إقتصاد الكرامة
في الفريج لم تكن المساعدات إستعراضاً بل واجباً صامتاً, كان هناك ما قد يسمي ب" إقتصاد الكرامة" تُعطى الصدقة دون إعلان , وتُحل المنازعات دون فضيحة, كان الستر قيمة عليا , لأن الفضيحة لاتمس الفرد وحده بل تمس النسيج كله.كل الفريج يعاني من فضيحة أحد أبناءه.
اليوم في زمن المنصات الرقمية تحول هذا الاقتصاد , لم تعد السمعة محلية وانما اصبحت عالمية , لم يعد العتاب واللوم يقال في المجلس, بل ينشر في تغريده, صار الاعتراف بالخطأ مشهداً عاماً , لم يعد همساً بين الجيران وهنا يتغير النسق من رقابة الفريج الى رقابة الجمهور على اتساعه. ومع الطفرة النفطية والانتقال الى التكوينات الحضرية الجديدة من أحياء وتقسيمات, صعدت الدولة كمنظم أخلاقي , وتراجعت الجماعة الصغيرة التي كانت تمثل الفرجان, صرنا نعتمد على القانون بدل العرف , وعلى العقد بدل الثقة وعلى الحراسة بدل الحياء , تحرر الفرد من قيود الجماعة لكنه فقد دفئها , لم يعد الجار يسأل عن جاره وربما لايعرف إسمه, اتسعت مساحة الخصوصية على حساب مساحة الألفة, لقد منحتنا الحياة الجديدة حرية الحركة لكنها عززت الشعور بالعزلة. ولكن علينا أن نعترف الى أن الحنين الى الفريج مفهوم لكنه يحتاج الى وعي ناقد كذلك , فليس كل ما مضى أفضل , الفريج كان ينتج التضامن لكنه إيضاً كان يعيد انتاج التراتيبية, كان يحمي الضعيف لكنه كان يُسكت المختلف أو يحاربه , كان يعزز الانتماء لكن قد يُضيق على المختلف
السؤال الآن ليس كيف نعود الى الفريج ؟ ولكن كيف نستخلص منه ماهو حي وصالح لعبور الزمن, كيف نحافظ على قيمة الجيرة؟ دون أن نحولها الى رقابة, كيف نستعيد الستر دون أن نغلق باب المساءلة؟ كيف نوازن بين الألفة والحرية؟
هذا ما سوف اعرضه في الجزء الثالث من خلال ما أسميته نحو فريج معنوي
يتبع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق