير الصورة والتصوير, الصورة النصية التي كانت في المجلات والكتب إختفت أمام الصور الرقمية المتحركة اليوم ,  فالصورة  اليوم تؤجل الحقيقة باستمرار بدل أن تظهرها, فالصورة بعد التقاطها اليوم تسجنك في إطارها فترى نفسك من خلالها, أصبحت موضوعاً للإستهلاك من جانب الغير, افلتت من صاحبها  خاصة بعد استخدام ودخول عصر الذكاء الاجتماعي , يجري التلاعب بها  فقد تجاوزت الواقع الذي اصبح مجرد إحتمال, ودفنت الحقيقة تحت ركام  من التقدم التقني الزائف  وقريباً ستدفن الانسان ذاته  ويصبح العصر عصر الصورة بإمتياز  ونصبح نسخ قديمة  من التاريخ.