الأحد، 3 أكتوبر 2010

المواطن العربي بين الحلم وكابوس اليقظة

المواطن العربي بين الحلم وكابوس اليقظة
عبد العزيز الخاطر
2009 / 3 / 21
"اختلاف الليل والنهار ينسي"
1
بين المواطن ووطنه فى أي بقعة من العالم علاقة لا يمكن حصرها ضمن أبعاد محددة , ووشائج فيها من التداخل ما يجعل من أحدهما يسكن جوف الآخر. حلم المواطن العربي امكانية تحققه قائمة مادياً وهو فى ذاته لا يتعدى الحلم الانساني فى أي مكان من العالم , كرامة ,حرية ,عدالة , مساواة بمعاييرها الانسانية طبعا , ومع ذلك كلما أراد هذا المواطن أن يستيقظ ليعيشه حقيقة لم يجد سوى الأمس يعتاده ثانية, فلذلك أن يشقى المواطن العربي لا يعني بالضرورة أن يعيش مدعقاً فى الفقر ولكنه قد يسير بلا هدى ولا بصيرة شعوراً منه بأن مستقبله قد سرق منه , ثمة من يمسك بيديه يسحبه سحباً الى حيث لا يدرى. أن يشقى المواطن العربي يعنى أنه قد يمسى على علم ليصبح على علم آخر, شعوره بأنه صفر على الشمال هو قمة الشقاء والانهاك , أن يشقى المواطن يعنى أنه آخر من يعلم ليس بما يدور حوله ولكن حتى بمصيره وبما قد يؤول اليه حاله, يشقى المواطن عندما يشعر بأن الجغرافيا قد خذلته وضاقت به وبأن وطنه قد ملّ منه ويريد فكاكه. يتعب كثيرا عندما يشعر بأن غده قد استبيح وأن ظنونه قد ذهبت ادراج الريح. لقد اعتقد أن زمن الشقاء قد ولى بلارجعة بعد الاستقلال وحمل الأوائل عنه ذلك العناء وتلك المشقه ليوفروا له الاستقرار والاطمئنان, كيف له أن يتصور غير ذلك والأمم المتحدة تقول من خلال احصائياتها أنه فى مقدمة دول العالم الأعلى نصيبا ودخلا من الناتج الاجمالي على المستوى العالمي, أيكذب واقعه ويصدق الاحصائيات, ثمة خلل , كيف يشقى وميزانية بلدانه تظهر أرقاماً تاريخية لم يسبق أن تحققت, أيهما يصدق واقعه أم ما يقوله المسؤولون. البحث عن الصدق أصبح ديدنه وشغله الشاغل لكثرة مايسمع وما يشاع عن وضعه ومستقبله, أصبح يشك حتى البيانات الرسمية هل حقا وصل سعر برميا النفط الى هذه الارقام الخيالية. لا يرى لذلك انعكاسا على حالته ووضعه وبعد انخفاضه عليه أن يتحمل التبعات.كيف له ان يصدق أن الثروة تفرز فاقة وضيقاً فى الرزق, لم يعد يتكلم عن المستقبل كما كان انه الآن يتشبث بالحاضر كى لا يذهب بمكتسباته وبتعب السنين, كيف ضاقت الارض به حتى غدت موضعاً , وشح به الزمن حتى بداغريبا بين حواريه واهله . كيف امست تلك الاحلام خبرا وحديثاً من أحاديث الجوى, لقد نسج ظهور النفط حلماً تنامى وكبر فى جزء من عالمنا العربي زاده اكتشاف الغاز وغيره من الثروات الطبيعية والبشرية ثقة وتاكيداً بأن الحلم فى طريقه الى التحقق لينسجم والبيانات العالمية والاحصائيات الدولية ولكن الواقع لا يزال يحكي قصة أحلام غد مستباح. نداء من القلب أن تعيدوا الى المواطن العربي وطنه المستباح, نداء من القلب ألا تجعلوه يشقى أكثر من ذلك فقد أعيته السنين.خسارة الوطن أكبر حيث لا وطن دون مواطن وإن اكتست ارضه بغثاء كغثاء السيل.
2
فى عالمنا العربى من محيطه الى خليجه كم من الداخلين الى المناصب والآخذين بنواصيها خرجوا منها ممتليء الجيوب, وقليل جدا من رجع بالراتب فقط, ان عدم وجود ضمان اجتماعي حقيقي وعدم شعور بمواطنة حقيقية , يجعل من الكرسى غنيمة مابعدها غنيمة وفرصه لا تفوت خاصة فى غياب المساءلة وفقدان الرقيب. نفتقد الى الكثير من التشريعات الضامنة لوجود جهاز ادارى مستقر وقادر وفعال بل نفتقد أساساً للسلطة التشريعية المنتخبة .ثمة ترابط حقيقي بين اقرار الدستور وايجاد السلطة التشريعيهةلم تظهر بوادره بعد لدينا مما يجعل الأمر مفارقة. عانت كثير من الدول من قضية استغلال المنصب أو الكرسي لأمور لا تخدم الوطن ولا المواطن. حتى أن مطلب كشف الذمة المالية أصبح مطلبا ملحا وضروريا لمن قد تبوأ منصبا هاما تنفيذيا كان أم تشريعيا.
ضرورة الحد من النظرة الى المنصب وكأنه مغنم وبصاحبه وكأن ليله القدر قد انشقت وتبدت اليه يجب أن تتوقف . انها قضية ايمانية فكرية فى المقام الاول. واقعنا المؤسف يدفع بالقيم الى التلاشي وبالمبادىء حتى يساورها الشك فى ثباتها. ينادى البعض بأن كرسي السلطة أو المنصب أشبه بكرسى الحلاق لكثرت مرتاديه وجالسيه ولكن فى حالات كثيرة يكون الحلاق قد اختفى أو ربما أخذته غفلة من الزمن فنسي مبدأ التغيير الذى تقوم عليه مهنته فيتملك الجالس على الكرسي شعوراً بانه قد امتلكه وبأن الدنيا لايمكنها الاستمرار وهو بعيد عنه . الادارة العربية عموما لابد لها من الالتزام بمبدأ التغيير وهو مبدأ من الصعب أن يستقر فى الاذهان طالما اعتبر المنصب غنيمة والكرسي فرصة ما بعدها فر صة ,,,,,,,,,, وياروح ما بعدك روح !



أمة فى العناية المركزة

أمة فى العناية المركزة
عبد العزيز الخاطر
2009 / 2 / 15
استدعاء أموات وغرباء بعد أن عقّ الأبناء
عندما رفض الشعب البريطاني التجديد لتشرشل رئيس الوزراء المنتصر بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة هل كان يضع انجاز الماضي في ذهنه ؟ وعندما ثار الشعب الفرنسي في الستينيات من القرن المنصرم على ديغول قائد فرنسا أثناء الاحتلال النازي والزعيم الملهم ومؤسس الجمهورية الخامسة وأسقطه هل كان يدرك تماماً ما قدمه ديغول لفرنسا ؟ مع العلم أنهم كانوا أحياء ولا يزالون يمارسون حياتهم ونشاطهم السياسي وبكامل قواهم العقلية .
 أعتقد بأن الثورة المعرفية التي وصلت إليها تلك الشعوب وضعت الإنسان ضمن حجمه الطبيعي وعظمت من قوة وإدراك الشعوب لمصيرها وما ينتظرها . وهي بذلك تصنع واقعاً جديداً للتعامل مع ما يستجد وتفرض بالتالي إرادتها وتعمل وفق مصالحها . فالثقافة هناك ثقافة في حالة صيروره دائمة وليست ثقافة مبسترة . لنر الآن كيف يتعامل أصحاب الثقافــــــة المبسترة ( نحن ) مع الواقع المتجدد دائماً وما يعانونه من مشاكل وكيفية حلها .
 عندما اغتصبت نساء العراق من قبل جنود الاحتلال الامريكي صاح أصحاب الثقافة المبسترة " وامعتصماه " وعندما ظلم الجلادون الشعوب تنادى أصحابها أين " عمر بن الخطاب " أو  أين " عمر بن عبدالعزيز " وعندما عجزوا عن اقامة الديمقراطية أو فرضت عليهم الديكتاتورية صوتوا " للمستبد العادل " . وبعد مصيبتنا فى غزه صرخنا "واردوغوناه" و" تشافيزاه" و" موراليساه"
هؤلاء بعضهم أموات ومنذ قرون والجدد لهم شعوبهم وثقافتهم التى أفرزتهم بعيدا عن تصوراتنا الابوية التى تختزل الأمة فى رجل وانما جاؤوا من خلال الصناديق ومرجعياتهم شعوبهم فهم اليوم فى السلطة وغدا خارجها ولكن ثقافتنا تخرج الأموات الى النور من قبورهم وتستعير الآخرين بعد أن عجزت عن افرازهم ليحلوا مشاكلنا وتشابكاتها ، ان الموقف الثقافي الحقيقي ينتج عن حالة جديدة تواجه المجتمع أو الأمة تتطلب رؤية جديدة فتتكون بالتالي ثقافة خاصة بهذه الحالة ، أما في حالتنا فالحلول الثقافية المبسترة حيث الإفلاس المشهود . كيف يمكن للمعتصم إذا عاد أن ينتقم لثكلى فلسطين والعراق ؟
وكيف يمكن لابن الخطاب أن يحكم بالعدل بين ملايين البشر اليوم ؟ وبالصورة التي نقلها إلينا التاريخ في عهده المجيد ؟ وماذا يمكن لتشافيز أو اردوغان أو موراليس أن يفعلوا لأهل غزة اذا لم نفعل نحن لهم شيئا؟
بل كيف يمكن أن للمستبد أن يبقى عادلاًً؟
هذا الإعياء التاريخي لا يمكن أن تنهض به الأمم فالثقافة الحقيقية قوة دافعة الى الأمام ذاتياً وبشكل تراكمي . عجزنا منذ تاريخ أولئك الأوائل عن صنع الموقف الثقافي الفاصل المؤرخ لعصر جديد فاكتفينا بمحاكاة نماذج تاريخية عظيمة فردية جاد بها الزمن مرة في ظل وضع لا يمكن أن يتكرر ثانية ونسينا أن هذه الثقافة المبسترة تحمل أيضاً نماذج سلبية يمكن استعادتها لتبرير الكثير من الأعمال والمواقف السلبية ، فصور وأسماء أهل النفاق واضحة في ثقافتنا المبسترة وكذلك أهل الغدر والخيانة وحقق هؤلاء انجازات في ذلك الوقت برغم سوء مسلكهم فما دامت العملية فقط استيراد نماذج أو محاولة استحضارها ولو ذهنياً أو وجدانياً فمن الصعب تبرير الدفاع عن عدم استحضار هؤلاء أيضاً لمن أراد أن يفعل ذلك . طريقة التفكير بجدوى الحل الثقافوي يجب أن تنتهي ولكن يبدو أنها تحولت الى نوع من النمط ينتج نفسه ذاتياً وبدون وعي فنحن نريد من الماضي البعيد العهد الصحابي الأول ونريد من الماضي القريب نماذج كعبدالناصر ومن الماضي الحاضر نموذج الشيخ زايد مثلاً وهكذا جيلاً بعد جيل في حين أن ثقافة النظام  Systemالمغايرة والتي لم ننتجها بعد لا يهمها من يدخل هذا النظام لأنه قادر على إصلاحه ومراقبته وفي أسوأ الحالات إخراجه أو طرده ، انجازهم كبير بلا شك .
أدعو هنا الى خلق الموقف الثقافي الذى يتعامل مع الحدث وينتج عنه رؤية جديدة أو تصوراً جديداً أو كما أسميته في مقال سابق " ثقافة المشروع " فتكرار الأمثلة العظيمة على مسامعنا شئ عظيم ونفتخر به ولكن عجزنا عن التقدم خطوة أكثر من ذلك هو المشكلة وكلما ازدادت الفجوة التاريخية وظل الوضع على ما هو عليه دب الوهن والضعف أكثر وأكثر وانتقل الرمز سواء القديم أو الحديث من فترة الى أخرى وأصبحنا نبكي على الراحل برغم مأساويته وما سبب لنا من كوارث لا لشئ إلا لأن القادم جديد ولم نتعود على ظلمه وغدره وبطشه بعد ، أمة تدير حاضرها من خلال البحث في مقابرها ؛ أمة حق عليها الوبال .


الماضي المكتمل والحاضر المنقوص دائما
عبد العزيز الخاطر
2009 / 2 / 13
"أمة" للخلف دُر
الماضي "المكتمل" والحاضر المنقوص دائما
وعي الفرد يحدد هويته الثقافية ، فنقطة انطلاق هذا الوعي مهمة جداً في تحديد مساره الثقافي . اتهام الغير لنا بأننا ماضيون تبدأ من هذه الافتراضية فانطلاق وعينا كأمة إسلامية يبدأ من مجتمع الكمال في تصورنا " المجتمع الإسلامي الأول " ويتناقص هذا الكمال شيئاً فشيئاً بمجرد الابتعاد عن تلك المرحلة فيصبح بالتالي الأمل والرجاء هو في استعادة هذا الكمال فتتجه الرؤوس بالتالي الى الخلف الى تلك البؤرة من التاريخ وبما أن الماضي قد اكتمل فى وعينا فإن الحاضر لابد وأن يكون دائما منقوصاً لسبب مادي واضح وهو استحالة اعادة الماضي وظروفه وشخوصه .بينما العكس هو الصحيح لدى الغرب حيث يبدأ من الحالة الأولى البدائية أي نقطة الصفر التي لا تستلزم أية تنظيم أو أعداد الى حالات أخرى يُبنى فيها المجتمع المدني شيئاً فشيئاً فالمثال لديهم هو في القادم عكسه تماماً ما يمكن تصورة بالنسبة لدينا كأمة .
 تفكيك هذه النظرة يتطلب حاضراً أفضل ومستقبلاً يحمل الأمل بين أجنحته هنا لابد أن نفرق بين علاقة الأفراد بالماضي وعلاقة المجتمع به ، فالأفراد محكومون دائماً بهاجس الفناء بينما المجتمع مستمر ودائم فالمساحة مختلفة بين الاثنين ونتائجها كذلك مختلفـة ، فالاستمرار يفرض نوعاً من التفكير مخالفاً لفكرة الفناء ونهاية المطاف . وهنا أعود الى علاقة الدولة بالمجتمع وأهميتها بالنسبة لتحديد العلاقة مع الماضي ، عندما تكون الدولة إفرازاً حقيقياً للمجتمع فأنها تعتنق تصورته وآماله واستمراريته المترسخة كما ذكرت في فكر أفراده ولكن عندما تلتهم الدولة المجتمع وتفرض عليه تصوراتها للمستقبل المحكومة بالفناء والاستلاب خاصة إذا لم تنبع منه وبحكم أن النظام أو الدولة مجموعة من الأفراد تراعي في الأساس مصالحها الخاصــة .
فالأمر مختلف تماماً حيث لا يجد المجتمع بداً من اللجوء الى الماضي لكي يحدث التوازن بينه وبينها بعد شعوره بانعدام الرؤية الواضحة للمستقبل بعد فرض الدولة تصوراتها الشخصية على ذلك المستقبل . حتى التكنولوجيا الحديثة التي يستلزم استخدامها نظرة متوافقة معها لم تفلح من إعادة التوازن بين الجانبين طالما كانت الدولة مسيطرة على المجتمع بشكلها الذى نشهده في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ومظاهر الحداثة والتحديث من مناهج تعليمية وجامعات أجنبية وسلع استهلاكية كلها لا تحل الأشكال وتلوي بعنق المجتمع الى الأمام بدلاً من الوراء طالما أن هذا العلاقة كما أشرت بين الطرفين غير متوازنة . فكم فرضت الدولة في مشرقنا من أيديولوجيات ولكنها لم تستمر وما لبث أن عاد المجتمع ممتشقاً سيف الماضي والسلف الصالح وخطورتها أي العودة هنا أنها " نصية " أي تعتمد على النص حرفياً لانغلاق الرؤية وهي تختلف تماماً عن عودته " الاستيعابية " فيما لو تركت لـه الخيارات كمجتمع لكي ينمو ويجذب من أوصاله لكي يتسق مع واقعه الذى يعايشه .
 ان الماضوية المترسبة في أعماقنا ليست خياراً بقدر ما هي فرض فرضته ظروف جعلت من المجتمع تابعاً للدولة وتحت سيف سلط من السلطة وبالتالي هي تفكر نيابة عنه بينما المستقبل يتطلب أن يكون العكس هو الصحيح . فعندما يتجمد الوعي في نقطة تاريخية معينة لا يغادرها تتجمد كذلك وسيلة الاتصال الثقافي معه ويبقى فقط المرور الجسدي هو وحده المتحرك عبر الأزمنة ، فالجسد حاضر ماثل أمام العيان بينما الوعي يمكث بعيداً في حقبة من حقب التاريخ الغابر ، فرصتها سوداوية الحاضر وأنياب السلطة العربية البارزة كبروز أنياب الليث المتحفز .



تمْ يا طويل العمر

تمْ يا طويل العمر
الخصوصية العربية في حل الخلاف الى متى هى فاعلة ؟
عبد العزيز الخاطر
2009 / 1 / 21
كان جون فوستر دالاس وزير الخارجية الامريكية الشهير فى الخمسينيات يتبنى سياسة عرفت باسمه فيما بعد تسمى سياسة دفع الأمور الى الهاوية لكى تنحل, لا أدرى كيف قفزت الى ذهني تلك الصورة واسترجعتها ذاكرتي وأنا أرى القادة العرب وهم يتعانقون ويتبادلون الأحاديث الودية ويمسكون بأيدي بعضهم البعض وكأن شيئا لم يكن أو كأن الشعوب العربية لم تكن على ترقب ودعاء وابتهال بأن تمر قمة الكويت هذه والأمة لاتزال تحمل مسماها نظراً لما حدث منذ مأساة غزة من دمار شامل ليس فقط على مستوى المادة والأرواح وانما على المستوى المعنوي الايماني بالانسان العربي والثقه به وبأحقيته فى الوجود وأحقيته في امتلاك زمام أموره بل أكثر من ذلك شعوره بالغبن والارتياب من قياداته وبأنها خذلته , قاموس جديد بان فى الأفق وتهيأت الأنفس لاستدراجه والتعود عليه, قاموس يدفع بالأمة الى التناحر والتقاتل الاهلي وصولا الى شكل من أشكال الاتفاقات الاهلية ترتضيها الأمم بعد استنزافها لتاريخها حتى أمده الاخير وهو ما تحاول الأمة القفز عليه دائما وكسر حلقته التاريخية.لاشك أن استشعار الجميع بأن الأمور وصلت الى الهاوية هو ماجعلها تنسحب لتتراجع حتى المربع الأول من نقطة البداية الناصعة البياض. كان مشهد القادة العرب أشبه بالمدعوين الى اجتماع عزاء, ارث ثقيل من الحزازات والتراكمات النفسية تركتها مأساه غزة , ووجوم لتداعيات الموقف وانفلاتاته , قمه الكويت هذه سبقتها رائحة احتضار, وشهادة وفاة ومشهد تأبين ووفد من المعزين ينتظرتشييع أمة العرب. ولكن ما الذي جرى وما الذي حصل لينقلب المشهد فى لحظات الى نقيضه, ويسود الأمل وتعود الروح المعنوية وترتفع الابتسامة وتبتهج الأمة بعد طول تجهم, وتنقلب التعليقات من نقد الى مدح وينتظم الجميع فى موكب واحد هو موكب الاشادة والمديح هل تغير زعماؤنا أم تغيرت الشعوب, هذه الحالة الخاصة بأمتنا العربية تحتاج الى دراسة فى طبيعة تكوينها ومدى تأثير ذلك على اتساقها وعصرها وطبيعته وآلياته المحددة لظروف البقاء فيه.على كل حال ان قمة الكويت تطرح تساؤلات ونقاط هامة على المراقب لعلي أوجز بعضاً منها فى الاتي.
أولا: لاشك أن الانفراج كان نتيجة للعودة لاسلوب العرب فى حلهم لمشاكلهم بعيداً عن أي منهج علمي محدد ومستأصل لجذور الخلاف نفسه والدليل سرعة الانجاز وآنيته ثم صدوره من قائد عربي عرف عنه حبه للطبيعة العربية وتمسكه بها يطلب الترفع عن الخلافات والدفع بالشيم لتحقيق ذلك فمن الطبيعي أن تكون الاجابة العربية التقليدية : "تم"
ثانيا: يجب تحويل النوايا الى برنامج عمل واسقاط المعطى العربي المعنوي الذي تألفه الطبيعة العربية وهو الموافقة عند وضع الأمور فى الشيمة على الواقع العملى الملموس واستثمار ذلك وتحويله من قيمة مترفعة مؤقتة الى آلية باسرع ما يمكن.
ثالثا: لا يغني ذلك عن البحث عن حلول جذرية لأصل الخلاف حتى لا تعود وتطفح على السطح ثانية عند أقرب نازلة , وفى هذا المقام تبدو أهمية المكاشفة والشفافية فى كثير من الأمور مثل : العلاقات مع اسرائيل , الموقف من ايران, الموقف من حزب الله الى آخر الأمور الشائكة التى لم تبحث فى القمة وقد تثير الخلاف لبنيويتها ومركزيتها فى العلاقات البينية العربية.
رابعا: على القاده التيقن بأن عصر الصورة الذى نعايشه يطلب منهم سرعة اتخاذ القرارات الأمر الذى يفرض عليهم وضع أولويات وخطوط حمراء فى أجنداتهم لقضايا الأمة لأن سبق الصورة يمثل ضغطاً عليهم ويبعدهم عن شعوبهم فهو أصلا نتاج ديمقراطي تتفاعل معه الأنظمة الديمقراطية بكفاءة ولا يستقيم الأمر لغيرها ما لم يتلائم مع هذه الطبيعة .
خامسا: الادارة الامريكية الجديدة تترقب وتدرس ردود الأفعال العربية لتبنى استراتيجياتها ففرصة العرب فى تفعيل مصالحة الكويت ذهبية ولايمكن التفريط فيها لقوم يعقلون لابد وأن القاده على ادراك بذلك.
سادسا: يجب تفعيل آليات المقاومة للأمة كمجلس الدفاع العربي المشترك والمقاطعة حتى وهم ضمن برنامج السلام وأهميته الاستراتيجية فالسلام القائم على العدل يتطلب قوة تحميه أو ورقة ضغط يلوح بها وقت الحاجة.
سابعا: توصف الشعوب العربية بأنها شعوب شابة أي أن النسبة العظمى فيها ممن هم فى سن الشباب وهذه نقطة لابد وأن توضع فى الحسبان حيث التفاعل يتطلب ديناميكية مختلفة خاصة مع ما نشهده من تقدم تقني وانفتاح فضائحي على كل شيء ويكفى الاشارة الى تغطية الجزيرة لأحداث غزة وتأثيرها على الشارع العربى بشكل كاد أن يفقد بعض الأنظمة توازنها.
ثامنا: سرعة التحرك نحو التحول الديمقراطي التدريجي فالآلية العربية التقليدية في حل الخلافات ليست دائما صالحة والانفعال ما إن يهدأ حتى يعود ثم إنه منطق العصر ولايجب التنكر له فهو صيرورة التاريخ التى لا يبغي عنها حولاً طال الزمن أم قصر ولا أظن أن وعي أمة العرب قاصر فى ذلك عن أمم المشرق أو المغرب من بنغلاديش حتى أقصى الغرب.
على كل حال نحن فرحون بانجاز الأمة فى قمة الكويت التى أريد لها أن تكون اقتصادية ولكن همّ الأمة المزمن حولها الى أن تكون سياسية وشعبية حتى النخاع . لقد آن للأمة أن تتجدد وآن لها أن تتغير بارادتها وآن لنفسيتها أن تتحول من الشك الى الطمأنينة بقدراتها وامكانياتها, فالثبات والازمان مذمومان فعادة المياه أن تجري فهي إن توقفت اسنت وتراكمت فيها الطحالب, فاذا أردنا لمؤتمراتنا النجاح فاربطوها بارادة الشعوب وارفدوها بالجديد من الأجيال فإن سنة الكون تقوم على التغيير والاستبدال وهو ما أدركه الغرب وغيره من شعوب الأرض الحية .فاذا ما كانت طبيعة حل الخلاف بالطريقة العربية التقليدية نقطة ايجابية فى تاريخنا العربي مع الايمان بضرورة تطويرها فإن تأبيد السلطة وازمانها والتشبث بها حتى الرمق الأخير يفقد مؤتمراتنا قيمتها الحقيقية والفاعلية المطلوبة منها ويجعل من الكرسي وشاغله فوق الأمة ومصيرها ومستقبلها.



قمة غزة والعلاج بالصدمة

قمة غزة والعلاج بالصدمة
عبد العزيز الخاطر
2009 / 1 / 18
طبيب الأمة حمد
قمة غزة ....والعلاج بالصدمة
الصدمات الكهربائية هى الأمل الأخير فى اعادة القلب الى الحياه ثانية فاذا كان ثمة حس كهربائي واستجابة ولو فى جزء صغير منه عاد القلب الى نشاطه واستعاد الجسم حياته وتدفق الدم فى شرايينه وإن لم يستجب فلا أمل آخر ينتظر حيث استنفذت جميع الوسائل بما فيها الصدمة الكهربائية وهى آخر روشتات الدواء. هذا بالضبط فى اعتقادي ما تمثله قمة غزة المنعقدة فى الدوحة, صدمة النظام العربي الميت لمحاولة اعادته للحياة مرة أخرى على أمل أن موته فقط كان مؤقتا وحيث لاتزال فيه بقية من رجاء وأمل. لقد فشلت الأنظمة العربية الكبرى فى التعامل مع الموقف بسرعة, كما فشلت فى السابق مع مشكلة احتلال الكويت ورأى بعضها أن يستثمر ذلك أيضا كما جرى فى احتلال الكويت أيضا ولكن موقف قطر هنا بالذات ومبادرة سمو الأمير حمد منذ اليوم الأول بالدعوة الى عقد قمة طارئة شكّل بداية الصدمة للنظام العربي الرسمي الذى تعود على الانتظار والترقب حتى يجد ما يتناسب وضمان استمراره وبقائه حتى وإن كان ذلك على أشلاء الأطفال والأمهات والشيوخ المحاصرين والذين يتضورون جوعاً و مع تدرج الموقف القطري تصاعدياً مع الأحداث بشكل لم يألفه النظام الرسمي العربي الهرم من قبل واصراره على عقد القمة ووضع الجميع أمام مسؤلياته بل ووضع الحد الأدنى من الشروط لاستدراك الأزمة ومع التأييد الشعبي العارم من قبل شعوب الأمة كلها لذلك ,بدأت محاولات لاجهاض هذا الجهد القطري بدعوى عدم اكتمال النصاب مرة ولتدجينه واستيعابه ضمن سلوكيات النظام الرسمي العربي وعزله عن تيار الشعوب الذى بدا مؤيداً له بشكل أحرج بقية الأنظمة عن طريق اقناعه أن قمة الكويت كافية وكأن دماء غزة لا تستحق عملاً طارئاً ويمكن مناقشتها هامشياً كما جاء فى البيان المصري السعودي مع الاسف. فى اعتقادى أن قمة غزة كانت ضرورية وأهم من قمة الكويت لأنها ثورة على منطق النظام العربي نفسه وعلى تراتيبيته القاتلة ولأنها تضع محددات جديده تتفق ومعطيات العصر المعاش يمكن تصورها فى الآتى:
أولا: أن الحجم لا يغنى عن الدور فمن يتنازل عن دوره أو يتخاذل لا يغنيه حجمه ولا كثافته السكانية عن ذلك شيئا.
ثانيا: أن الدور لابد وأن ينسجم ومصالح الأمة الكبرى فليس مجرد القيام بالدور كافياً اذا كان على حساب مصالح الأمة وعلى كاهل الشعوب فأي دور أو وساطة تبرر للاحتلال وتدين مقاومته مثلا.
ثالثا: التاريخ رصيد ينفد فالتغني بأن التاريخ يشهد لدولة دون غيرها أو يميزها عن غيرها بتضحياتها خاصة فى قضية العرب الأولى فلسطين يشهد ويسجل لقيادة تلك المرحلة دون غيرها فلا يمكن اللجوء اليه دائما الا لمفلسي الحاضر.
رابعا: كسر التراتيبية العربية وأخذ زمام المبادرة حينما يتنصل أو يتنحى الأخ الأكبر عن القيام بدوره كما يجب فالقيادة فى العالم أجمع ليست لها علاقة بالحجم فالدول الكبرى لولا أنها دول مؤسسات لرأينا كثيراً من قياداتها لا تتفق وحجمها ودورها فى العالم.
خامسا: النظام العربي الرسمي فى العديد من الدول العربية مشغول بما يعتريه من تآكل داخلي نظراً لاستنفاده لمقومات بقائه لهرمه وشيخوخته لذلك هو مشغول بايجاد الوريث أكثر من اهتمامه بنحيب أطفال غزة وصوت الثكالى ولا يريد المبادرة خوفاً من افساد ترتيباته فى ذلك فحركته سلحفاوية ثقيلة وردود أفعال في الغالب فهو محتاج لصدمة بل لصدمات لافاقته.
سادسا:المؤسسات العربية الوحدوية فى مقدمتها الجامعة العربية نغفر لها عجزها ولكن لا يمكن أن يتعدى ذلك الى ما هو أبعد كتجيير ذلك العجز ونذكر بأن محمود رياض قدم استقالته فى ظروف مشابهة لظروف نكبة غزة المعاشة اليوم عندما انشق الصف العربي ابان زيارة السادات للقدس عام 77 . تحديد المواقف مهم فى الأوقات الحاسمة المصيرية لأن التاريخ سيكتب والاجيال ستحفظ.
سابعا: اتهمت قطر دائما بأنها تغرد خارج السرب وها هى اليوم أول من دعا السرب للالتئام فاذا به يتفرق ذات اليمين وذات الشمال وعندما أصرت وصف اجتماعها بأنه غير عربي مع أنه كان خيار السرب ألا يكون كذلك, فلم المزايدات اذن.
ثامنا: لابد وأن تكون هناك قمة عاجلة استجابة لمطالب الشارع العربي من المحيط الى الخليج .عملية التجميل بوضعها على قائمة المجتمعين فى الكويت لا تكفي فهى عمليه استدراكيي بعد البيان المصري السعودي , وأتساءل مع غيرى لماذا لم تسارع الدول العربية الكبرى المعترضة لطلب عقد قمة قبل قطر أو حتى بعدها التحجج بضرورة حسن الاعداد يلغي كل مشاعر الأمة ويدوس على مصيرها المشترك بحذاء الغير على الرغم من قمة القاهرة عشية احتلال الكويت لم يحسن لها الاعداد ولم تحسن لها الخاتمة .فلم التعلل الآن؟
على كل حال لقد وضعت قمة غزة فى الدوحة سقفا لمطالب الأمة أرجو ألا يكون مجالاً للمزايدات الأحادية الضيقة على حساب مصالح الأمة.
لقد كانت قمة غزة فى الدوحة ضرورية لاستيقاظ الوعي العربي من سباته العميق فالأمة بحاجة الى صدمة تأتيها من داخلها تذكرها بقدسية دماء أبنائها وكرامتها وعرضها المدنس .......... شكراً سمو الأمير حمد.


دين السلطة أم سلطة الدين

دين السلطة أم سلطة الدين
عبد العزيز الخاطر
2009 / 1 / 13
الدولة العربية ليست دولة مواطنة لا أحد يختلف على ذلك وليست دولة دينية بالمفهوم الدقيق للكلمة ولكنها تزاوج بين السلطة والدين بشرط أن يكون هذا التزاوج لصالح السلطة دائما وتبريرها, مأساة غزة المعاشة تثبت ذلك وتؤكد اصرار السلطة العربية على حماية مكاسبها وأنه لا ثوابت الا بقاؤها واستمرارها , لم تأبه لهيجان الشارع العربي فهى ليست معنية بذلك فالوطنية تتمثل فى بقائها واستمرارها وعاد منها وفد علماء المسلمين بخفي حنين لأنه لا يملك سوى النصيحة فهى المتفضلة بحضانته وبقائه بجوارها للاستخدام وقت الحاجة التي تراها هي . فالسلطة العربية عادة لا تحتاج الدين مع الخارج بل تلتحف بشعارات يعرفها هذا الخارج بل وتدخل فى تكوينه ومراحل تطوره مثل الديمقراطية والشفافية والمجتمع المدني الخ فحاجة الدين لديها داخلية فى الدرجة الأولى لتبرير وجودها وعدم الخروج عليها واضفاء الصبغة الدينية على أفعالها وكراماتها فعلماء الدين لديها للاستهلاك المحلي . ثمة بون شاسع بين سلطة الدين ودين السلطة فدين السلطة هو ما يعمل على استمرارها وبقائها وخداعها وتنكرها للتاريخ ولسنة التطور أما سلطة الدين فهى مطلقة وترعى مصلحة الأمة , ما نراه أو مايبرز لنا من الدين هو دين السلطة ورجاله رجال سلطة فى المقام الأول.
ففي الوقت الذى تفقد فيه السلطة في العالم آليات الشراسة التي عرفت عنها وتصبح أكثر قبولاً وتجاوباً ، تزداد السلطة العربية بطشاً وتنكيلاً ومراوغة وخداعاً للتاريخ حتى في أضعف أوقاتها وهوانها على الناس وفقدانها لنقطة الحياء الأخيرة في وجهها الذي زالت مع الزمن آدميته وانسانيته . انها حالة من الشذوذ التاريخي لم يشهد العالم لها مثيلاً من قبل ، حتى أن الإنسان العربي بدأ يتلمس أطرافه وينظر الى نفسه في مرآة الزمن ليتأكد من كونه بشراً سوياً مثل غيره ، تبدأ السلطة العربية بالمغازلة في حالات وبالاحتواء في حالات أخرى لتنتهي بعد ذلك بالانقضاض على فريستها فرداً كان أم مجتمعاً وتلتهمه ومن يشذ فهو مطاردُ حتى أطراف الدنيا ومطلوب لنشوزه حتى آخر العمر .
كانت السلطة العربية صماء بكماء لا تعرف للحوار سبيلاً ، لها رجال مخلصون ينفذون أوامرها وكأنها من لدن عزيز حكيم . حتى مع تغير الظروف وانكشاف القناع عن صورتها البشعة لا تلجأ الى الحوار إلا على استحياء وسرعان ما يدفـــع من أجبرها على ذلك الثمن غالياً . كم هو مسكين الإنسان العربي عندما يُتهم في تركيبته النفسية كونها سبب إفراز مثل ذلك النمط من السلطة ، ثمة تناقض يسحب أطرافه في كل اتجاه وصوب فهو من ماض لـه ثقافة في بعض أبعادها تدعوه الى الانصياع والخضوع استجابة لفهم تاريخي للنصوص " كما تكونوا يولى عليكم " وسلطان جائر خير من فتنة تدوم ، وبأنها اختيار إلهي لابد من الايمان به والرضوخ لــــه . وفي أبعاد ثقافية أخرى تؤكد لـه على حرية الإنسان في اختياره لقدره ومصيره ومن يتولى أمره ، لعل اللحظة الفارقة في تاريخنا العربي فشلت في إدراج العقل كمنهج للقياس وحسمت الأمور لغير ذلك ففي الوقت الذى يعتمد فيه عالم اليوم على قوة أخرى معرفية غير البطش والتنكيل تقوم على استيعاب الآخر المعارض بل والعمل على إيجاده لتكتمل الصورة حيث باضدادها تتمايز الأشياء ، تعيث السلطة العربية في الأرض فساداً بدءاً بالمناهج التربوية وانتهاءً بنواحي الحياة الأخرى المتعددة لتجني بعد ذلك مجتمعاً مروضاً تسجنه في خطاب معين مموج مضمونه التسبيح بحمدها آلاء الليل وأطراف النهار ليخرج بعده جسداً مستعبداً . إن هوية الإنسان في قدرته على الاختيار فيما يهم أمور حياته من مهده الى لحده ولكن السلطة العربية سلبت منه عبر حياته نعمة الاختيار إلا فيما يتعلق بمكان لحده وكيفية الانضواء داخله جسداً دون روح . إن حرية الفضاء الذى نمارس فيه صيحاتنا وشتائمنا لنأوي بعد ذلك الى مخادعنا راضين بما قدمناه لمجتمعنا ولأجيالنا صورة أخرى من صور تنكيل السلطة العربية بوعي إنسانها المقهور حيث يظن أن الوضع قبل صراخه شيء وبعده أصبح شيئاً آخر ، ولم يدرك بأن للتاريخ عبئاً يتطلب أكثر من ذلك وغاب عن باله أننا أكثر شعوب العالم صراخاً وفخراً وبكاءً على الأطلال .
لقد بلغ بالسلطة الأمر أنها تستدعي المجتمع لإصلاحه حين علت صرخات ودعاوى الإصلاح من أطراف العالم المختلفة بدلاً من أن تعود هي أدراجها لتستلهم المشروعية من داخلـــــه ، عجزت عن استخلاص الاحترام لها فزرعت الخوف بدلاً عنه فهو صناعه سلطوية عربية بكل اقتدار ، فالعربي خائف في جوعه وفي شبعه في صدقه وفي كذبه حتى في انتصاره خائف ، كيف نعجب حين يتحول النصر عندنا الى هزيمة والهزيمة الى نصر حسب رغبة السلطة طالما هي من يملك حق التفسير وكتابة التاريخ وعلى الشعوب تحمل فاتورة ذلك نصراً كان أم هزيمة ، والأدهى حين تغضب وتزمجر عندما يتدخل الغير للعلاج كيف لا وهي أدرى بالعلاج وبمواطن الألم والمرض ولم تدرك لحظة أنها بيت الداء والخبث أو لعلها تدرك ولكنها في أتساق مع الانتقاء الثقافي لتراثنا الذى لا يجعل مكاناً آخر يمكن القبول به بين صدر العالمين أو القبر .


هل يستحي العرب ؟

هل يستحي العرب ؟

عبد العزيز الخاطر
2009 / 1 / 5

 
فضحتنا غزة
تضع المواجهة القائمة فى غزة بين الكيان الصهيوني وجيشه الأرقى والأفتك في العالم وبين المقاومة الفلسطينية الباسلة ليس فقط احتمالات وواقعاً جديداً على الأرض وانما أيضا دلالات وألفاظ ومعانٍ جديدة فى القاموس اللغوي والثقافي العربي وتزيح بالتالي مفاهيم ومعان وكلمات عن مدلولاتها السابقة التى درجنا عليها واستأنستها آذاننا. انها بداية لحقبة ثقافية جديدة بمصطلحاتها ومدلولاتها الثقافية, كانت الارادة لدينا ارادة الأنظمة والجيوش النظامية فإذا بها تتأكد اليوم بأنها ارادة المقاومة بعد أن فرضتها حرب 2006 فى لبنان, كان الموت لدينا نهاية لا نسعى لها فإذا بأهل غزة يتسابقون اليه, كان القادة يختبئون ويديرون المعارك من وراء حجاب فاذا بقادة المقاومة الفلسطينية في غزة يتقدمون الصفوف ويرفضون مغادرة مقارهم ويحتفون بالشهادة وأسرهم وأطفالهم فى نفس اللحظة, قيم ومعايير ودلالات أخرى اختفت من قاموسنا السياسي والثقافي منذ زمن , ولكن المفهوم الأكبر الذى قلبته غزة جذرياً بصمودها أمام كل هذه النار التي لا تبقي ولاتذر هو مفهوم الهزيمة. كانت لدينا تعني الانكسار العسكري وفي أقصى صورها تدني الروح المعنوية فاذا بها تعني معنى آخر يقتص من تاريخ الأمة ودينها وشرفها وهو "قلة الحياء" نعم فالحياء فى مضمونه مشاركة ضمنية وايمانية وقومية ليس لتضميد الجرح ولكن للنصرة وعدم اطفاء جذوة المقاومة , تاريخنا الحديث برغم نوازله وعثراته تاريخ حياء الأمة أمام مستحقاتها لذلك كانت الهزائم عسكرية فقط لاتلبث أن يتم تجاوزها مادياً.  تم بناء حاجز الصواريخ العظيم بعد هزيمة 67 العسكرية بل بناء الجيش المصري كله تم بعد ذلك ! انه حياء الأنظمة أمام تاريخها وأمام شعوبها, الحياء المشترك فى معانيه القصوى يوحد الأمة فتشترك فى النصر والهزيمة . دخول الملك حسين حرب 67 برغم ضعفه العسكري وجبهته الطويلة المكشوفة أمام اسرائيل كان حياءً قومياً ووطنياً. وقوف العرب مع مصر وسوريا وتعريض مصالحهم للخطر بايقاف النفط كان حياءً قومياً ووطنياً .ذهاب بومدين الى موسكو وعرض كل ماتملكه الجزائر لقاء تزويد مصر بالأسلحة حياءً فريداً نفتقده اليوم برغم أن العلاقات بين العرب وقتئذ لم تخلو من الصعوبات ولكن الأنظمة لم تفقد حياءها بعد بل وآمنت بأن هزيمتها الفعلية فى فقدانها اياه . وقبل ذلك التاريخ كان حياء النظام المصري يتطلب وقوفه مع أشقائه فى كل مكان وتقديمه للشهداء لنصرة القضية الفلسطينية. حياء الأمة يجعلها تلبي نداء الالتئام والتوحد فى أقصر وقت ممكن, لا أحد يسكن فى الخفاء ولا أجندات غير تلك التى يعرفها الكل. أعتقد بأن غزة بصمودها اليوم كشفت بأن الأمة منهزمة حتى النخاع بقلة حياء أنظمتها وليس بعجزهم عسكرياً أو مادياً فترساناتهم من الأسلحة شاهد على قلة الحياء فهي مكدسة يأكلها الصدأ .
الرد النظامي الرسمي العربي على مجزرة العصر قلة حياء بلا شك ! وهزيمة فضائحية اذا ما استخدمنا تعبير ما قبل غزة, وجود السفارات والقنصليات في العواصم العربية وآلة الحرب الاسرائيلية تبيد الشعب العربي فى غزة تظهر عورة النظام العربي وفقده آخر نقطة حياء فى وجهه وتنكره لتاريخه. استعمالهم لهذه الكارثة كورقه سياسية وتصفية للحسابات فقد للحياء ما بعده فقد ورقص على جثث الأطفال والشيوخ والنساء, عجزهم عن عقد قمة بمستوى الحدث سقوط للوجه الرسمي العربي بأكمله.
 لقد فضحتنا غزة فالكل يبحث عن قشة ليتعلق بها وفود هنا وهناك اسلامية وعربية وأردوغان وبان كى مون وغيرهم ممن لا يزالون يمتلكون الحياء الانساني يسعون لنجدة الثكالى والأرامل والشيوخ والعزل من أمة فقد نظامها الرسمى حياءه أمام أبنائه  وأمام تاريخه ومستحقاته .
أمس اتصلت بالأمل
قلت له:هل ممكن أن يخرج العطر لنا من الفسيخ والبصل ؟
قال : أجل
قلت: وهل يمكن أن تشتعل النار بالبلل ؟
قال: أجل
قلت: وهل من حنظل يمكن تقطير الى العسل؟
قال: أجل
قلت: وهل يمكن وضع الأرض فى جيب زحل
قال: نعم, بلى,أجل, فكل شى محتمل
قلت :اذن عربنا سيشعرون بالخجل؟
قال : تعال ابصق على وجهي اذا هذا حصل …..
أحمد مطر