الثلاثاء، 24 فبراير 2026

ماذا خسرنا بإنتهاء الفرجان؟1-3

 لم يكن الفريج في بيئتنا مجرد حيُ قديم تتجاور فيه البيوت وتتشابه الأبواب, بل كان بنية أخلاقية متكاملة , كان نظاماً من القيم  يسبق القانون  ويستغني عن كاميرات المراقبة, هناك في الأزقة الضيقة" الدواعيس" كان الضمير  يتجلى من خلال الاحتكاك اليومي وكانت السمعة رأس المال الأهم , وكانت الكلمة أداة الضبط الاشد تأثيراً  . ولكن  السؤال اليوم ليس لماذا فقدنا الفريج وإنما ماذا كان الفريج حقاً ومالذي خسرناه؟ بلغة النقد الثقافي  فالفريج لم يكن مجرد مكان بل " نسقاً ثقافياً "  أو بنية عميقة تنتج المعنى  قبل أن يُعلن, كان يُعرف ماهو العيب وما هو المقبول  دون لائحة  مكتوبة  أو ما يسميه بورديو عالم الاجتماع الفرنسي ب" الهابيتوس" ذلك المخزون الغير واعي  من السلوكيات والميول  الذي يجعلنا نتصرف  كما " يليق بنا" دون تفكير  مسبق.

في الفريج  لم يكن الانسان حراً بالمعنى الليبرالي  يل عضواً في شبكة  من العلاقات كثيفة فوجوده كان علائقياً, هويته تتشكل من خلال الجيرة والقرابة والذاكرة  المشتركة ويمكن القول بإن الفريج  بهذا المعنى  أفقاً  ينكشف فيه الوجود من خلال القرب,  الوجوه المألوفة, الاصوات المتكررة , المجالس المفتوحة. لم تكن السلطة في الفريج مؤسساتية بل رمزية, الكبير , الوجية, صاحب الكلمة كل هؤلاء كان يمثلون سلطة ناعمة, كان الجميع يراقب الجميع  لا بدافع الشك  بل بدافع الحرص , كان الفريج يحتضن أبناءه  لكنه  لايتحمل كثيراً من الشذوذ عن القاعدة, كان الاختلاف يعاقب بالصمت  وفي درجات متقدمة بالإقصاء. وهنا تكمن المفارقة , فالتضامن كان يحمل في طياته  بذور إنضباطه.

يتبع

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق